الشهادة السودانية.. جرس تقسيم من مناطق “تأسيس”

الخرطوم: ابتسام حسن
أعلنت حكومة «تأسيس» نتيجة امتحانات الثانوية العامة في مناطق سيطرتها بدارفور، لتفتح خطوة الإعلان الباب أمام واقع تعليمي جديد يهدد بإنتاج مسارين متوازيين للشهادة السودانية، في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري الذي تعيشه البلاد منذ اندلاع الحرب.
ويرى خبراء تربويون أن إعلان نتائج امتحانات الشهادة السودانية من سلطتين مختلفتين لا يمثل مجرد خلاف إداري حول الامتحانات، وإنما يعكس انقساماً أعمق في القرار التعليمي، محذرين من أن استمرار الوضع قد يقود إلى نشوء نظامين تعليميين داخل الدولة الواحدة، لكل منهما سياساته ومناهجه وامتحاناته وشهاداته.
ويحذر التربويون من أن تعدد الشهادات قد يضع الطلاب أمام مستقبل غامض، خصوصاً فيما يتعلق بالقبول الجامعي ومعادلة الشهادات والاعتراف بها، فضلاً عن فرص العمل داخل السودان وخارجه، مؤكدين أن الطلاب لا ينبغي أن يتحملوا نتائج صراع سياسي وعسكري لم يكونوا طرفاً فيه.
وفي المقابل، يؤكد تربويون أن تجاهل الطلاب الذين جلسوا للامتحانات وأعلنت نتائجهم ليس حلاً، وأن المطلوب هو صياغة وطنية وقانونية وأكاديمية واضحة تضمن اعتماد شهاداتهم أو معادلتها، وفق معايير مهنية تحفظ حقهم في مواصلة التعليم العالي وتحمي مستقبلهم الأكاديمي والمهني.
ويرى هؤلاء أن معالجة أزمة الطلاب يجب أن تسير بالتوازي مع معالجة أصل المشكلة، والمتمثلة في انقسام القرار التعليمي، بدلاً من تحويل تعدد الشهادات إلى واقع دائم.
المبادرة الوطنية
وأعلنت لجنة المعلمين السودانيين أنها كانت جزءاً من «المبادرة الوطنية لامتحانات الشهادة السودانية»، التي شاركت فيها قوى وأجسام متعددة بهدف حماية حق الطلاب في التعليم ومعالجة أزمة الامتحانات التي فرضتها الحرب، والوصول إلى صيغة وطنية تحافظ على وحدة العملية التعليمية.
وقالت اللجنة إن المبادرة كانت تمثل مدخلاً ممكناً لتوحيد القرار التعليمي ووضع التعليم والامتحانات في إطار وطني مهني مستقل عن الاستقطاب السياسي والعسكري، وصولاً إلى امتحانات موحدة وشهادة سودانية واحدة تستند إلى معايير مهنية واضحة وتحظى بالثقة والاعتراف.
وأكدت أن موقفها لا يستهدف الطلاب الذين أدوا الامتحانات، ولا يطالب بإلغاء نتائجهم أو تركهم لمصير مجهول، وإنما يسعى إلى حل يحفظ حقوقهم الحالية ويمنع في الوقت ذاته تكريس واقع تعليمي منقسم.
وشددت اللجنة على أن القضية ليست قضية طلاب دارفور وحدهم، ولا قضية منطقة تقع تحت سيطرة أحد أطراف الحرب، وإنما قضية تمس مستقبل السودان بأكمله، محذرة من أن انتقال الانقسام من السياسة والقتال إلى المدارس والجامعات وسوق العمل سيجعل أجيالاً كاملة تدفع ثمن الحرب.
ودعت القوى السياسية والعسكرية والمجتمعية والأجسام التعليمية إلى إخراج التعليم من دائرة الصراع، وجعل توحيد القرار التعليمي جزءاً من مشروع استعادة وحدة الدولة والمجتمع.
وأكدت اللجنة حق الطلاب في مستقبل أكاديمي ومهني عادل، وفي اعتماد شهاداتهم أو معادلتها بما يحفظ حقوقهم، بالتزامن مع العمل على العودة إلى امتحانات سودانية موحدة وشهادة سودانية واحدة.
وشددت على أن الطلاب ليسوا مسؤولين عن الحرب، ولا يجوز أن يتحولوا إلى ضحايا لها للمرة الثانية، مؤكدة أن من حقهم الالتحاق بالجامعات ومواصلة مسارهم الأكاديمي والمهني، ومن حق أسرهم أن ترى أبناءها يستأنفون حياتهم بعد سنوات من المعاناة.
كما حيت اللجنة صمود الطلاب الذين جلسوا لامتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة سلطة الأمر الواقع بدارفور، وتمسكهم بحقهم في التعليم رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب.
حق الطلاب
وأكدت الخبيرة التربوية درية حسن أن حق الطلاب في التعليم يجب أن يظل قائماً بغض النظر عن مناطق وجودهم، معتبرة أن الامتحانات حق إنساني لا يجوز إخضاعه للمساومة أو الاستغلال السياسي والعسكري.
وقالت لـ«أفق جديد» إن إعلان الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة الدعم السريع ستكون له آثار سلبية وإيجابية على العملية التعليمية، مشيرة إلى أن أخطر آثاره السلبية يتمثل في تحويل التعليم إلى أداة من أدوات الصراع السياسي والعسكري.
وأضافت أن هذا الواقع أنتج عملياً شهادتين سودانيتين مختلفتين، وهو ما قد يمهد، إذا استمر، لانفصال تعليمي أوسع وانقسام طويل الأمد يهدد وحدة السودان.
وترى درية أن ملف الامتحانات كان يمكن تحييده والتعامل معه باعتباره التزاماً أخلاقياً وإنسانياً تجاه الطلاب، وأن يتحول التعليم إلى جسر للتواصل والسلام بدلاً من أن يصبح أداة لتعميق الانقسام.
وأشارت إلى أن «المبادرة الوطنية لامتحانات الشهادة السودانية» كانت محاولة للوصول إلى امتحانات موحدة، لكن غياب الإرادة السياسية لدى أحد أطراف الحرب أدى إلى إفشالها.
وفي المقابل، اعتبرت درية أن الجانب الإيجابي في الخطوة يتمثل في تمكين آلاف الطلاب الذين حُرموا من الامتحانات طوال ثلاث سنوات من الجلوس لها، معربة عن أملها في الاعتراف بشهاداتهم وتمكينهم من الالتحاق بالجامعات ومواصلة تعليمهم.
وحذرت من أن عدم اعتراف الحكومة بهذه النتائج قد يعمق الإحساس بالظلم والغبن لدى الطلاب، مشيرة إلى أن حكومة «تأسيس» أعلنت حصولها على 60 منحة من جامعة أمريكية، إلى جانب اتصالات مع جامعات في دول الجوار لتوفير منح أخرى.
ودعت إلى دور أكبر للمبادرات الوطنية والمنظمات الدولية المهتمة بالتعليم، مثل اليونيسف واليونسكو، للمساعدة في تقريب وجهات النظر ووضع آلية وطنية تضمن عدم ضياع حقوق الطلاب.
تعليم إقليمي
من جهته، قال القيادي في حكومة «تأسيس» والأستاذ الجامعي والمهتم بالشأن التعليمي محمد يوسف إن حكومته لا ترى في قراراتها التعليمية خطوة مؤقتة مرتبطة بالحرب، وإنما جزءاً من مشروع سياسي يقوم على اللامركزية.
وقال لـ«أفق جديد» إن حكومته، حتى استعادة السيطرة على كامل السودان، ستعمل على أن يكون لكل إقليم الحق في تأسيس نظم تعليمية يراها أكثر ملاءمة لخصوصيته، معتبراً أن هذه القرارات جزء من مشروع «السودان الجديد» القائم على اللامركزية.
وبشأن الطلاب الذين أعلنت الحكومة نتائجهم، قال يوسف إن رئيس مجلس الوزراء أعلن أن جميع الناجحين سيجدون فرصاً في مؤسسات التعليم العالي الواقعة في مناطق سيطرة «تأسيس»، مشيراً إلى وجود ما لا يقل عن سبع جامعات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وجنوب كردفان، إلى جانب مقاعد متاحة للطلاب وفق التقديرات الأكاديمية والمسارات التعليمية.
وأعلن أن حكومته قررت مجانية التعليم الجامعي، باعتبار أن تأهيل الكوادر البشرية ليس استثماراً تتحمله الأسرة وحدها، وإنما استثمار مجتمعي تستفيد منه الدولة والمجتمع بأكمله.
كما أعلن عن خطة لإعادة تأهيل عدد من المعاهد الفنية، باعتبارها مكوناً أساسياً في التعليم العالي، لتخريج كوادر فنية ومهنية قادرة على دعم عملية النهوض الاقتصادي والاجتماعي.
وقال إن الحكومة تلقت عدداً من المنح والدراسات الجامعية من دول مختلفة، بينها 60 منحة من جامعات أمريكية، مشيراً إلى أن طلاباً آخرين سيتوجهون إلى دول آسيوية وأجنبية بعد التواصل مع تلك الدول لتوفير منح إضافية.
الالتزام بالدستور
وأكد يوسف أن حق التعليم مكفول لجميع الطلاب، بغض النظر عن مواقع وجودهم، مستنداً إلى الوثيقة الدستورية لحكومة «تأسيس» الانتقالية لعام 2025، التي تنص على حماية حقوق الطفل وفق المواثيق والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان، بما في ذلك الحق في التعليم الأساسي المجاني.
وقال إن حكومته لا تريد أن يبقى هذا الحق مجرد نص دستوري، وإنما تسعى إلى تحويله إلى واقع عملي يحمي الأطفال من الزج بهم في الصراعات السياسية والعسكرية.
وأشار إلى أن الوثيقة الدستورية تنص، في البند 36، على أن التعليم حق لكل مواطن ومواطنة، وعلى الدولة الالتزام به دون تمييز على أساس الدين أو اللغة أو الإثنية أو الجهة أو النوع أو الإعاقة.
وأوضح أن التعليم الأساسي، وفق رؤية حكومته، إلزامي ومجاني، وأن التعليم في ظل النظام اللامركزي يجب أن يكون شأناً إقليمياً، بالنظر إلى تنوع المجتمع السوداني واختلاف خصوصيات أقاليمه.
وقال إن لكل إقليم، وفق هذا التصور، حق تنظيم العملية التعليمية وتمويلها ووضع مناهج تراعي واقعه وخصوصيته، سواء في دارفور أو النيل الأزرق أو الشمال أو الشرق أو الوسط.
وأضاف أن من مظاهر هذا التوجه تدريب المعلمين وإنشاء المدارس وإعادة النظر في المناهج وتنظيم الامتحانات، باعتبار ذلك جزءاً من تحرير القرار التعليمي من قبضة المركز واحتكاره.
وبينما ترى «تأسيس» أن تعدد النظم التعليمية يمثل تطبيقاً للامركزية، يحذر تربويون من أن تحويل هذا التعدد إلى شهادات متوازية قد يخلق واقعاً تعليمياً يصعب تفكيكه لاحقاً. وبين الرؤيتين، يبقى الطلاب الحلقة الأضعف، والمطالبون أولاً بضمان الاعتراف بمستقبلهم التعليمي قبل أن تتحول الحرب إلى انقسام دائم في الشهادة السودانية.





