مؤانسة مع صاحب المختارات .. “كأنهم يريدون وطنًا لا يسع إلا لنوعٍ واحد من الناس”

الهادي الشواف
ثمة عبارات لا تنتمي إلى زمن قائلها، إنما تتجاوز لحظتها لتصبح مرآةً لأزمنة أخرى، ومن أكثر عبارات الطيب صالح قدرةً على ذلك قوله: «كأنهم يريدون وطنًا لا يسع إلا لنوع واحد من الناس». عبارة تبدو للوهلة الأولى وصفًا لحالة سياسية عابرة، لكنها حين تُقرأ في ضوء ما يجري في السودان اليوم تبدو كأنها كُتبت بالأمس أو ربما كأن صاحبها يرى بعين البصيرة ما ستؤول إليه البلاد بعد عقود.
في المختارات، الجزء الثالث.. للمدن تفرد وحديث.. الشرق، يستدعي الطيب صالح ذاكرة الشعراء ليقارن بين السودان الذي حلموا به والسودان الذي عبث به العابثون ولمدة تزيد عن الثلاثة عقود.. يقول: «رحم الله المجذوب. غنّى لسودان أبعد ما يكون عن السودان الذي يضيّعه أصحابنا هؤلاء. كأنهم يريدون وطنًا لا يسع إلا لنوع واحد من الناس، ولم يقرروا بعد أي نوع من الناس يريدون، لذلك فهم لا يزالون يغيّرون ويبدّلون، ويقومون ويعقدون، ويربطون ويحلّون».
ولعل أكثر ما يدهش في هذه الكلمات أنها تتجاوز الأشخاص والأزمنة إلى وصف عقلية سياسية كاملة.. عقلية لا ترى الوطن فضاءً مشتركًا، وإنما مشروعًا قابلًا لإعادة التشكيل وفق أهواء السلطة ومصالحها وتصوراتها الضيقة عن الدولة والمجتمع، ومن هنا يصبح الاختلاف خطرًا والتنوع عبئًا والمواطنة المشروطة معيارًا للانتماء.
لقد عاش السودان خلال العقود الماضية تجربة طويلة من محاولة فرض نموذج أحادي على مجتمع يجب أن يُحتفى بتنوعه، ورغم أن التجربة أثبتت فشلها السياسي والاجتماعي والأخلاقي، إلا أن بعض أصحاب المشروع القديم لا يزالون يتعاملون مع التاريخ كما لو أنه صفحة يمكن تمزيقها وإعادة كتابتها بالطريقة نفسها، ولذلك تبدو الأحداث متشابهة والأزمات متكررة والنتائج متقاربة وكأن البلاد تدور في حلقة مفرغة تعيد إنتاج البشاعة ذاتها بأسماء وأدوات مختلفة، وصاحب المختارات في ذات السفر أورد نصًا لشاعرنا محمد سعيد العباسي يجسد ذات الحقيقة حين قال:
تحية الله يا أيام ذي سلم أيام لم نخش بأس القاهر العادي
أيام كنا وكان الشمل مجتمعًا وحيُّنا حيُّ طلابٍ وقصّادِ
فإن جرى ذكر أرباب السماحة أو نادى الكرام فإنا بهجة النادي
واليوم أبدت لنا الدنيا عجائبها بما نقاسيه من حربٍ وأحقادِ
وما رمى الدهر وادينا بداهية مثل الأليمين تفريقٍ وإبعادِ
كأن العباسي يعيش بيننا الآن.. وكأن القصيدة لم تُكتب قبل عقود وإنما كُتبت في هذه اللحظة السودانية المثقلة بالحرب والنزوح والجراح والفقد والانقسام، هنا تكمن مأساة التاريخ حين لا نتعلم منه فالأحداث لا تعيد نفسها بصورة آلية وإنما يعيد البشر إنتاج الشروط التي تقود إليها.
والأخطر أن الحرب الراهنة لا تُقرأ فقط بوصفها صراعًا على السلطة لكنها تُقرأ بوصفها محاولة جديدة لإعادة رسم السودان وفق تصورات ضيقة عن الدولة والمجتمع والانتماء، وفي هذا السياق تصبح فكرة «السودان الذي يسع نوعًا واحدًا من الناس» أكثر خطورة من مجرد مقولة دُوّنت في كتاب لأنها تعني في جوهرها إقصاء كل من لا يتطابق مع الصورة المتخيلة للوطن في أذهان هؤلاء.

وقد وصف الطيب صالح هذه العقلية بمرارة حين قال: «ما أشد ما عبثوا بالوطن، كأن طفلًا يبني قلاعًا من الرمل على شاطئ البحر، ما يلبث أن يهدمها ثم يعيد بناءها من جديد. أصبح الناس قلوبهم شتى، وكان الهم واحدًا، فأصبح همًّا وثانيًا وثالثًا».
اليوم تضاعف العبث صاروا يهدمون ولا يبنون ويدمرون ولا يعمرون ويزرعون الشقاق ولا يوحدون ويشعلون الحروب ولا يطفئونها، وما كان همًّا واحدًا أصبح همومًا لا تكاد تحصى.. حرب وتدمير ونزوح وفقر وانهيار مؤسسات وتفكك اجتماعي واستقطاب قبلي وجهوي وتآكل متواصل لفكرة الوطن نفسها، وكأن السودانيين قد كُتب عليهم أن يحملوا صخرة سيزيف إلى الأبد كلما ظنوا أنهم اقتربوا من بناء الدولة أعادتهم النخب المتصارعة إلى نقطة البداية.
لكن السودان الذي حلم به الشعراء لم يكن كذلك.. يورد الطيب صالح في ذات السياق نشيد شاعرنا يوسف مصطفى التني الذي يلخص حلم جيل الاستقلال في وطن لا تفسده العصبيات:
نداني بالائتلاف آمالنا البعيدة
لا نعرف الخلاف في الجنس والعقيدة
فالدين للإله والمجد لله
وفي قصيدته «في الفؤاد ترعاه العناية» يقول التني:
نحن للقومية النبيلة ما بندور عصبية القبيلة
تربي فينا ضغائن وبيلة تزيد مصائب الوطن العزيز
ذلك هو السودان الذي لم يكتمل بناؤه بعد.. وطن المواطنة لا السلالة وطن القومية لا القبيلة وطن التنوع لا الإقصاء وطن تتوزع فيه السلطة والثروة والفرص بعدالة، وتحل فيه المظالم السياسية والتنموية بالحوار والمؤسسات لا بالبندقية، ولكن هؤلاء زادوا مصائب وطن التني والطيب صالح الذي حلم به.
إن أخطر ما فعله هؤلاء أنهم حولوا القبيلة من مكون اجتماعي وثقافي إلى أداة للتعبئة السياسية والتكسب والاستقطاب، وحين يصبح الانتماء القبلي رافعة للسلطة يصبح الوطن نفسه ضحية لهذا الاستخدام السياسي، لأن كل قبيلة تبدأ في النظر إلى الأخرى باعتبارها منافسًا على الدولة لا شريكًا في الوطن.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.. الذين يظنون أن إقصاء الآخرين سيترك لهم وطنًا «خالصًا» يحكمونه كما يشتهون لا يدركون أنهم بذلك يسنون سنة الانقسام، فالتجزئة لا تتوقف عند جزء واحد ولا عند إقليم واحد ولا عند جماعة واحدة، وما يبدأ بإقصاء الآخر قد ينتهي بتفكيك الجميع وتحويل السودان إلى أجزاء متناهية الصغر يبحث كل جزء منها عن وطنه الخاص.
ومع ذلك لا يزال الأمل قائمًا فالأجيال الجديدة ولا سيما جيل ثورة ديسمبر تحمل وعيًا مختلفًا وعيًا يرى أن السودان ليس غنيمةً يتوارثها هؤلاء ولا ملكًا لجماعة دون أخرى وإنما وطن مشترك لا يكتمل إلا بجميع أبنائه أي وطن يسع الجميع.
لقد حلم العباسي والمجذوب والتني وغيرهم من شعراء بلادي بسودان يسع الجميع.. وربما تكون مهمتنا اليوم ليست اختراع حلم جديد بل إنقاذ ذلك الحلم القديم من الذين أضاعوه فالسؤال الحقيقي ليس.. أي سودان نريد أن نحكم؟ بل: أي سودان نريد أن يعيش فيه أبناؤنا؟ والإجابة تبدأ من الاعتراف بأن السودان لا يمكن أن يكون وطنًا لنوع واحد من الناس والسودان إذا أراد أن يبقى لا بد أن يكون وطنًا للجميع.





