اهل الجلد والراس من النازحيين واللاجئين ….

قلم ،،ماجد السباعي

الحرب في السودان لم تكن مجرد معارك بين أطراف مسلحة، بل كانت عبارة عن زلزالاً هزَّ حياة ملايين السودانيين، اضطرهم إلى ترك بيوتهم وفقدان ممتلكاتهم وتفكك أسرهم بين الداخل والخارج. والنازح السوداني،،
ما يحدث اليوم ليس مجرد رقم في تقرير دولي، بل مواطن اقتُلع من مكانه بسبب الحرب لكنه لم يفقد حقه في وطنه ولا حقه في المشاركة في تقرير مستقبله، وهنا يبرز السؤال الجوهري فيما إذا جلس السياسيون والعسكريون وقادة الأحزاب للتفاوض حول مستقبل السودان، فأين يجلس النازح واللاجئ؟ ومن يتحدث باسم الأسرة التي فقدت بيتها وأرضها ومصدر رزقها؟
لا يمكن أن يكون السلام الحقيقي سلاماً يُصنع في القاعات المغلقة بينما أصحاب المأساة يقفون خارج الباب، فالنازح واللاجئ يجب ألا يكونا آخر من يُستشار، بل جزءاً أصيلاً من صناعة الحل منذ بدايته وحتى تنفيذه.
إن تمثيل النازحين واللاجئين في الحوار السياسي ليس رفاهية، بل ضرورة لأن النازح مواطن كامل الحقوق لم يفقد سودانيته لأنه ترك منزله، ومن غير المعقول أن تُتخذ قرارات بشأن الأرض والعودة والتعويض وإعادة الإعمار دون أن يكون أصحاب هذه القضايا موجودين على طاولة القرار، ولأن من اكتوى بالنار أدرى بحرّها، فهناك فرق شاسع بين شخص يتحدث عن النزوح من خلف مكتبه وبين أم عاشت مع أطفالها شهوراً في ظروف قاسية،
ان وجود النازحين واللاجئين في الحوار سيصنع حلولاً أقرب إلى الواقع، ولأن العودة ليست مجرد فتح الطريق بل هي أن تشعر أنك عدت إلى وطن آمن يحفظ كرامتك وحقوقك، ولأن إقصاء النازحين قد يزرع بذور حرب جديدة، فالسلام الذي لا يعالج جذور المشكلة يمكن أن يكون مجرد هدنة مؤقتة، ومشاركة الضحايا في صناعة السلام ليست مسألة شكلية بل جزء من ضمان استدامته.
لتحقيق هذا التمثيل لابد من وجود ممثلين حقيقيين للنازحين واللاجئين في أي عملية سياسية شاملة، وأن يتم اختيارهم عبر آلية واضحة تسمح لهم بالتعبير عن أولوياتهم، كما يمكن عقد مؤتمرات تشاورية في مناطق النزوح ودول الجوار تناقش قضايا العودة الطوعية والآمنة واسترداد الأراضي والممتلكات والتعويضات والأمن المحلي والتعليم والصحة وإعادة الإعمار والمصالحات المحلية والعدالة الانتقالية ودور المرأة والشباب ومستقبل الأطفال، لتخرج بورقة مطالب واضحة تُقدَّم إلى طاولة الحوار الوطني،
لا ينتهي تمثيل النازحين بانتهاء الحرب بل يجب أن يكون لهم حضور في مؤسسات ما بعد الحرب كالمجلس التشريعي ومؤسسات العدالة الانتقالية ومفوضية العودة وإعادة التوطين ومفوضية الأراضي ولجان التعويضات ومؤسسات إعادة الإعمار والحكم المحلي ولجان المصالحات المجتمعية، مع ضرورة إشراك النساء والشباب والأطفال وذوي الإعاقة وممثلي المجتمعات المحلية وأصحاب المهن والطلاب، لأن النازح ليس كتلة واحدة وله احتياجات مختلفة.
وحتى لا يصبح التمثيل مجرد ديكور سياسي، لا بد من توفير ضمانات حقيقية كالتمويل لتكاليف السفر والإقامة والمشاركة، والحماية للمتحدثين عن الانتهاكات أو قضايا الأرض، والتدريب في مجالات التفاوض والقانون وحقوق الإنسان وإدارة النزاعات، والمساءلة بأن يعود الممثل إلى قاعدته ويشرح ماذا قال وماذا وافق عليه،
يمكن الاستعانة بالتكنولوجيا كالإذاعات المجتمعية والاجتماعات المحلية ومجموعات التواصل الاجتماعي والاستبيانات الإلكترونية ومن ثم اللقاءات عبر الإنترنت لجعل صوت النازح مسموعاً دون حاجة سفره إلى قاعة المؤتمر.
تؤكد تجارب الدول الأخرى كاليمن والعراق وجنوب السودان وسوريا ورواندا على أهمية توسيع المشاركة السياسية وإدخال قضايا النازحين واللاجئين في ترتيبات السلام ومتابعة تنفيذ الاتفاق، والربط بين العودة والأمن والحماية والحقوق، مع الاستفادة من المصالحات المحلية والعدالة المجتمعية وإعادة بناء الثقة بين الناس.
نحن لا نريد أن تتحول قضية النازحين إلى ورقة تستخدمها القوى السياسية للحصول على مقاعد إضافية، بل نريد أن يكون لهم صوت حقيقي وتأثير حقيقي، ونريد أن يسمع السياسي عندما يتحدث عن العودة صوت الأسرة التي فقدت بيتها،
وعندما يتم التحدث عن الأرض صوت المزارع الذي ترك أرضه، وعندما يتحدث عن التعليم صوت الطفل الذي جلس سنوات خارج المدرسة، وعندما يتحدث عن السلام نتذكر أن السلام بالنسبة للنازح ليس بياناً سياسياً بل بيت آمن وأرض محفوظة ومدرسة مفتوحة ومستشفى يعمل ثم طريق آمن وكرامة مصانة.
يجب إنشاء مجلس تشاوري للنازحين واللاجئين السودانيين باعتباره جسم مستقل يضم ممثلين يتم اختيارهم من قواعد النازحين واللاجئين مع تمثيل عادل للنساء والشباب والمناطق المختلفة،
وتكون من مهامه جمع مطالبهم وتقديم أوراق موقف للحوار السياسي والمشاركة في مفاوضات السلام ومتابعة تنفيذ اتفاقات العودة ورصد قضايا الأراضي والممتلكات والمشاركة في العدالة الانتقالية ومتابعة التعويضات والتنسيق مع المنظمات الإنسانية والدولية ومراقبة ظروف العودة ورفع تقارير دورية إلى الشعب السوداني.
ان القاعدة الذهبية التي يجب ألا ننساها هي أن النازح ليس ضيفاً على السودان بل سوداني خرج من بيته بسبب الحرب، واللاجئ ليس مواطناً من الدرجة الثانية بل سوداني أجبرته الظروف على عبور الحدود،
وأي مشروع سياسي جديد للسودان يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن ملايين السودانيين الذين نزحوا أو لجأوا ليسوا مجرد ضحايا للحرب بل شركاء في صناعة السلام وبناء الدولة.
لن يستطيع السودان أن يبني مستقبله إذا ظلَّ نصف قصته خارج غرفة القرار، فقد سمعنا أصوات السياسيين والعسكريين وقادة الحركات والأحزاب والنخب، وحان الوقت أن نسمع صوت المواطن الذي حمل أطفاله وخرج من بيته
وسماع صوت الأم التي تركت منزلها والمزارع الذي ترك أرضه والطالب التي انقطعت دراسته والشاب الذي ضاعت سنوات عمره وكل سوداني أصبح لاجئاً أو نازحاً بسبب هذه الحرب،
فالسلام الذي يصنعه الذين لم يعيشوا المأساة وحدهم قد يكون سلاماً ناقصاً، أما السلام الذي يشارك في صناعته أصحاب الوجع فهو أقرب إلى أن يكون سلاماً قابلاً للحياة،
لا تجعلوا النازح واللاجئ مجرد رقم في إحصائية ولا صورة في تقرير ولا اسماً في خطاب سياسي، أعطوه مكانه في طاولة القرار، فمن حق من دفع ثمن الحرب أن يكون شريكاً في صناعة السلام….
ودمتم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى