الطفيلية في مبادرات سلام السودان.. من يربح من السلام؟ حين تدخل نسور الرأسمالية قاعة المفاوضات

د. صلاح أحمد الحبو
في السودان، لم تعد الحرب مجرد صراع على السلطة؛ فقد تحولت، مع طول أمدها، إلى اقتصاد له شبكاته ومساراته ومصالحه ومستفيدوه. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل مبادرة سلام لا يجب أن يكون فقط: من يريد إيقاف الحرب؟ بل السؤال الأكثر إزعاجًا: من يربح إذا استمرت الحرب، ومن يخسر إذا أصبح السلام حقيقيًا؟ هنا تحديدًا تصبح قراءة كتاب Counter-Peace: Tactical Blockages to Peace and Strategic Risks for the International System لأوليفر ريتشموند، وساندرا بوغودا، وغيزيم فيسوكا، أكثر من تمرين أكاديمي؛ فهي تضع أمامنا مفهومًا قادرًا على تفسير كيف يمكن لعملية السلام نفسها أن تتحول إلى بيئة لإعادة إنتاج الصراع. فالكتاب يعرّف «السلام المضاد» باعتباره عمليات واستراتيجيات تربط فاعلين على مستويات محلية ووطنية وإقليمية وعابرة للحدود، وتستغل الاختناقات البنيوية والنتائج غير المقصودة للتدخلات السلمية لتعطيل السلام والإصلاح، فيما يضع السودان صراحة ضمن الحالات التي يناقشها. (OUP Academic)
والأكثر إثارة في الفكرة أن «السلام المضاد» لا يقف بالضرورة خارج عملية السلام لكي يهدمها؛ بل يستطيع أن يعيش داخلها. وفي تعبير شديد الكثافة، يصف الكتاب هذه العلاقة بأنها “parasitic process”؛ أي «عملية طفيلية». والطفيلي لا يحتاج إلى قتل الكائن الذي يعيش عليه؛ يحتاج فقط إلى أن يبقى حيًا بما يكفي ليستمر في التغذي عليه. وهنا تصبح المفارقة السودانية أكثر قسوة: قد لا يحتاج بعض المستفيدين من الأزمة إلى رفض السلام، بل إلى سلام ناقص، مؤجل، قابل لإعادة التفاوض، لا يذهب إلى النهاية التي تغيّر قواعد اللعبة. (OUP Academic)
المفسد التقليدي للسلام واضح؛ يرفض الاتفاق، يهدد، يطلق النار ويعلن موقفه. أما «الطفيلي» فهو أكثر أناقة. يرتدي بدلة التفاوض، يحمل ملفًا من مئات الصفحات، يتحدث عن «الاستقرار» و«الشمول» و«الحل السياسي»، ويصافح الوسطاء أمام الكاميرات، ثم ينتقل إلى السؤال الحقيقي في الغرف المغلقة: كيف يمكن أن تتوقف الحرب من دون أن تتغير موازين القوة التي جعلت الحرب ممكنة، أو المصالح التي جعلت استمرارها محتملًا؟
إنه لا يريد بالضرورة إلغاء السلام؛ يريد السلام الذي لا يغيّر شيئًا مهمًا.
وهذه هي براعة «السلام المضاد»: أن يتحول السلام من مشروع للخروج من الصراع إلى وسيلة لإعادة ترتيب مواقع القوى داخله. فالكتاب لا يحصر العرقلة في طرف واحد، بل ينظر إليها باعتبارها شبكة يمكن أن تتحرك بين المحلي والوطني والإقليمي والدولي، وتستفيد من هشاشة المؤسسات ومن التناقضات داخل هندسة السلام نفسها. كما يحذر من أن عمليات حفظ السلام وبناء السلام والتنمية والوساطة يمكن أن تُفرَّغ من مضمونها عندما تتحول من أدوات للتغيير إلى أدوات لإدارة الاستقرار والمحافظة على توازنات القوة القائمة. (OUP Academic)
في السودان، تصبح هذه الفكرة أكثر إثارة حين نضع الاقتصاد بجوار السياسة. فالحرب الطويلة لا تنتج فقط قتلى ونازحين وخرابًا؛ تنتج أيضًا شبكات مصالح. طرق تجارة بديلة، أسواقًا موازية، تدفقات مالية، اقتصادًا للتهريب، خدمات أمنية، امتيازات على الموارد، نفوذًا سياسيًا، ومواقع اقتصادية يصعب فصلها عن استمرار النزاع. ومع الزمن، تصبح الحرب بالنسبة لبعض الشبكات أقل شبهًا بحالة استثنائية وأكثر شبهًا ببيئة أعمال.
وعندما تبدأ مفاوضات السلام، لا تختفي هذه المصالح. إنها تغير ملابسها.
هنا تظهر استعارة «نسور الرأسمالية». وليس المقصود بها رأس المال المنتج الذي يحتاج إلى القانون والاستقرار والأسواق القابلة للتنبؤ، وإنما ذلك النمط الطفيلي من تراكم الثروة الذي يرى في الفوضى فرصة، وفي ضعف الدولة هامشًا للربح، وفي الخراب سوقًا مستقبلية. فالنسور لا تصنع الجثة دائمًا؛ لكنها تعرف كيف تستثمر فيها.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح خراب السودان نفسه أصلًا اقتصاديًا ينتظر إعادة التقييم. كلما اتسعت مساحة الدمار، اتسعت سوق إعادة الإعمار. وكلما طالت الأزمة، تضخمت الحاجة إلى النقل واللوجستيات والإغاثة والخدمات والاستشارات والتمويل. وكلما ضعفت الدولة، ازدادت قيمة الوصول إلى الموارد والمعلومات وشبكات القرار. وعندما تلوح نهاية الحرب، يبدأ السباق مبكرًا على ما بعدها: البنية التحتية، الطاقة، الاتصالات، التعدين، الزراعة، العقارات، الموانئ والتمويل.
وهنا ينبغي أن يصبح السؤال أكثر قسوة: هل نريد السلام، أم نريد اقتصادًا جديدًا حول السلام؟
فالفرق هائل. السلام الحقيقي يعني انتقالًا من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج، ومن اقتصاد الامتياز إلى اقتصاد المنافسة، ومن شبكات القوة إلى المؤسسات. أما السلام المضاد فيمكن أن يسمح بانتقال أكثر نعومة: من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد إعادة إعمار الحرب.
قد تتوقف المدافع، لكن يبدأ المزاد.
قد تتحول المدن المدمرة إلى خرائط استثمارية، والموارد المتضررة إلى فرص امتياز، وإعادة الإعمار إلى أكبر عملية لإعادة توزيع رأس المال في مرحلة ما بعد الحرب. وهنا لا تكون المشكلة في الاستثمار ذاته؛ فالسودان سيحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء اقتصاده. المشكلة هي: من يضع قواعد الاستثمار؟ ومن يملك القدرة على الوصول إلى العقود؟ ومن يراقب المال العام؟ ومن يضمن ألا تتحول إعادة الإعمار إلى إعادة إنتاج للامتيازات القديمة؟
هذه النقطة تلامس جوهر الإطار النظري لـ«السلام المضاد»، الذي يتحدث عن “camouflaged attempts to reconstitute and reframe elite power”؛ أي «محاولات مموهة لإعادة تشكيل وإعادة تأطير سلطة النخب»، غالبًا من خلال الدولة ورأس المال وتحويل الموارد الاقتصادية. وفي هذا التصور لا يحتاج أصحاب المصالح إلى العودة إلى الحرب كي يحافظوا على نفوذهم؛ يمكنهم إعادة إنتاج القوة من خلال المؤسسات نفسها التي يفترض أن تنتج السلام. (OUP Academic)
إذا أسقطنا هذه الفكرة على السودان، فإن السؤال بعد الحرب لن يكون فقط: من سيحكم؟ بل: من سيمتلك اقتصاد ما بعد الحرب؟
من سيحصل على عقود إعادة الإعمار؟ من سيحدد أولويات الإنفاق؟ من سيمنح الامتيازات؟ من سيستفيد من الموارد الطبيعية؟ ومن سيضع شروط دخول رأس المال الخارجي؟
إذا بقيت الإجابات رهينة شبكات القوة القديمة، فقد نكون أمام أكثر أشكال «السلام المضاد» أناقة: إعمار الخراب من دون إعمار الدولة.
يمكن أن نعيد بناء الجسر، لكن لا نعيد بناء المؤسسة التي تحمي المال العام. يمكن أن نعيد تشغيل المطار، لكن لا نعيد بناء قواعد الحوكمة. يمكن أن تتدفق مليارات الدولارات إلى إعادة الإعمار، بينما تبقى المؤسسات التي تديرها أسيرة المحاصصة والزبائنية وضعف المساءلة. عندها يصبح البناء المادي ستارًا لاستمرار البنية السياسية والاقتصادية نفسها.
وهنا تبلغ السخرية السياسية مداها. قد ينتهي مؤتمر السلام ليبدأ مؤتمر إعادة الإعمار؛ ثم ينتهي مؤتمر إعادة الإعمار ليبدأ مؤتمر الاستثمار؛ ثم تبدأ لجنة المتابعة، ثم لجنة تنفيذ المخرجات، ثم لجنة إصلاح اللجنة. وبين مؤتمر وآخر، تبقى الدولة في غرفة الانتظار، بينما تتحرك العقود أسرع من الدساتير.
ليست المشكلة إذن في كثرة المؤتمرات، وإنما في السؤال الذي لا يُطرح داخلها: هل نحن نبني دولة قادرة على إنتاج السلام، أم نبني سوقًا قادرة على استيعاب مخلفات الحرب؟
فالسلام الذي لا يفكك اقتصاد الحرب قد يوقف إطلاق النار، لكنه لا يوقف الحوافز التي يمكن أن تعيد إنتاجه. والسلام الذي يعيد توزيع المناصب من دون إعادة بناء المؤسسات قد ينجح في إدارة النخب، لكنه يفشل في بناء الدولة. وإعادة الإعمار التي تعيد بناء الأصول دون إصلاح قواعد الملكية والحوكمة والمساءلة قد تنتج مباني جديدة فوق مؤسسات قديمة.
وهنا تصبح عبارة «الهدنة ليست سلامًا، والاتفاق ليس دولة، وإعادة الإعمار ليست بالضرورة إعادة بناء» أكثر من جملة بلاغية؛ إنها معيار لاختبار أي تسوية سودانية.
ولا ينبغي أن نضع رأس المال كله في قفص الاتهام. فالرأسمال المنتج يحتاج إلى السلام أكثر مما يحتاج إلى الحرب؛ يحتاج إلى أمن، وقانون، وقضاء، وبنية تحتية، وعملة مستقرة، وسوق مفتوحة. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح ضعف الدولة جزءًا من نموذج الربح، وعندما تتحول الامتيازات إلى بديل عن المنافسة، وعندما يصبح الوصول إلى القرار أهم من كفاءة الاستثمار. عندها لا يعود رأس المال مجرد مستفيد من البيئة السياسية؛ قد يصبح أحد مكونات استمرارها.
والأخطر أن ذلك لا يحتاج دائمًا إلى مؤامرة. يكفي أن تتقاطع المصالح: نخبة تريد الاحتفاظ بامتياز، وشبكة اقتصادية تريد موردًا، وقوة تريد نفوذًا، ووسيط يريد اتفاقًا يعلن نجاحه، ومؤسسة دولية تريد استقرارًا سريعًا. وقد يجد الجميع أنفسهم، من دون اتفاق مسبق، ينتجون النتيجة نفسها: سلامًا محدودًا لا يمس جذور النظام الذي أنتج الحرب.
وهنا يصبح «السلام المضاد» أكثر دهاءً من الحرب نفسها.
الحرب تقول: لا سلام.
أما السلام المضاد فيقول: نعم للسلام… ولكن ليس السلام الذي يغير موازين القوة.
وهذا ما يجعل مفهوم «الطفيلية» مهمًا في قراءة مبادرات السلام. فالطفيلي لا يعيش خارج النظام؛ يعيش داخله. ولا يحتاج إلى هدمه؛ يحتاج إلى إبقائه ضعيفًا ومحتاجًا إليه. ولذلك فإن السلام المضاد قد لا يكون رفضًا للسلام، بل استثمارًا في سلام ناقص.
السلام الكامل يغلق اقتصاد الحرب. أما السلام المضاد فيعيد تدويره.
والسلام الكامل يقلل الحاجة إلى الوساطة الدائمة؛ أما السلام المضاد فيحتاج دائمًا إلى جولة جديدة، ومبادرة جديدة، ومؤتمر جديد، ولجنة جديدة، وبيان جديد. وهكذا يمكن أن تصبح طاولة المفاوضات نفسها جزءًا من اقتصاد الأزمة.
ولهذا فإن معيار النجاح في السودان لا ينبغي أن يكون عدد الاتفاقات التي تُوقع، بل عدد المصالح التي تصبح غير قادرة على إعادة إنتاج الحرب. ولا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل توقف إطلاق النار؟ بل: هل تغيرت الحوافز الاقتصادية والسياسية التي جعلت الحرب قابلة للاستمرار؟
إذا كانت الحرب مربحة لبعض الشبكات، فلا يكفي أن نطلب منها أن تحب السلام.
علينا أن نجعل السلام أكثر ربحًا للمجتمع من الحرب للمستفيدين منها.
هذه هي المعركة الحقيقية.
فالسودان لا يحتاج إلى سلام يوزع الغنائم القديمة على أسماء جديدة، ولا إلى إعادة إعمار تعيد إنتاج اقتصاد الحرب بواجهة مدنية، ولا إلى دولة تُستعاد على الورق بينما تظل مواردها رهينة لشبكات القوة.
إنه يحتاج إلى سلام يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والثروة، وبين رأس المال والدولة، وبين الموارد والمواطنة؛ سلام يجعل القانون أكثر قيمة من الامتياز، والمؤسسة أقوى من الشبكة، والإنتاج أكثر ربحًا من الريع.
عندها فقط يصبح السلام خروجًا من اقتصاد الحرب، لا مرحلة جديدة في دورته.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية في أي مبادرة سلام سودانية ليس: من يقف ضد السلام؟
بل: من يحتاج إلى أن يبقى السلام ناقصًا؟
وحين تدخل النسور قاعة المفاوضات، لا ينبغي أن نسأل فقط من يحمل مشروع السلام؛ علينا أن نسأل أيضًا: من يحمل دفتر الحسابات؟
فربما لا تكون المشكلة أن السودان لم يجد طريقًا إلى السلام.
ربما أن المشكلة أن هناك من وجد طريقًا إلى الربح من الطريق نفسه.
وعندها قد تنتهي الحرب على الورق، وتبدأ أرباح السلام في الواقع.
أما الاختبار الحقيقي، فسيكون في اليوم الذي يصبح فيه السلام أقل ربحًا للطفيلي، وأكثر ربحًا للمواطن.
وإلا فقد نكتشف، بعد كل الموائد المستديرة والبيانات الختامية ومؤتمرات المانحين وإعادة الإعمار، أننا لم نبنِ السلام.
لقد أعدنا تأهيل الخراب ليصبح أكثر قابلية للاستثمار.





