«التطبيقات البنكية» خارج الخدمة.. عطل تقني أم قيود على حركة الأموال؟

عبدالهادي الحاج
في وقت باتت فيه التطبيقات المصرفية شرياناً رئيسياً للحياة الاقتصادية في البلاد، وجد ملايين السودانيين أنفسهم خلال الأسبوع الماضي أمام واقع أكثر تعقيداً بعد توقف تطبيقات يعتمدون عليها في تحويل الأموال وإتمام معاملاتهم اليومية.
وأدى تعطل تطبيقَي «بنكك» التابع لبنك الخرطوم و«فوري» التابع لبنك فيصل الإسلامي إلى شلل مؤقت في جانب واسع من حركة البيع والشراء، وتعطّل تحويلات مالية في الأسواق والمستشفيات وبين الأفراد، في وقت تتراجع فيه السيولة النقدية المتداولة من العملة المحلية بصورة حادة.
ولم تقتصر آثار التوقف على المعاملات داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، بل امتدت إلى تحويلات السودانيين من وإلى الخارج، وإلى المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة في إقليم دارفور، ما زاد من صعوبة وصول الأموال إلى ملايين الأشخاص الذين أصبحت الخدمات المصرفية الإلكترونية بالنسبة إليهم بديلاً شبه وحيد عن النقد.
وجاء تعطل التطبيقات بالتزامن مع تراجع حاد في قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، الأمر الذي أثار تساؤلات وشكوكاً في أوساط المتعاملين حول ما إذا كان التوقف ناجماً عن أعطال تقنية أو قيود على شبكات الاتصالات، أم أنه جاء ضمن إجراء أمني أو نقدي غير معلن للحد من المضاربات ومحاولات السيطرة على سوق الصرف.
وبينما تُثار التكهنات حول أسباب التوقف، وجد السودانيون أنفسهم أمام أزمة مزدوجة تتمثل في عملة محلية تتهاوى، ونظام مصرفي إلكتروني يتعطل في بلد أصبحت فيه التحويلات الرقمية جزءاً أساسياً من الاقتصاد اليومي.
سخط وارتباك
محمد سليمان الذي يعمل موظفاً قال لـ«أفق جديد» إن تعطل التطبيقات المصرفية أدى إلى صعوبات كبيرة في توفير الاحتياجات الأساسية، وأضاف: «نريد أن نشتري الطعام ولا نستطيع، ونحتاج إلى شراء المياه ولا نستطيع، وحتى المرضى، كيف يمكن توفير الأدوية لهم؟ وكيف يمكنهم الحصول على العلاج في ظل توقف التطبيقات؟».
وتساءل سليمان: «ما الذي يحدث؟ التطبيق متوقف ولا يعمل، لماذا يتوقف التطبيق؟ ولماذا لا تعمل الخدمة؟ لا يمكن أن يكون شعب بأكمله، بل دولة كاملة بحكومتها ومواطنيها، معتمدة على تطبيق واحد في معاملاتها المالية».
وأشار إلى أن هناك العديد من التطبيقات المصرفية الأخرى التي يمكن استخدامها في إجراء المعاملات المالية، لكنها لا تحظى بالانتشار نفسه، قائلاً إن غالبية المواطنين يعتمدون على تطبيق «بنكك»، بينما لا يعرف كثيرون تطبيقات مصرفية بديلة يمكنهم استخدامها عند توقفه.
وتابع: «حتى التطبيقات الأخرى الموجودة لا تعمل بالصورة المطلوبة، لأن الناس جميعاً يعتمدون على تطبيق واحد، لذلك إذا كان هناك خلل في التطبيق أو في البنك، فإن تأثيره يمتد إلى الجميع، لا يمكن أن تعتمد دولة بأكملها على تطبيق مصرفي واحد لإجراء معاملاتها اليومية».
من جانبه، قال التاجر يوسف بابكر حسن إن تعطل تطبيق «بنكك» تسبب في حالة من السخط والارتباك داخل الأسواق، مشيراً إلى أن المواطنين أصبحوا ينتظرون لساعات دون القدرة على إتمام عمليات الشراء، بينما عجز التجار عن إتمام عمليات البيع.
وأضاف حسن لـ«أفق جديد»: «هناك حالة من السخط في الأسواق، فتطبيق بنكك متوقف، والناس تجلس بالساعات دون أن تتمكن من شراء احتياجاتها، لذا نناشد القائمين على التطبيق إيجاد حل سريع لهذه المشكلة، لأن السودان بأكمله أصبح يعتمد على هذا التطبيق في معاملاته المالية».
وأوضح أن المشهد في الأسواق يعكس حجم الأزمة، قائلاً: «الناس جميعاً يمسكون هواتفهم في انتظار عودة الخدمة، التجار لا يستطيعون البيع، والمواطنون لا يستطيعون الشراء، ولذلك توقفت حركة السوق بصورة شبه كاملة».
وأشار حسن إلى أن تعطل التطبيق انعكس كذلك على المرضى وذوي الاحتياجات العاجلة، مضيفاً: «هناك أشخاص يأتون إلى السوق وهم مرضى، وهناك من ينتظرون لساعات طويلة دون أن يتمكنوا من تحويل الأموال، نرجو من القائمين على بنكك معالجة المشكلة بصورة عاجلة، لأن استمرار التوقف أدى إلى تعطيل حركة السوق وألحق أضراراً كبيرة بالمواطنين والتجار».
صعوبات تقنية
بنكا الخرطوم وفيصل الإسلامي اعتذرا لعملائهما عن التذبذب والتوقف المؤقت الذي طرأ على تطبيقي «بنكك» و«فوري»، مؤكدين أن فرقاً فنية تعمل على مدار الساعة لمعالجة المشكلات التقنية وإعادة استقرار الخدمات في أسرع وقت ممكن.
وقال بنك الخرطوم في بيان لعملائه إنه يعتذر عن «تذبذب خدمة بنكك لبعض المستخدمين»، موضحاً أن فرقه الفنية تعمل حالياً على تطوير الخدمة ومعالجة التحديات التقنية، بما يضمن استمرارها بكفاءة أكبر وفي أسرع وقت ممكن، وأعرب البنك عن تقديره لصبر عملائه وتفهمهم خلال فترة التوقف.
كذلك، اعتذر بنك فيصل الإسلامي عن «التذبذب المؤقت» الذي قد يواجهه بعض العملاء عند استخدام تطبيق «فوري»، مؤكداً أن فرقه الفنية تعمل باهتمام وعلى مدار الساعة لمعالجة التحديات التقنية وإعادة استقرار الخدمة بأسرع ما يمكن.
وأكد البنك حرصه على عودة التطبيق للعمل بالكفاءة والسلاسة المعتادة، مشيراً إلى إدراكه لأهمية وقت العملاء واحتياجاتهم، ومثمناً صبرهم وتفهمهم خلال فترة معالجة الخلل.
أزمة متداخلة
يرى خبراء في القطاع المصرفي أن أزمة تعطل التطبيقات البنكية في السودان معقدة ومتداخلة، وتتقاطع فيها عوامل تقنية وأمنية وسياسية، إلى جانب ما يصفونه بوجود شبهات فساد ومنافسة غير متكافئة بين التطبيقات المصرفية.
ويقول خبير مصرفي – فضّل حجب اسمه – لـ«أفق جديد» إن الجانب التقني يمثل أحد العوامل الأساسية في تعطل الخدمات، مشيراً إلى أن ضعف البنية التحتية للإنترنت في السودان يؤثر بصورة مباشرة على سرعة الاتصال وكفاءة الوصول إلى التطبيقات البنكية.
ويوضح أن المواطن لا يمكن تحميله مسؤولية فهم الأسباب التقنية وراء ضعف الخدمة، لأنه في النهاية يتعامل مع نتيجة واحدة تتمثل في عدم قدرته على الوصول إلى حسابه أو إتمام معاملاته المالية.
وفي ما يتعلق بتطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم، يشير الخبير إلى أن التطبيق يواجه بصورة متكررة ضغوطاً مرتفعة على أنظمته في بداية كل شهر، نتيجة تزامن إيداع أرباح الودائع مع صرف المرتبات، وهو ما يؤدي إلى زيادة كبيرة في أعداد المستخدمين ومحاولات الدخول إلى التطبيق، بما قد يتجاوز طاقته الاستيعابية في بعض الأوقات.
ويضيف أن البنك عمل – بحسب معلوماته – على معالجة هذه المشكلة من خلال مسارين؛ الأول يتمثل في حلول مؤقتة تهدف إلى الحد من آثار الضغط المرتفع على النظام وضمان استمرار الخدمة، والثاني عبر حلول طويلة الأجل، من بينها العمل على إطلاق تطبيق جديد باسم «بنكك بلس»، بهدف رفع الكفاءة والقدرة الاستيعابية للخدمات المصرفية الإلكترونية.
سيطرة وتأثير حكومي
أما في الجانب الأمني والسياسي، فيرى الخبير أن سيطرة الدولة على قطاع الاتصالات من خلال الجهات التنظيمية تمنحها، من الناحية العملية، قدرة على التأثير في الخدمات الرقمية، بما فيها التطبيقات المالية، بينما يطرح احتمال استخدام هذه القدرة لأغراض أمنية أو سياسية، مثل تقييد حركة الأموال أو الحد من التعاملات المالية في فترات معينة، بما قد يؤثر بدوره على سوق العملات الأجنبية.
ويعتقد الخبير أن هذا العامل قد يكون أحد التفسيرات وراء الاضطرابات التي شهدتها التطبيقات المصرفية خلال الأيام الأخيرة، معتبراً أن تزامن تعطل الخدمات مع التطورات الحادة في سوق الصرف يثير تساؤلات حول ما إذا كان الأمر مجرد عطل تقني أم أن هناك تدخلاً متعمداً لأسباب تتجاوز الجانب الفني، ويؤكد أن هذا الطرح يحتاج إلى أدلة ومعلومات رسمية لإثباته.
وفي ما يتعلق بما يصفه الخبير بشبهات الفساد، يشير إلى أن تطبيق «بنكك» أصبح الأكثر انتشاراً واستخداماً بين السودانيين، في وقت لم تتمكن فيه التطبيقات التابعة للبنوك الأخرى من تحقيق مستوى مماثل من الانتشار والمنافسة، لذا يرى أن تعطل التطبيق بصورة متكررة قد يؤدي إلى دفع المستخدمين نحو تطبيقات مصرفية أخرى، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك جهات تسعى إلى تقليص هيمنة «بنكك» على سوق الخدمات المصرفية الإلكترونية.
ويشدد الخبير على أن هذا الاحتمال، شأنه شأن فرضية التدخل السياسي أو الأمني، يحتاج إلى تحقيق مستقل وأدلة واضحة قبل اعتباره سبباً مؤكداً لتعطل التطبيقات المصرفية.
زيادة الطاقة الاستيعابية
الخبير والمحلل الاقتصادي محمد الناير استبعد أن يكون توقف التطبيقات المصرفية مرتبطاً بصورة مباشرة بتراجع قيمة الجنيه السوداني أو بسعر الصرف، مرجحاً أن تكون المشكلة ناتجة عن عمليات التحديث وزيادة الطاقة الاستيعابية للتطبيقات البنكية.
وقال الناير لـ«أفق جديد» إن البنوك تجري بصورة مستمرة تحديثات وتعديلات فنية على تطبيقاتها، إلى جانب العمل على زيادة قدرتها الاستيعابية، وهي عمليات قد يترتب عليها أحياناً بطء مؤقت في الخدمة أو صعوبات في الوصول إلى التطبيقات.
وأضاف أن هذه التحديثات والتوسعات ينبغي أن تُجرى في أوقات لا تشهد ضغطاً كبيراً على الأنظمة المصرفية، خصوصاً أن طبيعة التعاملات المالية في السودان تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأن الاعتماد كان في السابق بدرجة أكبر على النقد «الكاش»، بينما أصبحت نسبة كبيرة من المعاملات اليومية تتم عبر التطبيقات المصرفية والتحويلات الإلكترونية.
وأشار الناير إلى أن المواطنين باتوا يستخدمون التطبيقات المصرفية حتى في عمليات شراء بسيطة، تتراوح قيمتها بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف وخمسة آلاف جنيه، الأمر الذي جعل كفاءة هذه التطبيقات واستمرارية عملها طوال اليوم مسألة بالغة الأهمية.
وأكد أن أي توقف أو تباطؤ في التطبيقات المصرفية ينعكس بصورة مباشرة على المواطنين وعلى النشاط الاقتصادي، داعياً البنوك إلى ضمان جاهزية أنظمتها وقدرتها على استيعاب الزيادة المستمرة في أعداد المستخدمين وحجم المعاملات، بما يمنع تأثر الجمهور سلباً بأي عمليات تحديث أو توسعة مستقبلية.





