بين تمساح حاج الماحي وتمساح الدندر العائد .. السودانيين ينتظرون عملية إجلاء!

علاء الدين بشير
تصدر خبر إعادة السلطات الأردنية تمساحا نيليا ضخما الى السودان الاسبوع الماضى المنصات ، وطغى حتى على أخبار الساعة “ترتيبات الحوار السوداني السوداني وتطورات العمليات العسكرية وأنباء النزوح واللجوء والجوع والتداعيات الإنسانية المؤلمة لها، إضافة الى مشروع قرار مسعد بولس المودع لدى مجلس الامن الدولي لفرض تعميم على حظر السلاح ليشمل كل السودان بدلا عن دارفور فقط” .
*ملائكة الرحمة المجهولين*
اربك الاهتمام الكبير الذى حظى به الخبر والانتشار الواسع له ، معايير الصحافة المهنية عن الأولوية والأهمية فى القصص الخبرية التى تعطى دائما للإنسان ، خاصة مع نوع الجمهور الموجهة له قصة التمساح العائد جوا من حاضرة الهاشميين وهم السودانيين الذى لم يعهد عند أغلبهم إهتمام او حساسية كبيرة تجاه الحيوانات ومعاملتها او اهتمام بمتابعة أخبارها رغم التوجيه النبوي الذى يحض على الرفق بها، كما عند بعض الشعوب الأخرى .
لم يكتف ذلك التمساح العائد الى الديار بخطف الأضواء فحسب ، ولكنه أدى إلى الإنتباه وكشف عن عمليات إجلاء كبيرة تمت جوا وبعيدا عن الانظار ، نفذت إحداها قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) ، لحيوانات كثيرة سودانية وغير سودانية كانت اسعد حظا من كثير من البشر ، من قلب المعارك الملتهبة وتحت وابل القصف المدفعى والرصاص المنهمر فى الخرطوم والجزيرة وسنار الى خارج السودان.
وكان التمساح المملوك لمحمية الدندر قد تم ترحيله إلى الأردن قبل أكثر من عامين حينما إنتقلت الحرب العبثية الى ولاية سنار بطلب من إدارة الحياة البرية فى السودان .
وتولت منظمتان تنسيق عمليات إجلاء الحيوانات البرية التى تعرضت للاهمال والجوع والمرض اثناء الحرب فى المحميات الطبيعية والحدائق العامة السودانية بعد ان هجرها موظفيها بحثا عن الأمن ، هما: Four Paws وهي منظمة عالمية لرعاية الحيوانات التي تتعرض لتأثير بشري مباشر، وتكشف عن معاناتها، وتنقذ الحيوانات المحتاجة، وتحميها. والأميرة علياء (PAF) وهى مؤسسة اردنية غير ربحية تأسست على يد صاحبة الجلالة الملكة، علياء الحسين ، وتهدف إلى تعزيز الرحمة والاحترام لجميع المخلوقات، من خلال إتباع نهج شامل، وتوحيد جهود جميع الأطراف المعنية للعمل كجبهة واحدة.
وكنت قد قرأت بيانا لمنظمة Four Paws نشرته الوكالات العالمية بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب فى إبريل 2023 تعلن فيه أنها، استجابت لطلب من سلطات الحياة البرية السودانية، ونفذت بواسطة موظفيها المدربين تدريبا عاليا مهمة لإنقاذ 15 أسدًا، وأربعة ضباع، بالإضافة إلى قطط برية، وغزلان، وطيور، وزواحف من ولاية الجزيرة التى امتدت الحرب إليها.
وكانت تلك الحيوانات من بين 47 حيوانًا اخرى تم إجلاؤها مع بداية اندلاع الحرب من الخرطوم إلى محمية الدندر الوطنية ، وإلى محمية أم بارونة الوطنية في ود مدني . ووصفت المنظمة تلك المهمة بأنها كانت جهداً بالغ الصعوبة، وإحدى أصعب مهام الطوارئ التي نفذتها على الإطلاق فى ظروف محفوفة بالمخاطر بسبب القتال والتصعيد .وذكرت ان الأمر كان مؤثراً للغاية بالنسبة للفريق بأكمله أن يستقبل هذه الحيوانات للمرة الثانية، على الرغم من أنهم كانوا يعتقدون أنها اصبحت في أمان من قبل.
وقال رئيس فريق المنظمة، الذي قاد مهمة الإنقاذ وهو طبيب بيطرى: “علمنا فور سماعنا عن إنتقال القتال الى مدينة ود مدني أننا سنحتاج إلى إجلاء الحيوانات، حتى تتاح لها فرصة للبقاء على قيد الحياة. لقد علقت هذه الحيوانات في قلب منطقة النزاع منذ اندلاع الحرب، وهي تعاني من الصدمات النفسية والهزال الشديد.”
وذكرت المنظمة وقتها أنه “بينما يمكن إطلاق الطيور والغزلان في البرية أو إعادة توطينها محلياً، فإن الحيوانات الأخرى بحاجة إلى رعاية بيطرية مكثفة وعاجلة ومتخصصة لا يمكن توفيرها في السودان”. وإثر ذلك تم نُقل الحيوانات المتبقية إلى الأردن لتلقي العلاج .
ومن هناك تم نقل بعضها مرة أخرى إلى جنوب أفريقيا لتعيش فى بيئة طبيعية تلائم تلك التى عاشت فيها بالسودان.

*عملية إنقاذ أمريكية سرية من ضواحي الخرطوم!*
ولم تكن عمليات الأجلاء التى تمت لحيوانات المحميات البرية السودانية هى الأولى التى تتصدر فيها الحيوانات القصص الإخبارية فى الصحافة السياسية ووسائل الإعلام الأخرى، وتزاحم الضحايا من البشر فى الاستحواذ على الاهتمام . ففى شدة اشتعال الحرب بالخرطوم فى اسابيعها الأولى، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية الشهيرة فى صفحاتها الأولى فى اغسطس 2023 قصة شيقة عن عملية إجلاء ناجحة نفذتها قوات المارينز “للحيوانات الديبلوماسية الاليفة” . وكانت قوات المارينز كُلفت بإجلاء الدبلوماسيين والموظفين الأمريكيين واسرهم من مقر السفارة بضاحية سوبا . ذكرت الصحيفة أن السفير الأمريكي بالخرطوم ،جون غودفرى الذى قالت انه كان يكافح للاختباء من زخات الرصاص العشوائي والغارات الجوية ، إنتظارا لعملية الانقاذ ، تفاجأ بسؤال لم يكن يتوقعه من قائد عملية الإنقاذ : كم وزن الكلاب والقطط المملوكة للعاملين بالسفارة؟!!.
قالت الصحيفة أن قوات المارينز وافقت على إجلاء الحيوانات الأليفة التابعة للسفارة لكنها إشترطت لذلك أن يكون الركاب ذوو الارجل الأربعة الذين سيعتلون ظهر مروحياتها المستخدمة فى عملية الأجلاء والتى هبطت فى فناء السفارة ، مناسبين لحقائب اليد ووزنهم قليل بالارطال ، وكانت القاعدة الأساسية أن يتناسب مع حِضن صاحبه.
كانت الحيوانات الامريكية الاليفة والمُنَعَمة المملوكة لأفراد الطاقم الديبلوماسي الأمريكي بالخرطوم، محظوظة جدا أن وجدت لها فرصة فى الهروب من جحيم السودان والبقاء مع أصحابها، حيث كان مصيرها فى احسن الأحوال(البشتنة) والهيام على وجهها رفقة نظيراتها من الحيوانات الضالة فى شوارع مدينة تركتها الحرب خرائب مسكونة بالاشباح .
إعتبرت الصحيفة الامريكية عملية الاجلاء التى نفذتها قوات المارينز للحيوانات من الخرطوم “فصلًا آخر في التاريخ المتنامي لعمليات إجلاء الحيوانات الأليفة العسكرية والدبلوماسية”.
وفى تعبير زى مغزى أكدت وول ستريت جورنال ان عملية إنقاذ الحيوانات الامريكية من السودان نفذتها الحكومة الامريكية وليست اى منظمة غير ربحية ، لكن وزارة الخارجية أبقت العملية بعيدة عن الأنظار.!!
أيضا أظهرت الصور المنشورة فى السوشيال ميديا لعملية الأجلاء التى تمت للرعايا الفرنسيين والبريطانيين عبر قاعدة وادى سيدنا الجوية شمال ام درمان خلال الأسابيع الأولى للحرب ، صورا لحيونات اوربية هاربة من الجحيم السوداني رفقة أصحابها الخواجات!!.
*مفارقات وطرائف وترميز سياسي!*
عقد السودانيين وخاصة البسطاء منهم حواجب الدهشة الاسفيرية وهم يرون ويسمعون عن العناية والتدليل التى حظي بها تمساح الدندر ورفاقه من الحيوانات الأخرى وهى تتم داخل بلادهم ،فمبلغ خبرتهم مع هذه التجارب لا تتعدى مشاهدتها فى افلام هوليود والمسلسلات الأجنبية البوليسية وتلك التى تتناول عمل قوات الدفاع المدني حيث تدور بعض الحلقات عن إنقاذ كلب او قط جرفته الثلوج المنهمرة او الأمطار او علق داخل أحد مجارى الصرف الصحى ، أو انحبس فى الطوابق العليا بأحد الأبراج السكنية العالية التى شب فيها حريق كبير .
او من خلال الأفلام الوثائقية فى قناة ناشيونال جيوغرافيك التى توثق للعناية بالحياة البرية فى مجتمعاتها وبيئاتها المختلفة .
و تحضرني فى هذا الخصوص موقف طريف حينما كان وفدنا الصحافى والإعلامي الكبير الزائر منتقلا من مدينة لاهاى الى العاصمة أمستردام إبان زيارتنا هولندا خريف العام 2008 .. كنا نرى من خلال زجاج الحافلة التى تقلنا المزارع الخضراء الواسعة وابقار الفريزيان الضخمة ممتلئة الضروع بجلودها اللامعة النظيفة ذات اللونين الأبيض والأسود وهى ترتع فى سلام بينما يجوس حولها رعاتها بمعاطفهم البيضاء الناصعة لحلبها او الاطمئنان على صحتها . علق أحد زملائنا واساتذتنا الكبار المشهور عنهم الظرف وإطلاق الطُرَف التلقائية: “والله مرتاحين، بالله الواحد لو كان خيروه يكون بقرة فى هولندا ولا بنى ادم فى السودان كان اختار بقرة فى هولندا”.
وكانت القرنتية التى حملتها مياه النيل من آعاليه اقصى جنوب السودان وانتهى بها إلى شمال الخرطوم فى العام 2002 قد شغلت الرأى العام والصفحات الأولى فى صحافة الخرطوم لأيام حتى تم قتلها بواسطة شرطة حماية الحياة البرية بعد أن نصبت لها كمينا . اصاب قتلها الرأى العام بالوجوم وربما الحزن عوضا عن الراحة ،وفى ذلك الخضم كتب الشاعر الكبير الراحل هاشم صديق قصيدته الشهيرة *”قرنتية”* التى طبقت شهرتها آفاق السودانيين أينما كانوا، ونشرتها اغلب صحافة الخرطوم ومنها صحيفتنا -وقتها- “الصحافي الدولي” . فى تلك القصيدة رفع هاشم القرنتية من محض حيوان برى إقتحم هدأة سكان المدن الى ضحية ترمز الى ضحايا النظام السياسي الذى كان جاثما على السودانيين ، وكيف تعمد ذلك النظام إلهاء الناس بها لفترة عن واقعهم ومطالبهم بذات أساليبه الديماغوجية فى الحشد ضد الخصوم السياسيين والخارجيين.
وتقول بعض أبيات القصيدة التى تجاوزت مائة :
_قرنتية_
_لا صعلوكة لبست شورت_
_لا بتعرف شنو البظبورت_
_لا محتاجة جنسية_
_هي قايلة النيل سقف بيتا_
_وقايلة ضفافو محمية_
_جات منسابة عز الصيف_
_قايلة الناس بكرمو الضيف_
_قايلة النيل أمان والقيف_
_وقايلة الحاضرة عصرية_
واشتهر إستخدام الحيوانات كرمزيات تشير إلى الصراع السياسي والاجتماعي فى المجتمعات المختلفة من خلال الأعمال الأدبية والفنية ، وتعتبر رواية الكاتب البريطاني، جورج اوريل *”مزرعة الحيوان”* أشهر الروايات فى هذا المجال، حيث قدمت من خلال شخصياتها “الحيوانية” ، نقدا قاسيا للسلطة والثورات السياسية التى تدعو إلى التغيير وكيف تنقلب على مبادئها . ورغم أن الرواية صدرت أول مرة منتصف أربعينيات القرن العشرين ولكنها لا تزال حية فى الذاكرة السياسية للشعوب وعلى مر الأجيال، ويتم تجديد طباعتها بإستمرار .
وعرف عن فنان “الغرافيتي” البريطاني الشهير ، بانكسي الذى يرسم لوحاته الجداريات الضخمة على أسوار المباني فى شوارع لندن وفى بعض المباني الرسمية ، إستخدام الحيوانات كرمزيات سياسية فى أعماله والتى من أشهرها لوحته الموسومة *”البرلمان المتطور” (Devolved Parliament)* والمعروفة بـاسم “برلمان القرود” والتى رسمت عام 2009 يصور فيها بانكسي قردة الشمبانزي وهي تملأ مقاعد النواب في مجلس العموم البريطاني.
وتسخر اللوحة من المشهد السياسي والانقسامات داخل البرلمان البريطاني فى ذلك الوقت ومن غباء النخب السياسية البريطانية وعبر الفنان بها عن احتجاجه على المناقشات العقيمة التى كانت تدور داخل قبة البرلمان البريطاني وقتها .
وقد استدعيت فكرة اللوحة ايضا لاحقا إبان ازمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) . وقد بيعت اللوحة بعد عشر سنوات فى دار مزادات (سوذبي) بمبلغ 12 مليون دولار.
*قرنق يشكر حيوانات الغابة!*
ضمن خطابه الشهير فى حفل التوقيع على بروتوكولات قسمة السلطة وما اصطلح على تسميته وقتها المناطق الثلاث وهى جنوب كردفان والنيل الأزرق وابيي ضمن مفاوضات نيفاشا فى يوليو 2004، وكانت تلك الجولة من أشقّ جولات التفاوض واطولها حيث استغرقت 101 يوم واستمر التفاوض حول القضايا الخلافية بين الطرفين حتى منتصف الليل ، شكر الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق فى كلمته التى ألقاها فى الهذيع الأخير من الليل وكنت حاضرا لها من داخل منتجع سيمبا فى بلدة نيفاشا ، كل الأطراف التى ساعدت فى التوصل إلى الاتفاق إبتداءا من الوسطاء فى سكرتارية منظمة الإيقاد الى دولها وشركائها من الدول الغربية ووفدى التفاوض والضيوف الحاضرين لحفل التوقيع، ثم عرّج الزعيم الراحل فى شكره الى الاشجار الضخمة والظليلة التى وفرت لهم الأجواء المناسبة ولطفتها ، والى الحيوانات البرية داخل المنتجع الأنيق الطيور الكثيرة بتلاوينها المتعددة التى ظلت تشقشق فيهم فتطربهم ، والقرود التى كانت تضفى بمداعباتها بين الأغصان المتشابكة حالة من المرح اللطيف ، والغزلان الرشيقة المسالمة وهى تمرح بين الاشجار ، ثم فرس النهر “القرنتية” داخل بحيرة المنتجع التى ظلت من خلال قوتها تمنح المتفاوضين الطاقة الإيجابية والإرادة من أجل التوصل للاتفاق الذى سيسعد السودانيين . وختم حديثه بأنه يعتذر بشدة الى هذه الحيوانات الجميلة على مضايقتها فى مكان حياتها وازعاجها بالحركة الكثيفة للوفود القادمة والراحلة من وإلى المنتجع ، ويشكرها على صبرها على كل ذلك ويقول لها أن صبرها لم يضع هباءا واثمر اتفاق بين الطرفين حول القضايا المختلف عليها .
ولأن الزعيم الراحل قرنق كان يتحدث وهو فى حالة من المرح ، ظن اغلب الحاضرين انه حديثه هذا إمتداد لطرافته المعهودة ، لذا لم تشر إليه وسائل الإعلام العالمية ولا المحلية، ومع أن تلفزيون السودان والإذاعة القومية كانا ينقلان الإحتفال على الهواء مباشرة لكن ربما لم ينتبه له اغلب الناس حيث ان الخطاب كان باللغة الانجليزية ، وفى الوقت نفسه كان تركيز الناس منحصرا القضايا السياسية والجوانب العملية فى الخطاب . لكنى كنت مهتما بذلك الجزء من الخطاب بشكل خاص . لم اشر إليه فى تغطيتي الخبرية ، ولكنى أفردت له مساحة واسعة لاحقا ضمن قصصى وانطباعاتي عن المفاوضات وفى حديثي عن شخصية الزعيم الراحل ، ورأيت فيه تعبيرا عميقا عن رؤية فلسفية صوفية يعتنقها الرجل ، وكذلك عمل بذكاء من خلاله على إرسال كثير من الرسائل السياسية المباشرة لأنصار البيئة (نيروبي تحتضن مقر منظمة الأمم المتحدة لحماية البيئة “اليونيب”) ولرجال الدين من مختلف العقائد وكان بين الحضور مجموعة من مشائخ الطرق الصوفية السودانية احضروا بطائرة خاصة من الخرطوم لشهود الاحتفال .وكذلك الى الشركات الكبرى الطامعة فى ثروات جنوب السودان الطبيعية انه إبن بيئته حريصا عليها ولن يبعها بحفنة دولارات!! .
أذكر أن كتابتى تلك وجدت نقدا حانقا من الغاضبين على الرجل بأننى رفعته إلى مصاف الانبياء والأولياء حينما أشرت إلى رؤيته الفلسفية الإيمانية الصوفية وراء حديثه ذاك!
الحيوانات تمتلك حسا دقيقا بالخطر وتمتلك غريزة قوية لاستشعاره ، فهى تتنبأ بالزلازل قبل وقوعها وبالاعاصير قبل أن تهب ، وبالامطار قبل أن تنهمر …الخ . وتمتلك ايضا ذات الحساسية العالية فى إستشعار بيئات الأمان رغم أنها لا تمتلك عقولا ، ولكنها تدرك بغريزة الحياة القوية جدا عندها .
وبالاستناد إلى ذلك نقلت الوكالات العالمية ومجلة ناشيونال جيوغرافيك الشهيرة عن المنظمات الدولية المهتمة بمراقبة وحماية الحياة البرية قبيل التوقيع النهائي على اتفاقية السلام بعد صمت البنادق لفترة طويلة نتيجة وقف إطلاق النار الطويل أثناء التفاوض ، رصدها عودة قطعان كبيرة من الحيوانات البرية المختلفة التى كانت فرّت من غابات جنوب السودان الى دول الجوار بسبب الحرب الضروس الدائرة فى ادغاله . ومع أن الحرب استغرقت سنوات لكن كانت تلك الاخبار محيرة جدا بالنسبة لى وقتها ، وتأملتها فى إطار معنى إرتباط جميع الكائنات ببيائتها الحميمة – إقرأ اوطانها – رغم أن البيئة فى كينيا ويوغندا والكونغو وإفريقيا الوسطي ربما كانت أكثر غناءا لها من جنوب السودان!!.
*مسك العشاري الشابك !*
يرد التمساح فى الثقافة السودانية كرمز رفيع للشجاعة والقوة وكل الخصال الرفيعة ، ويرد فى الأشعار والاغاني التراثية كثيرا على هذا النسق ، فالفارس والرجل الكريم هو (تمساح الدميرة الما بكتلو سلاح) وهو (اللدر العلى ضهره الخبوب والطين) وهو (اب كريق فى اللجج سدّر حبس الفجج) وهو (العشاري) الذى يستخرج انه اذكي أنواع المسك كما أنه “تمساح اب كبلو الضارب اللّيا” اى الما بنقدر … الخ .
وكانت هناك فرقة شهيرة تغني اغاني الطمبور تسمي (تماسيح) الحمداب، نسبة إلى انحدارهم من المنطقة الشهيرة بشمال السودان . وهم اول من تغنى بقصيدة الشاعر الكبير سماعين حسن (بلادي انا) .
ربما كان الاستثناء الوحيد فى ورود التمساح موضع مذمة فى التراث السوداني كان فى قصيدة حاج الماحي *(يا رحمن أرحم بي جودك)* والتى اشتهرت أيضا بإسم *(التمساح سكن الشايقية)* والتى نده فيها الأولياء الصالحين فى المشرق والمغرب وفى السودان أن يهبوا لتخليص السودانيين فى تلك الديار من خطر ذلك التمساح المُهلك . يقول فى بعض ابياتها العصماء:
يا إبن إدريس عدّل نيشانك
فوق الكل عامر ديوانك
هم يا شيخ الناس حيرانك
فى التمساح بيّن برهانك
يا إبن إدريس شيخنا النوراني
يا صاحب الفتح الرباني
يا ابنو العركي ويا السماني
ارموا سهامكم يا فرساني
وقد حكى الأخ الدكتور مبارك صديق قبل سنوات فى كلمة رثي فيها الأخ الجمهورى الراحل البروفيسور سليمان العُراقي، انه ينحدر من ارومة الصُلّاح السادة العُراقاب ومن بينهم جده الذى ندهه حاج الماحي للفزعة ضد التمساح بقوله:
محمد صالح قام بي عمو
لطم الدود بالسر فوق فمو
وذكر الأخ مبارك نقلا عن الراحل سليمان العُراقي، أن وليّ الله وغوث زمانه السيد ، على الميرغني قال أن محمد صالح هذا كان من وجّه الضربة القاضية الروحية التى جندلت التمساح ثم قام ولي الله ذو النون المصري الذى لبي نداء حاج الماحي و(الذى له ضريح يُزار فى جبل المقطم بالقاهرة ، بالإجهاز عليه تماما.
ورغم أن تمساح الدندر أُعيد الى السودان جوّا ولم يعد من تلقاء نفسه كما فعلت الحيوانات البرية بعد إتفاقية السلام مع جنوب السودان ، ورغم أن الحرب التى أخرجت كل النزعات الحيوانية عند الغلاة من طرفيها لا تزال مستعرة ، وأنها أشتعلت اصلا نتيجة تلك النزعات فى شهوة السلطة وحب السيطرة وجاه الدنيا الزائل، فإننا نتوسل بكل الأولياء الذين ناداهم حاج الماحي فى قصيدته أن يهبوا جميعا فى (فزعة) اهل السودان ، ويقضوا بضربة واحدة من سرّهم الباتع على حيوان الخصماء السودانيين وينقذونا من مخاضات الدم هذه ومن حياة البؤس والتشرد والمستقبل القاتم ، وأن يكون تمساح الدندر العائد من حاضرة الهاشميين وآل بيت النبي الكريم حاملا فى جوفه مسك العشاري الذى سيطيّب جرحنا المنوسر ، وأن تكون إعادته إجلاء لنا من محنتنا الوجودية.





