حوار الوثبة القديم في زيٍّ جديد

عبلة كرار

يُروَّج هذه الأيام لحوار سياسي يذكّرنا بنماذج قبيحة لاختزال قضايا الوطن وتسطيحها، فهو زاته حوار الوثبة والتوالي والسلام روتانا.

في ظل حرب مستعرة، وفي دولة مزّقتها الخلافات العميقة، يقودها جنرالات تائهون، غافلون في هلاوس الحكم والرئاسة، ويسبح في فلكهم انتهازيون يرون الوطن بعين مصالحهم الضيقة، ولا يرون مساحته تتجاوز حدود مثلث حمدي المزعوم من منظورهم.

ليس كل أجزائه لهم وطن، ولا يسري بينهم قول: «يا عنصري ومغرور، كل البلد دارفور». فالمركزية في هذا الحوار هي سيدة الموقف.

ينطلق الحوار من سردية استتباب الأمن والاستقرار في دولة «برتوكيزان»، ناسين ومتناسين أن مسيّرات الحرب لا تزال تضرب ضرباتها عمياء صماء، مهددةً كل شبر وكل روح.

ناسين مأساة أهل الأبيض، ومناطق المواجهات المشتعلة في شمال وجنوب كردفان، وفي دارفور والنيل الأزرق، وكل المناطق التي يتجدد فيها القتال في دوامة الكر والفر.

حوار يتناسى أن الوطن الآن مقسّم بين مناطق جيش ودعم، بين شمال وغرب، بين سلام وحرب، بين «لا للحرب» و«بل بس».

حوار لا يقترب من جوهر الأزمة: تعدد الجيوش ومراكز القوة المسلحة، ولا يضع سؤال بناء جيش وطني واحد، تحت قيادة دولة مدنية، على طاولة النقاش، وكأن تعدد البنادق أصبح قدرًا لا يجوز الاقتراب منه.

ولا يلامس كذلك نفوذ الحركة الإسلامية وشبكاتها السياسية والتنظيمية والاقتصادية والعسكرية، وما يثار حول ارتباط بعض مكوناتها وشبكاتها بتيارات وتنظيمات ذات صلات بالإرهاب العابر للحدود.

فكيف يمكن بناء سلام مستدام بينما تظل مراكز القوة القديمة التي أشعلت الحرب، والجيوش المتعددة، والشبكات التي راكمت النفوذ لعقود، والمتنفعين من اقتصاد الحرب خارج دائرة المساءلة وإعادة الترتيب؟ وكيف يمكن أن يكون هذا حوارًا حول مستقبل السودان إذا كان من أشعلوا الحريق قد يجدون لأنفسهم مقاعد على طاولة إطفائه؟

بل قد نفاجأ بأن بعض هذه القوى، بدل أن تكون موضوعًا للمساءلة، أصبحت طرفًا في الحوار وصاحبة رأي في رسم مستقبل الدولة.

هذا حوار يأتي والعسس مطلقة أيديهم على رقاب البشر، والتهمة جاهزة: «متعاون». وهيا إلى حبل المشنقة، بموجب مواد أصبح الناشطون السياسيون يحفظونها عن ظهر قلب. فلا صوت يعلو فوق صوت الظلم.

حوار يأتي ببدع قانونية تكسب المتحاورين حصانةً حدّها باب القاعة، ومعيارها الامتثال لمخرجات الحوار.

حوار تحت تهديد البلاغات الكيدية، وفي ظل مناخ لا تزال فيه حرية التعبير والعمل السياسي أسيرة الخوف.

حوار لا يضع حدًا للحرب، ولا ينهيها، ولا يعالج جذور الأزمة، ولا يضمد جراح الوطن، ولا يحافظ على وحدته واستدامة سلامه، ولا يساوي بين أبنائه.

بل يقدم، في نهاية المطاف، صك الانفصال على طبق من ذهب.

حوار «أصحاب الدار»، و«رب الدار» هو الرئيس القادم نتيجة هذه المسرحية الهزلية.

فهذا هو المرام.

ولهذا فقط أُلفت هذه التراجيكوميديا.

الحوار السياسي الحقيقي يجب أن يكون لإنهاء الحرب ووضع حد لمعاناة السودانيين والسودانيات الذين أنهكتهم الحرب وامتهنت كرامتهم، يجب أن يأتي معالجًا لجذور الأزمات التي مرت بها الدولة السودانية، يجب أن لا يكون طريقًا مختصرًا إلى السلطة؛ أو لإعادة إنتاجٍ للقوى القديمة بوجوه وشعارات جديدة، ومنحها شرعيةً سياسيةً نزعتها منها ثورة ديسمبر المجيدة لتعود إليها بواسطة الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى