حرب السودان.. والتجرد من الإنسانية

الهادي الشواف
الحرب كحالة تعرٍّ من الإنسان:
الحرب في جوهرها ليست مجرد صراع بين قوتين تستخدمان السلاح لتحقيق أهداف سياسية، إنها لحظة تنكشف فيها هشاشة الإنسان حين تسقط القيود التي صنعتها الحضارة حول غريزة العنف، ولذلك تبدو الحرب منذ بدايات التاريخ كأنها عودة مؤقتة إلى زمن يصبح فيه الآخر شيئًا لا إنسانًا، وهدفًا لا ذاتًا، ورقمًا لا وجهًا له، اسم وأم وأب وأطفال وذاكرة وأحلام.
فمنذ أن وجدت الحرب في حياة البشر، وجد معها سؤال ملح: هل الحرب استثناء يخرج فيه الإنسان عن طبيعته الإنسانية، أم أنها كشف عن وجه آخر كامن فيه أصلًا؟ يذهب توماس هوبز إلى أن “حالة الطبيعة” التي يتجرد فيها البشر من كل سلطة رادعة هي حرب الكل ضد الكل، حيث تنتفي معايير الحق والباطل وتحل محلها القوة وحدها، غير أن هوبز نفسه كان يصف حالة افتراضية سابقة على التعاقد الاجتماعي، بينما تظهر لنا حروب اليوم أن التجرد من الإنسانية ليس عودة إلى “طبيعة” بدائية، إنما ما يحدث هو صناعة واعية ومنظمة تحتاج إلى خطاب وتعبئة وتبرير أيديولوجي كي تكتمل.
هنا تحديدًا تكمن أهمية ما كتبته حنة أرندت عن “تفاهة الشر”.. الفظائع الكبرى لا ترتكب غالبًا على يد وحوش استثنائيين يأتون من كوكب آخر، ولكن في الواقع ترتكب على يد أناس عاديين قبلوا أن يعطّلوا ملكة الحكم الأخلاقي وأن يتحولوا إلى تروس في آلة تنزع عن الضحية صفة الإنسان قبل أن تنزع عنها الحياة، فالقتل الجماعي في جوهره عملية من مرحلتين: تجريد رمزي أولًا، ثم تصفية فعلية، من يراد قتله يجب أن يعاد تصنيفه أولًا كـ”غير إنسان” وشيطنته عبر خطاب مبثوث جهرًا لكي يصبح قتله ممكنًا ومبررًا نفسيًا واجتماعيًا، على الأقل عند القاتل ومن يصطف في صفه.
الوجه الآخر.. حين يمحى الآخر قبل أن يقتل:
يقدم إيمانويل ليفيناس مفهومًا محوريًا لفهم هذه الآلية: “وجه” الآخر هو أول ما يستوقف الإنسان أخلاقيًا، فالوجه بطبيعته يحمل نداءً صامتًا يقول: “لا تقتلني”، فالعنف المنظم في جوهره عمل دؤوب على محو هذا الوجه الآخر وتحويل الأفراد إلى أرقام، إلى فئات، إلى “عدو” مجرد بلا ملامح ولا سيرة ولا أسرة، حين يصور الأسير وهو يجبر على تقليد أصوات الحيوانات أو حين تبث مشاهد التمثيل بالجثث، فإن ما يجري ليس مجرد وحشية عابرة، وإنما استكمال متعمد لهذا المحو وتجريد الضحية من صفتها الإنسانية أمام الجمهور وتجريد الجلاد من إنسانيته في اللحظة نفسها.
فحين يصبح الآخر «عدوًا» فقط، يمكن قتله دون شعور بالذنب، وحين يصبح «خائنًا» أو «مرتزقًا» أو «عنصريًا» أو «فلولًا» أو «دعاميًا» أو «كوزًا» أو أي تسمية أخرى تختزل الإنسان كله في هوية سياسية أو عرقية أو جهوية، يصبح قتله أسهل والتنكيل به أكثر قبولًا والتشفي في موته جزءًا من الخطاب العام.
حين يكون الدافع نفسه شكلًا من التجرد:
الحرب في السودان تقدم نموذجًا صارخًا لهذه الفكرة على مستويين متداخلين، فالمستوى الأول هو الدافع المؤسس للحرب ذاته، وهو صراع على السلطة واستمرارها بعد أن هددت ثورة ديسمبر امتيازات قوى بعينها، وحين تكون شرارة الحرب هي الرغبة في تصفية إرادة شعبية تواقة للتغيير، فإن هذا بحد ذاته فعل تجريد أولي، إذ يختزل ملايين البشر وتطلعاتهم في عقبة يجب إزالتها لا في إرادة يجب احترامها، أما المستوى الثاني فهو الممارسات الميدانية: القتل بأساليب تتجاوز الحاجة العسكرية إلى الاستعراض والترهيب وتدمير المدارس والمستشفيات ومحطات المياه والكهرباء، أي كل ما يشكل البنية التي تجعل الحياة الإنسانية ممكنة أصلًا، تدمير المستشفى ليس فقط ضربة عسكرية، بل يمثل إعلانًا بأن حياة من هم على الجهة الأخرى لا تستحق الحماية.
في سبتمبر 2025م، قالت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان إن طرفي الحرب ارتكبا انتهاكات واسعة النطاق، وإن المدنيين تعرضوا لهجمات مباشرة، كما تعرضت البنية التحتية الضرورية للبقاء، بما فيها المرافق الطبية والأسواق وأنظمة الغذاء والمياه، للتدمير، وأشارت البعثة إلى وقائع قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ويضاف إلى ذلك انتشار خطاب الكراهية العرقية والجهوية، وهو ما حذر منه فرانز فانون حين تحدث عن كيفية بناء “المستعمر” أو “الآخر” كصورة نمطية دونية تمهد للعنف ضده، بتحويل الخطاب العام إلى تصنيفات عرقية أو قبلية تحط من قدر مكون بعينه، فهذا لا يرافق العنف فحسب، وإنما يصنع له الأرضية النفسية والاجتماعية.
النمط نفسه في سياقات مختلفة:
هذا النمط، تجريد الضحية من إنسانيتها قبل تبرير قتلها، ليس حكرًا على السودان، وإنما هو سمة متكررة في نزاعات أخرى شهدها العالم، وأبرزها ما جرى ويجري في غزة ولبنان، حيث تحولت أحياء سكنية بأكملها ومدارس ومستشفيات إلى أهداف، وحيث رافقت العمليات العسكرية خطابات وصفت السكان المدنيين بأوصاف تسقط عنهم صفة “المدني” المحمي بموجب القانون الدولي، وهي ترتقي لأن توصف بأنها جرائم حرب وتطهير عرقي، وبعيدًا عن من يبرره كضرورة أمنية دفاعية، لكن ما يمكن قوله بثقة، تجاوزًا للخلاف السياسي والأيديولوجي، هو أن الصورة المتكررة في كل هذه الحروب، سواء في الخرطوم أو غزة أو بيروت أو أي مكان، هي ذاتها: حين تتضخم فكرة “الأمن” أو “السلطة” أو “الانتقام” ويصبح الطريق الأقصر لتبريرها هو محو إنسانية الطرف الآخر.
نحو استعادة الوجه:
يقول ألبير كامو في سياق تأمله في العبث والتمرد إن رفض القتل، “لا للحرب”، هو الحد الأدنى الذي يمكن أن يجمع البشر رغم اختلافهم على كل شيء آخر، فالإنسان الثائر الحقيقي هو من يضع حدًا لا يتجاوزه أيًّا كانت الأسباب، واستعادة الإنسانية في خضم الحروب لا تبدأ من وقف إطلاق النار وحده، وإنما من استعادة الوجه المحذوف: أن يروى اسم الضحية وقصتها، وأن يفضح الخطاب الذي مهد لتجريدها من إنسانيتها، وأن تحاسب الأطراف على الأفعال بوصفها جرائم لا “ضرورات حرب”، فبين أن تكون الحرب صراعًا على السلطة وبين أن تكون إبادة لإنسانية الخصم مسافة تقاس بمدى استعداد الأطراف والمجتمع الدولي لرؤية الوجه الإنساني للضحية قبل عدها رقمًا في الإحصاء.
السودان مثل فلسطين ولبنان وغيرهما، وليس استثناءً في مأساته، إنما هو مرآة إضافية تكشف كيف تتكرر آلية التجريد من الإنسانية كلما غابت الرقابة الأخلاقية وحضر منطق الغلبة وحده، لذلك فإن الخروج الحقيقي من حرب السودان لا يبدأ فقط بإسكات البندقية، وإنما يبدأ من اللحظة التي نستعيد فيها القدرة على القول إن حياة الإنسان، أي إنسان، أغلى من السلطة وأبقى من القبيلة وأكبر من الحزب وأهم من النصر، وعندها فقط يمكن أن يبدأ السودان في الخروج من الحرب، ليس بإعادة بناء ما هدمته القذائف فحسب، وإنما بإعادة بناء الإنسان الذي هدمته الكراهية.





