لغز السيادة المنقوصة.. الفرق بين “الحرية” و”التحرر”

أ. د. أبوبكر أحمد

يثير النقاش حول “ماهية السيادة الوطنية” العديد من التساؤلات الفكرية والإشكاليات الجوهرية في مجال العلاقات السياسة الدولية، وتتضح بعض من جوانب هذه الإشكاليات من التساؤلات الجوهرية في التفريق بين مفهومي “الحرية” (Freedom) و”التحرر” (Liberation). ورغم أن المفردتين قد تندمجان في اللسان العربي تحت مصطلح “الحرية”، إلا أن الفارق البنيوي بينهما شاسع؛ فالأولى “الحرية” شأن داخلي، بينما يمثل الثاني “التحرر” معركة انفكاك وجودية من التبعية للخارج. ويكشف الاختلاف الكبير بينهما عن عمق الأزمة التي تعيشها دول ما بعد الاستعمار.

ويكتسب التفكيك المفاهيمي بين “الحرية” و”التحرر” اليوم أهمية كبيرة ومتجددة، لا سيما في وقت تستعد فيه قوة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية لإحياء الذكرى الـ 250 لإعلان استقلالها عن التاج البريطاني (1776–2026). كما يفسر لنا هذا التفكيك بين المفهومين، أسباب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 2 أبريل 2025 “يوم التحرر Liberation Day” الأمريكي، والذي يهدف إلى إكمال برنامج التحرر من التبعية الاقتصادية للمملكة المتحدة البريطانية، الذي بدأ عقب الاستقلال الأمريكي عنها منذ 250 عامًا وتوقف، وهو البرنامج العريض الموجود لدى التيار الخاص به “ميغا – MAGA” وهو اختصار لـ”Make America Great Again” أي جعل أمريكا دولة عظمى مرة أخرى، وعلى رأس أهدافه التحرر أو إكمال التحرر من تبعية المستعمر، معلنًا عن رسوم جمركية جديدة على الواردات الأمريكية، بهدف تعزيز الصناعة الأمريكية وحماية الأمن القومي.

من هنا يتضح أنه رغم مرور قرنين ونصف القرن على الاستقلال، لا يزال الجدل حول “اكتمال التحرر” من المستعمر الأول قائمًا، وأن هناك ظلالًا من التبعية الاقتصادية لا تزال قائمة؛ فالناس تاريخيًا في أمريكا استوعبوا الدرس مبكرًا حين رفعوا شعار: “التحرر، والعدالة، والسعي وراء السعادة”(Liberty, Justice, and pursuit of happiness)

وفي سياقات تاريخية معينة، يبرز التمييز بين الحريات السياسية الداخلية وبين الانفكاك الشامل من التبعية الاقتصادية والهيكلية للخارج. وتتجلى هذه الفكرة بوضوح في رمزية وضع تمثال التحرر”Statue of Liberty” إذ لم يتم نصبه في قلب الميادين العامة لمدينة نيويورك الأمريكية، بل تم وضعه على تخوم الساحل مواجهًا لمياه المحيط، وكانت الرسالة من اختيار موقع التمثال واضحة، رسالة رمزية موجهة إلى العالم الخارجي تؤكد الانفكاك عن هيمنة الإمبراطورية البريطانية وبداية عهد جديد من السيادة الخارجية، بينما تم ترك “الحرية” لتكون شأنًا وطنيًا داخليًا ينظمه العقد الاجتماعي بين المواطن وسلطته الحاكمة.

وحتى يكون لدينا فهم شامل لأبعاد معركة “التحرر” المستمرة، يجب العودة إلى البنية الهيكلية التي أسسها الاستعمار التقليدي لإخضاع الشعوب، حيث قسمت الإمبراطوريات الكبرى العالم بناءً على أربعة مبادئ اقتصادية وجيوسياسية رئيسية، تمثل في ذاتها القيود الهيكلية التي رغبت الشعوب في الانفكاك منها لتحقيق سيادتها:

 

المبدأ الأول: احتكار المواد الخام:

كان المستعمر يقوم بتجريد الدول الخاضعة له من ثرواتها الطبيعية ومواردها الخام ليقوم بتصنيعها في مصانعه المركزية، فارضًا منظومة “حماية” تمنع خروج هذه الموارد لأي دولة أخرى، مع قيامه بمد شبكات مواصلات وسكك حديدية داخلية مصممة خصيصًا لتسهيل حركة سحب هذه المواد نحو الموانئ لخدمة مصالحه الحيوية.

 

المبدأ الثاني: الأسواق المغلقة:

تحولت المستعمرات بكثافتها السكانية إلى أسواق استهلاكية مغلقة أمام بضائع الدولة المستعمرة فقط، حيث قام المستعمر بفرض تشريعات وسن قوانين صارمة تحظر استيراد المنتجات من أي طرف ثان، مما خلق حالة من الارتباط القسري والتبعية التجارية المطلقة.

 

المبدأ الثالث: الهيمنة النقدية:

فرض المستعمر عملته الخاصة (كالجنيه الإسترليني أو الفرنك الفرنسي والجلدر الهولندي) كأداة وحيدة للتداول المالي داخل الأقاليم المستعمرة، مع ربطها بالغطاء الذهبي وسحب المعادن النفيسة نحو المركز، وحظر أي معاملة أو تحويل للعملات الأخرى، لضمان السيطرة الكاملة على السياسات النقدية والمالية للشعوب المحتلة.

 

المبدأ الرابع: احتكار النقل والتأمين البحري:

اشترطت القوانين الاستعمارية أن تتم عمليات الشحن البحري ذهابًا وإيابًا عبر أساطيل وسفن الدولة المستعمرة حصريًا، مع إلزامية إجراء التأمين البحري لدى المؤسسات المالية التابعة للمركز مثل هيئة ” Lloyd’s” في لندن. وقد خلق هذا التقييد معضلة هيكلية امتدت لما بعد الاستقلال؛ حيث ظلت الشركات الوطنية الناشئة ملزمة بالرجوع إلى تلك المؤسسات الدولية لإعادة التأمين حتى بعد استقلالها.

إن هذه المبادئ الأربعة تلخص جوهر “التحرر” (Liberation)؛ فهو في عمقه وجوهره نموذج اقتصادي وهيكلي تصل نسبة أبعاده المالية والاقتصادية إلى تسعين بالمائة. وبالتالي، فإن خروج الجيوش الأجنبية المستعمرة من بلد ما لا يعني بالضرورة نيله السيادة الوطنية المطلقة، إذا ما ظلت البنية التحتية والمنظومة الاقتصادية والمالية تدور في فلك المستعمر القديم؛ وهنا يغدو الاستقلال في هذه الحالة مجرد واجهة سياسية منقوصة.

وعند إسقاط هذا التحليل على دول الجنوب، أو ما يعرف بـ”دول العالم الثالث” نجد أنه على الرغم من مرور عقود طويلة على خروج المستعمر ونيل استقلالها الرسمي، إلا أن التساؤل الملح يظل قائمًا: هل تحقق التحرر الفعلي لهذه الدول؟ أم أن الاستقلال كان شكليًا؟ الواقع يشير إلى أن العديد من هذه الدول لا تزال مكبلة بأغلال تبعية المستعمر، عبر تلك الركائز الأربع، من خلال الخضوع لشروط النقد الدولي، وتأثير سلاسل الإمداد، واحتكار التكنولوجيا والخدمات اللوجستية الكبرى.

لقد أدركت حركات المقاومة الوطنية قديمًا هذه التبعية، فأطلقت على جماعاتها وأحزابها أسماء مثل (حزب التحرير أو حركة التحرير الوطنية أو جبهة التحرير أو جيش التحرير) .. إلخ.. لإدراكها أن الهدف الأسمى هو الانفكاك والتخلص الكلي من منظومة التبعية الاقتصادية والهيكلية التي زرعها المستعمر في بلادهم. غير أن مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت في كثير من الأحيان محاولات مستمرة لـ”تغييب الوعي الجمعي”، واختزال المعركة في مفهوم “الاستقلال السياسي” الشكلي، وإيهام الشعوب بأن نيل “الحرية” الداخلية هو نهاية المطاف، بينما تظل قنوات التبعية الهيكلية للخارج قائمة ومستمرة تحت مسميات جديدة.

إن معركة التحرر الحقيقي لا تنتهي برفع الأعلام الوطنية، بل تبدأ من قدرة الدول على امتلاك قرارها الاقتصادي، وتحقيق أمنها الغذائي والتكنولوجي، والانفكاك التام من قوالب الهيمنة التي صاغها الاستعمار القديم لضمان بقائه خلف الستار.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى