هل يدفع السودان ثمن حلم والد البرهان؟

إبراهيم هباني

في أيام المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، عقب سقوط عمر البشير، حكى عبد الفتاح البرهان، في لقاء تلفزيوني مع مجموعة من الصحافيين السودانيين، عن نبوءة قديمة لوالده: أن ابنه سيحكم السودان ويصبح رئيسًا.

كان ذلك في بداية الطريق، وكان السودانيون، ويا للمفارقة، يحلمون بشيء آخر تمامًا: دولة مدنية.

بعد نحو سبع سنوات، تنشط اليوم حملات تطالب بـ«تفويض» البرهان رئيسًا. وهنا لم تعد حكاية الأب مجرد حلم عائلي قديم، بل أصبحت سؤالًا سياسيًا مشروعًا:

هل يدفع السودان ثمن حلم والد البرهان؟

منذ سقوط البشير، وجد البرهان نفسه في قلب السلطة، وعلى رأس مجلس عسكري ورث بلدًا خرج شبابه مطالبين بالحرية والسلام والعدالة وإنهاء حكم العسكر.

ثم جاءت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019؛ في المكان ذاته الذي احتمى فيه الشباب بالجيش وهتفوا «جيش واحد شعب واحد». سال الدم أمام أسوار المؤسسة التي ظنوا أنها ستحميهم، وبقيت الحقيقة والعدالة معلقتين حتى اليوم.

شُكلت لجنة للتحقيق برئاسة المحامي نبيل أديب، ومضت السنوات من دون أن تصل القضية إلى خاتمتها.

ثم دخل السودان مرحلة انتقالية لم تبلغ غايتها. انتهت الشراكة مع المدنيين في أكتوبر 2021، وتعثر طريق العودة عبر العملية السياسية، قبل أن تندلع الحرب في أبريل 2023 وتدخل البلاد في مأساة أكبر من كل ما سبق.

هذه المحطات ليست مجرد سرد لتاريخ السنوات الماضية؛ إنها، في جوهرها، سجل للفرص التي كانت متاحة لتغيير المسار.

كان بإمكان البرهان أن يكون العسكري الذي يسلم السلطة للمدنيين ويعيد الجيش إلى موقعه بعيدًا عن السياسة. وبعد انهيار الشراكة، كانت أمامه فرصة لإعادة الانتقال إلى مساره. وحين اندلعت الحرب، بقي السلام فرصة أخيرة لإنقاذ البلاد.

لكن الفرص كانت تضيق، بينما كانت أزمات السودان تتسع.

واليوم يعود اسم نبيل أديب عضوًا في لجنة «الحوار السوداني-السوداني» التي شكلها البرهان. والمفارقة ليست في الرجل، وإنما في المشهد: من لجنة للتحقيق في دماء لم تجد العدالة، إلى لجنة تبحث عن مخرج سياسي لبلد أنهكته الحرب.

وبالتوازي مع ذلك، تُجمع التوقيعات والأصوات من أجل «تفويض» البرهان رئيسًا.

وهنا يفرض السؤال نفسه:

تفويضٌ لفعل ماذا؟

فالبرهان لا يعاني نقصًا في السلطة. منذ 2019 ظل في قمتها؛ ترأس المجلس العسكري ثم مجلس السيادة، وقاد الجيش، وأنهى الشراكة مع المدنيين، ثم قاد الجيش خلال الحرب.

فأي سلطة بقيت ليمنحها له «التفويض»؟

القضية، إذن، ليست مقدار السلطة التي امتلكها البرهان، بل ما آل إليه السودان خلال سنوات كانت فيها تلك السلطة بين يديه.

وهنا نعود إلى حلم الأب.

قد يصبح عبد الفتاح البرهان رئيسًا، بالاسم هذه المرة، وقد تتحقق النبوءة القديمة بعد كل هذه السنوات.

لكن التاريخ لا يسجل أحلام الآباء، بل واقع حال الأبناء.

واليوم، بينما يجمع البعض التوقيعات لتحقيق ذلك الحلم، يبحث ملايين السودانيين عن أحلام أبسط بكثير: بيت يعودون إليه، ومدرسة لأطفالهم، ومستشفى لمرضاهم، وعمل يعيد إليهم كرامتهم، ودولة لا يخافون منها ولا عليها.

قد يتحقق حلم والد البرهان أخيرًا.

لكن السؤال الذي سيبقى للتاريخ ليس إن كان الابن قد أصبح رئيسًا، بل الثمن الذي دفعه السودان في سبيله!

وحين يتحقق حلم الأب، ماذا سيتبقى من السودان ليحكمه الابن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى