الحكومة وضبط الاقتصاد.. ضبط ماذا بالضبط

حيدر المكاشفي

في مشهد يصلح لأن يكون حلقة جديدة من مسلسل العبث لحكومة الأمر الواقع، يواصل الدولار تحليقه عاليًا في السماء، بينما يواصل الجنيه السوداني رحلة الهبوط المتسارع الحر. فالدولار، أو كما يحلو لسماسرة السوق تسميته (أبو صلعة)، يبدو أنه لا يعرف ولا يعترف بمعنى التراجع، أما الجنيه فقد أصبح من كثرة السقوط والدشدشة غير معروف الملامح والهوية. ففي كل مرة يقترب فيها الدولار من تسجيل رقم جديد، تبدأ الهمسات في الأسواق (هل يا ربي سيتجاوز سعر الصباح). وفي كل مرة يأتي الجواب أسرع من المتوقع: نعم سيتجاوز، وسيترك وراءه الجنيه يجرجر أذيال الهزيمة والخيبة. المشكلة أن الحكومة تبدو وكأنها فوجئت بأن الدولار في ارتفاع مضطرد، وأن الأسعار في قفزات متتالية يوميًا، وأن المواطن يمكن أن يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها أن يشتري أبسط الضروريات. ولأن حكومة المجد للبندقية مولعة بالحلول العنترية والعسكرية، فقد دخلت على خط أزمة النقد الأجنبي بحملة اعتقالات ومحاكمات طالت المتعاملين في سوق العملة. وكأن المشكلة ليست في اقتصاد مختل، ولا في الحرب، ولا في انهيار الإنتاج، ولا في فقدان الثقة، ولا في تعدد مراكز القرار الاقتصادي، وإنما في مجموعة من الأشخاص يتاجرون بالدولار. إنها ببساطة محاولة لإطفاء الحريق الاقتصادي بقنابل صوتية. فالاعتقالات والمحاكمات قد تخيف السماسرة لبعض الوقت، لكنها لا تنتج دولارًا، ولا تزيد الصادرات، ولا تعيد المصانع إلى العمل، ولا تزرع القمح، ولا تصلح ميزان المدفوعات. وقد يختفي السمسار من السوق، لكن الدولار لن يختفي معه، بل ينتقل فقط إلى زاوية أخرى أكثر ظلامًا وربما أكثر ربحًا. ثم تأتي وزارة المالية، أو بالأحرى (حاكورة جبريل إبراهيم)، لتزيد المشهد إثارة، فترفع سعر الدولار الجمركي، في وقت يعاني فيه المواطن أصلًا من تضخم يلتهم دخله كما تلتهم النار العويش والقصب الجاف. وبهذا يصبح المواطن أمام معادلة اقتصادية فريدة وعجيبة، وما عجيب إلا الشيطان، حيث يرتفع الدولار، ويرتفع الدولار الجمركي، وتكلفة النقل ترتفع، والوقود يرتفع، والجبايات ترتفع، والأسعار ترتفع، ثم تأتي الحكومة لتقول له إنها (ستضبط الاقتصاد)، يا إلهي، ضبط ماذا بالضبط، ربما لضبط المواطن حتى تقعده شدة الفقر والفاقة من الحركة، فكل شيء صار مرشحًا للزيادة، من الغذاء والدواء إلى قطع الغيار وحليب الأطفال، إلخ، إلخ. ولم يبق إلا الهواء حتى يدخل قائمة السلع المستوردة، وإن وجدت وزارة المالية طريقة لاستيراده مع رسوم جمركية، فلن نستبعد أن يصبح للمواطن قريبًا سعر صرف لكل نفس يتنفسه. أما الكهرباء فقد دخلت هي الأخرى إلى مسرح الكوميديا. فالمواطن الذي يكاد لا يرى الكهرباء أصلًا فوجئ بارتفاع التعرفة. وكأن الرسالة الرسمية تقول له: صحيح أنك لا تحصل على الكهرباء، لكن ستدفع ثمنها على أي حال، وهنا يبلغ العبث الاقتصادي ذروته، خدمة غائبة وفاتورة حاضرة. وإذا كانت هناك نية لزيادة أجور العاملين فلن يكون السؤال كم الزيادة، بل كم سيتبقى منها بعد أن يلتهمها التضخم، فالراتب الذي يتضاعف على الورق يمكن أن ينكمش في السوق. وقد يحصل الموظف على زيادة مئة في المئة، ثم يكتشف أن أسعار السلع سبقته إلى الزيادة بمئتين في المئة ويعجز عن مجاراة ماراثون الأسعار. المشكلة إذن ليست في الجنيه وحده. فالجنيه السوداني لم يمرض بصورة مفاجئة، لقد ظل يتلقى الضربات واحدة تلو الأخرى. فالحرب دخلت عامها الرابع، والإنتاج تراجع، والبنية الاقتصادية تضررت، والاستثمارات هربت، والمؤسسات المالية أصابها الوهن، والثقة في العملة الوطنية تآكلت، بينما أصبح السوق الموازي لاعبًا أساسيًا في تحديد قيمة النقد الأجنبي. والحرب لم تدمر المدن والقرى فقط، إنها دمرت أيضًا جزءًا كبيرًا من الثقة التي يحتاجها أي اقتصاد كي يعيش. فالعملة ليست ورقة نقدية فقط، إنها ثقة. وحين يفقد المواطن ثقته في الجنيه، يبدأ في البحث عن بديل يحفظ له قيمة مدخراته، فيشتري الدولار أو الذهب أو العقار أو أي شيء يعتقد أنه يستطيع الاحتفاظ بقيمته. وكلما ازداد الطلب على هذه البدائل ازداد الضغط على الجنيه. وهنا لا تنفع الاعتقالات ولا المحاكمات، ولا تنفع البيانات، ولا تنفع المؤتمرات الصحفية التي تتحدث عن إجراءات اقتصادية، والأخطر أن يصبح الهم اليومي للأسرة ليس ماذا سنشتري، بل ماذا سنحذف من قائمة الاحتياجات، وبذا تتحول الأسرة من حساب احتياجاتها إلى حساب ما تستطيع الاستغناء عنه. أن يصبح الدواء رفاهية، واللحوم مناسبة موسمية، والفواكه ذكريات من زمن ماضٍ، وفي الجهة الأخرى يزداد الحديث عن اقتصاد الحرب، وعن موارد وثروات تدور خارج الدورة الاقتصادية الطبيعية، وعن شبكات مصالح تستفيد من الفوضى بينما يدفع المواطن فاتورة الانهيار كاملة.

فمن يدفع فاتورة الحرب هو المواطن،

ومن يدفع ثمن انهيار العملة هو المواطن،

ومن يدفع ثمن التضخم هو المواطن،

ومن يدفع ثمن الجبايات والرسوم والضرائب هو المواطن،

ومن يدفع ثمن ضعف الإنتاج والاستيراد المكلف هو المواطن.

إن أكثر ما يحتاجه الاقتصاد السوداني اليوم ليس مسكنًا جديدًا، وإنما علاجًا جذريًا يبدأ بالإجراء الصحيح، وهو وقف الحرب واستعادة الإنتاج وإصلاح مؤسسات الدولة، وتوحيد القرار الاقتصادي، ومحاربة الفساد، واستعادة استقلال المؤسسات المالية، وبناء الثقة. فلا يمكن إنعاش الجنيه بينما الاقتصاد ينزف. ولا يمكن بناء استقرار مالي واقتصادي فوق أرض تهتز بالدانات وأزيز المسيرات. ولا يمكن مطالبة المستثمر بالثقة في بلد لا يعرف فيه ما سيحدث غدًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى