ما أخذته منا الحرب

أحمد الليثي
لقد جرّدتنا هذه الحرب اللعينة من أشياء أكثر بكثير مما يظهر في قوائم الخسائر.
أخذت بيوتنا، ومدخرات أعمارنا، وأشياء صغيرة لم تكن تساوي في السوق شيئًا، لكنها كانت تساوي عندنا عمرًا كاملًا من الذكريات.
أخذت صورًا قديمة، وكتبًا حملت هوامشها خطوط أيدينا، وهدايا ممن رحلوا، وأوراقًا لا قيمة لها إلا عندنا، وأثاثًا اشتريناه قطعةً قطعة، وأركانًا في البيوت كنا نظن أنها ستبقى لتشهد شيخوختنا، وتفاصيل صغيرة كانت تقول لنا في صمت: هنا عشنا.
تركنا كل ذلك في بيوتنا مطمئنين، فلم نكن نظن أننا سنحتاج يومًا إلى أن نحمله معنا، لأننا ببساطة لم نكن نظن أننا سنغادر أصلًا.
كان الوطن هو الشيء الوحيد الذي حسبناه لا يُحمل في حقيبة، لأنه باقٍ في مكانه ينتظرنا.
عملنا طويلًا، وادخرنا قليلًا من كثير احتياجاتنا، وأجّلنا رغبات وأحلامًا، وتعبنا ونحن نقول لأنفسنا إن لكل تعب نهاية، وإن وراء سنوات الركض أيامًا أكثر هدوءًا.
أمضى كثير منا سنوات عمره يعمل ويقتصد، ليضع شيئًا جانبًا ليوم يكبر فيه الجسد ويقل فيه الاحتمال.
واستودعنا ذلك كله وطنًا كنا نظن، مهما قسا علينا في شبابنا، أنه سيكون رحيمًا بنا في آخر العمر.
لم نكن نطلب منه الكثير.
بيتًا نعود إليه حين نتعب، ومدخرًا يسند ضعف السنوات، ووجوهًا نعرفها، وشوارع تحفظ خطونا، وركنًا نجلس فيه ذات مساء وقد هدأ العمر فنقول: كفى، لقد وصلنا.
وربما قبرًا قريبًا من الذين أحببناهم.
لكن الحرب جاءت لتقول لنا إننا لم نصل.
بعثرت البيوت، ونهبت المدخرات، وفرّقت الأهل، ودفعت بنا إلى المنافي، ثم تركتنا في عمر لم نعد فيه صغارًا بما يكفي لنبدأ بسهولة، ولا كبارًا بما يكفي لنتوقف عن المحاولة.
وهذا، ربما، هو أكثر ما يؤلم.
ليس أن تفقد ما تملك فحسب، بل أن تفقد السنوات التي أنفقتها كي تملكه.
فالبيت يمكن أن يُبنى مرة أخرى، والمال ربما يُجمع، والأثاث يمكن أن يُشترى، لكن من يعيد إلينا ثلاثين أو أربعين عامًا قضيناها ونحن نبني ذلك الأمان قطعةً قطعة؟
من يعيد صورة أم رحلت، أو كتابًا عليه خط أب غاب، أو هدية بقيت بعد صاحبها، أو رائحة بيت لن يعود كما كان، أو شجرة زرعتها يد تعرف أنك ربما لن تراها مرة أخرى؟
بعض ما فقدناه يمكن شراؤه من جديد، أما العمر الذي أنفقناه كي نصنع ذلك الأمان، فلا متجر في الدنيا يبيعه لنا مرة أخرى.
لقد سرقت منا هذه الحرب حاضرنا، ونهبت ماضينا الذي خبأناه في البيوت، ثم مدت يدها إلى مستقبلنا الذي خبأناه في المدخرات.
ولعل أقسى ما فعلته بنا أنها جعلت كثيرين منا يكتشفون، في خريف العمر، أن الوطن الذي ادخروا فيه أحلام شيخوختهم لم يعد قادرًا حتى على أن يمنحهم طمأنينة العودة.
كنا نظن أن الغربة مرحلة، وأن الوطن هو النهاية.
وكان أهلنا، كلما ابتعدنا، يخشون علينا من الغربة، من وحدتها وقسوتها، ومن بلاد لا نعرفها ولا تعرفنا.
ثم دارت الأيام دورتها القاسية، وانقلب كل شيء:
كانوا يخشون علينا من الغربة، فأصبحنا نخشى عليهم من الوطن.
صرنا نحن البعيدين ننام آمنين، ونترقب أخبار الذين تركناهم هناك بقلوب واجفة.
أصبح السؤال الذي يطاردنا كل صباح ليس: متى نعود إليهم؟
بل: هل هم بخير؟ وهل عبرت هذه الليلة بسلام؟
يا لها من مفارقة موجعة، أن يصبح المكان الذي كنا نهرب من الغربة إليه هو ذاته المكان الذي نتمنى لو استطعنا أن نُخرج أهلنا منه.
كنا نظن أننا سنركض في بلاد الله ما استطعنا إلى الركض سبيلًا، ثم نعود حين يثقل الجسد وتبطؤ الخطى إلى المكان الذي بدأنا منه، فنضع حقائب السفر أخيرًا، ونطمئن إلى أننا لن نرحل مرة أخرى.
فإذا بالحرب تقلب المعادلة كلها، وتجعل الغربة وطنًا مؤقتًا يطول، والوطن ذكرى بعيدة نخشى، كلما طال الغياب، أن يصبح الرجوع إليها أصعب من الرحيل عنها.
ومع ذلك، يظل في القلب شيء عصيّ على النهب.
حنين إلى بيت ربما لم يعد قائمًا، وإلى شارع ربما تغيرت ملامحه، وإلى شجرة ربما قُطعت، وإلى وجوه بعثرتها المنافي، وإلى وطن جرحنا أكثر مما ينبغي، لكننا، على نحو لا نستطيع تفسيره، ما زلنا نريد أن نعود إليه.
لا لنسترد ما أخذته الحرب، فقد يكون بعضه قد ضاع إلى الأبد.
ولا لأننا نظن أن العودة تستطيع أن تعيد الزمن إلى الوراء.
بل لأن شيئًا منا ظل هناك، تحت ركام البيوت، وبين الكتب والصور والأبواب القديمة، وفي الشوارع التي حفظت خطونا ذات يوم.
ولأننا نريد، ولو مرة أخيرة، أن نعود إلى المكان الذي استودعناه أجمل سنواتنا، وذكرياتنا، وأحلام شيخوختنا، ونقول لهذا العمر الذي بعثرته الحرب:
ها نحن قد عدنا إلى المكان الذي تركنا فيه بقية أرواحنا.





