سوقٌ بلا سعر.. وجنيهٌ بلا قيمة

في الأسواق السودانية، لم تعد الأسعار تنتظر صباحاً جديداً كي تتغير؛ فالسلعة بات سعرها يتبدل على مدار الساعة، بينما يقف التجار والمواطنون أمام سوق فقد استقراره، وجنيه سوداني يفقد قيمته بوتيرة لا تتيح لأحد معرفة ما الذي يمكن أن يحدث غداً. يقول أسامة عبد الرحمن، صاحب محل تجزئة في سوق الكلاكلة اللفة بالخرطوم، إنه قد يضطر إلى إغلاق محله في حال استمرار حالة التدهور التي تشهدها الأسواق، مؤكداً في حديثه لـ«أفق جديد» حالة الركود العام التي تضرب السوق، ومضيفاً أن أسعار السلع صارت تتغير على مدار الساعة. وعلى مقربة من محل أسامة، ثمة منادون يلاحقون العابرين بعبارة «صرف.. صرف»، في مشهد بات جزءاً من تفاصيل السوق اليومية، وبالنسبة إلى أسامة فإن هؤلاء هم من يحددون مسار السوق وأسعاره.

موجة الغلاء التي ضربت الأسواق السودانية في الأيام الفائتة، يأتي مبررها الوحيد، وفقاً للواقع الاقتصادي الراهن، التراجع الكبير في قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأخرى. فقد سجل الجنيه السوداني انهياراً جديداً ليعادل نحو 6400 جنيه مقابل الدولار خلال أيام قليلة، ليفقد أكثر من 90 في المائة من قيمته، وهو أدنى مستوى له منذ اندلاع الحرب في البلاد في أبريل. والمفارقة أن التدهور لا يبدو متوقفاً عند هذا الحد، إذ قد يهبط الجنيه إلى مستويات أدنى، وفقاً لمحللين اقتصاديين، وبالطبع استناداً إلى الواقع العام في بلد يعيش أوضاع حرب تستنزف اقتصاده وموارده وقدرته على الصمود.

وفي وقت لا يجد فيه المواطنون ما يفعلونه سوى «الشكوى» من الأوضاع الاقتصادية بالغة السوء، لا تبدو في الأفق القريب حلول يمكن انتظارها. تقف سيدة سودانية عاجزة أمام غول السوق وأسعاره، وتقول لـ«أفق جديد»: «لا ندري ما نفعله. الأموال التي أتيت بها للسوق فقدت حوالي 70% من قيمتها، وصارت مجرد أوراق بلا قيمة. الأمر لم يعد محتملاً، وحتى كوتة الصبر كملت في آخر المطاف. سأعود دون الحصول على الاحتياجات الأساسية».

عجز الناس عن الشراء يقود بدوره إلى ركود السلع في الأسواق، لكن الركود نفسه، بالنسبة إلى التجار، قد يكون في هذا الواقع أفضل من البيع. يقول أسامة إنه إذا تخلص من السلع بالبيع، فقد لا يستطيع شراءها في اليوم التالي، في ظل ضبابية الرؤية وعدم القدرة على التنبؤ بما ستؤول إليه الأسعار. وهذه النظرية، أي الاحتفاظ بالسلع وإيقاف عمليات البيع، لاحظتها «أفق جديد» في عدد من أسواق الخرطوم، حيث أغلقت بعض المحال أبوابها، بينما قرر آخرون إيقاف البيع إلى حين وضوح الرؤية. وهكذا لا يصبح التاجر أمام خيار الربح والخسارة فحسب، بل أمام معادلة أكثر قسوة: أن يبيع ما لديه اليوم، ثم يعجز غداً عن شراء البديل.

ويرجع رئيس الغرفة القومية للمستوردين، هاشم أبو الفاضل، الأزمة إلى الزيادات العالمية، بسبب حرب الشرق الأوسط وارتفاع فاتورة النقل الداخلي. ويوضح أنه مع تفاقم الأزمة عالمياً، جربت الحكومة السودانية كل الطرق للسيطرة على سعر العملة؛ فحظرت 46 سلعة، وباءت محاولاتها بالفشل، إلى جانب دخولها في استيراد المواد البترولية، مع زيادات مطردة في أسعار الدولار مقابل الجنيه السوداني. ويضيف أن المواطن فقد دخله ومدخراته، لأن أغلب رؤوس الأموال نهبت، ودُمرت المصانع، وتوقف الإنتاج، ومع ذلك تفرض الحكومة جبايات وتضع معوقات، في وقت هجر فيه البلاد أصحاب الخبرات والمهارات، الأمر الذي تسبب في تباطؤ عملية النمو.

ووفق رئيس الغرفة القومية للمستوردين، فإن الوصفة الوحيدة لكبح جماح ارتفاع الأسعار هي التوجه نحو الإنتاج وزيادة الإنتاجية، لكن حتى هذه المهمة تبدو صعبة في ظل التخوف من استمرار الحرب، الأمر الذي يبطئ العملية الاستثمارية في السودان. ورغم ذلك، لا يتوقع أبو الفاضل أن تتدخل الحكومة في إيجاد حلول؛ لأنها، بحسب وصفه، جربت كل الممكن ولم تصل إلى نتيجة تخفف الأزمة عن المواطنين.

وفي جانب آخر، يرى البعض أن الأزمة تكمن في الحكومة نفسها وفي سياساتها، كما أنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة؛ فقيمة العملة في أي بلد ترتبط بقيمة البلد واستقراره بشكل عام. وبحسب هذا الرأي، فإن الأزمة ليست في الجنيه وحده، وإنما في الضغوط الممارسة عليه وعلى الموارد غير المستغلة بفعل الحرب، أو تلك المستغلة من أجل المزيد من الحرب.

وبينما تتراجع قيمة الجنيه، ترتفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات تثقل كاهل المواطن الذي فقد قدرته على اللحاق بالسوق. فقد بلغ سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً 265 ألف جنيه، وجوال العدس زنة 20 كيلوغراماً 225 ألف جنيه، وجوال دقيق الذرة 75 ألف جنيه، فيما بلغ سعر جوال الأرز زنة 20 كيلوغراماً 185 ألف جنيه. وتأتي هذه الارتفاعات في وقت يعاني فيه المواطنون من ضغوط اقتصادية متزايدة، تتسع معها الفجوة بين الدخل وتكلفة الاحتياجات الأساسية.

وحمّل الحزب الشيوعي بمدينة عطبرة «سلطة الأمر الواقع» المسؤولية الكاملة عن التردي المريع في الأوضاع المعيشية والاقتصادية بالبلاد، رافضاً ما وصفه بـ«سياسات الإفقار والجبايات» التي تستهدف تدمير القطاع التجاري الصغير والمتوسط. وقال الحزب، في بيان جماهيري أصدره اليوم السبت بالتزامن مع ذكرى هبة سبتمبر 2013، إن الأزمة الحالية والغلاء الفاحش في أسعار السلع الأساسية ليسا نتاج صدفة أو أزمة عالمية، بل هما نتاج «اقتصاد حرب ممنهج قائم على نهب الموارد لتمويل النزاع المسلح على حساب الخبز والصحة». وأشار البيان إلى أن الميزانيات الحكومية باتت تُوجّه للسلاح وتغطية عجز الدولة عبر الإثقال على كاهل المواطنين بالضرائب والجبايات.

ولا يبدو ما يجري الآن سوى رأس الجليد، فيما يبدو القادم أكثر صعوبة على المواطنين العالقين في وسط الحرب وتجارها، وفي غياب سلطة تهتم بواقعهم المعيشي؛ سلطة لا تفعل غير فرض الجبايات والتفرج على الانهيار، في بلد سيصبح عليها الصباح وقد بلغت قيمة رغيف الخبز ألف جنيه بالتمام والكمال.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى