ملف سري يعزز الأدلة على استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان

الوثائق تعزز الاتهامات بأن الجيش السوداني طوّر قنابل سامة واستخدمها لتحقيق أفضلية في الحرب الأهلية المدمرة التي تشهدها البلاد.
نقلا عن نيويورك تايمز
اختبارات سرية للقنابل في الصحراء السودانية. عقارب مختنقة عُثر عليها نافقة على أرضية مصنع للأسلحة. واسطوانات كلور أُخذت من محطة لمعالجة المياه في العاصمة التي مزقتها الحرب.
لطالما نفى الجيش السوداني الاتهامات الأمريكية بأنه استخدم أسلحة كيميائية في الحرب الأهلية المدمرة التي تشهدها البلاد. وأدت تلك الاتهامات إلى فرض عقوبات أمريكية قاسية على السودان وعلى قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان. لكن الولايات المتحدة لم تقدم علناً، حتى الآن، أدلة تثبت هذه الاتهامات.
والآن، يعزز ملف من الأدلة شاركته وكالة استخبارات من الشرق الأوسط مع صحيفة «نيويورك تايمز»، تلك الاتهامات، إذ يصف كيف ولماذا طوّر الجيش السوداني وأنتج أسلحة كيميائية على مدى ستة أشهر في عام 2024.
وتُظهر صور ومقاطع فيديو ووثائق واتصالات جرى اعتراضها، وحدة عسكرية سودانية سرية يُعتقد أنها أنتجت ذخائر تعتمد على الكلور لاستخدامها ضد قوات الدعم السريع، وهي القوة شبه العسكرية التي يخوض الجيش حرباً للسيطرة على البلاد.
ويحتوي الملف على مخططات للقنابل، وتفاصيل عن محاولة واضحة للتستر على المشروع بعد اكتشافه من جانب الولايات المتحدة، إضافة إلى ما يشير إلى أن بعض الكلور المستخدم في تصنيع القنابل جرى الحصول عليه من محطة مدنية لمعالجة المياه كانت تتلقى المادة الكيميائية من منظمات إغاثة دولية.
ويبدو أن الحكومة الأمريكية تعاملت مع الملف بجدية. فقد شاركت بعض المواد البصرية الواردة فيه مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية، واستخدمها مسؤولون أمريكيون في يناير 2025 لتقييم ما إذا كان السودان يمتلك أسلحة كيميائية، وفقاً لمسؤولين أجنبيين اثنين ومسؤول أمريكي سابق تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم لمناقشة معلومات استخباراتية حساسة.
ورفض متحدث باسم الجيش السوداني نتائج الملف ووصفها بأنها «باطلة ولا تستند إلى أي أساس مادي». وأشار إلى أن السودان وقّع اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، مهدداً باتخاذ إجراءات قانونية ضد «نيويورك تايمز» أمام محكمة أمريكية إذا نشرت محتويات الملف.
ويبدو أن جزءاً كبيراً من الملف — الذي يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ومذكرات صوتية، إضافة إلى عدة آلاف من الرسائل النصية — مأخوذ من هواتف محمولة لضباط سودانيين كبار. وقد تم تسليمه إلى الصحيفة بشرط عدم الكشف عن هوية مصدره.
وتشير رسائل صوتية ونصية مرتبطة بالفريق أول البرهان إلى أن قائد الجيش السوداني كان على علم مباشر بالجهود المزعومة لتطوير الأسلحة الكيميائية، وهو عامل رئيسي في قرار الولايات المتحدة فرض العقوبات عليه في يناير 2025، وفقاً لما أوردته «نيويورك تايمز».
ويُعد إثبات استخدام الأسلحة الكيميائية أمراً معقداً للغاية. وقال خبراء راجعوا صوراً من الملف لصالح «نيويورك تايمز» إنها تبدو كجهد معقول لتطوير أسلحة كيميائية، لكنهم حذروا من أنه لا يمكن تأكيد ذلك إلا من خلال تحقيق يجريه خبراء محايدون على الأرض في السودان.
وبينما أثارت الهجمات الكيميائية خلال الحرب الأهلية السورية غضباً عالمياً وأدت إلى ضربات عسكرية أمريكية في عامي 2017 و2018، فإن التطورات المتعلقة بالسودان لم تحظَ إلا بقدر محدود نسبياً من التدقيق الدولي.
وقالت إليزابيث فاختر، المتحدثة باسم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إن عدة دول طلبت من المنظمة «الحصول على إيضاحات من السودان بشأن مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية». وأضافت أن العملية «مستمرة».
ويأتي الضغط في الغالب من الولايات المتحدة، التي أعلنت في يونيو جولة ثانية من العقوبات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية، في إطار جهود أوسع لإجبار الجيش السوداني على الموافقة على وقف إطلاق النار.
ورد الجيش السوداني على الإجراءات الأمريكية بالتحدي، قائلاً إنه لا يثق في الولايات المتحدة باعتبارها وسيطاً محايداً في الصراع.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في بيان إن العقوبات ستظل قائمة إلى أن يدمر السودان «جميع الأسلحة الكيميائية ومنشآت إنتاجها تحت التحقق الدولي».
ومنذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، تسببت في المجاعة والمرض وأجبرت أكثر من 12 مليون شخص على الفرار من منازلهم. وبينما يتهم الطرفان بارتكاب جرائم حرب، فإن أسوأ الفظائع نُسبت إلى عدو الجيش، قوات الدعم السريع، التي تقول الولايات المتحدة والأمم المتحدة إنها ارتكبت إبادة جماعية.
ووصلت سمعة القوات شبه العسكرية إلى أدنى مستوياتها العام الماضي في الفاشر، المدينة الواقعة في دارفور، حيث اتُّهم مقاتلوها بشكل موثوق بتجويع وقتل واغتصاب مدنيين فارين بصورة جماعية.
ومع ذلك، حظيت قوات الدعم السريع بدعم من داعمها الأجنبي الرئيسي، دولة الإمارات العربية المتحدة، التي زودتها، وفقاً لمسؤولين أمريكيين وأمميين، بمرتزقة وأسلحة وطائرات مسيّرة متطورة. وتنفي الإمارات دعم أي من طرفي الحرب.
وربما لجأ الجيش السوداني إلى الأسلحة الكيميائية لحل مشكلة واجهها في بداية الحرب. فبحلول منتصف عام 2024، كان الجيش قد فقد معظم مناطق الخرطوم، وكانت قواته تكافح لطرد مقاتلي الدعم السريع المتحصنين في عمق العاصمة الشاسعة.
وفي يوليو، ووفقاً للملف، اقترح العميد الركن طارق حسين، رئيس مشروع قنابل الكلور، حلاً: الكلور.
وفي رسالة إلى زملائه جرى اعتراضها لاحقاً، شرح العميد حسين كيف يمكن تحويل الغاز القاتل إلى سلاح لتحقيق أفضلية في معركة الخرطوم. ووزع رسوماً تخطيطية لنماذج أولية من ذخيرة جديدة قال إنها تجمع بين رأس حربي متفجر ونحو 33 رطلاً من غاز الكلور.
وقال في رسالته إن هذه الذخيرة الجديدة تتميز بقدرتها على قتل قوات العدو إما بتفجيرها وتناثر الشظايا، أو بخنقها بغاز الكلور. وأضاف أن الانفجار سيضمن عدم بقاء أي أثر كيميائي للهجوم.
وبدءاً من يوليو 2024، أشرف العميد حسين على مصنع لتجميع نماذج أولية من هذه الذخيرة، وفقاً لما تظهره الصور والرسائل الواردة في الملف.
وفي 22 يوليو، أقلعت طائرة شحن من طراز «أنطونوف» من مطار مروي، على بعد نحو 200 ميل شمال الخرطوم، لاختبار الذخيرة التي تعتمد على الكلور، وفقاً لما أفاد به حسين.
وكتب لاحقاً: «الاختبار نجح بنسبة 100 في المئة»، وأرفق مقطع فيديو لانفجار في الصحراء. وأضاف: «سقطت على الهدف وأطلقت الغاز».
ورد العميد الركن أمير إدريس، الذي تشير السجلات إلى أنه كان مشرفاً على عمليات الطائرات المسيّرة العسكرية: «سرية تامة».
لكن المشروع واجه أيضاً تحديات، بحسب الرسائل. فقد كان غاز الكلور يتسرب كثيراً من القنابل، وفي أحد الصباحات وجد العمال حشرات وعقارب نافقة متناثرة على أرضية إحدى القاعات، فيما يبدو أنها اختنقت خلال الليل، وفقاً لما كتبه العميد حسين.
وجاء جزء من الكلور من الأسواق العالمية. وعلى خلاف عوامل كيميائية أكثر شهرة مثل السارين أو غاز «في إكس»، فإن الكلور ليس مادة خاضعة للرقابة.
وفي أواخر أغسطس 2024، أفاد العميد حسين بوصول 20 أسطوانة كلور من مصر، وقال إنها تكفي لصناعة 1100 قنبلة.
وقال حسين أيضاً إنه حصل على غاز الكلور من محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان، وهي واحدة من المحطات القليلة التي كانت لا تزال تعمل خلال الحرب.
وقال في رسالة صوتية إلى العميد إدريس في 26 أغسطس: «المنارة لديها بعض هذه الأسطوانات، وقد أخذناها من هناك».
ويُظهر مقطع فيديو تعريفي نشر عام 2016 عن محطة المنارة براميل كلور صفراء كبيرة تشبه تلك التي ظهرت داخل مصنع الذخائر.
وخلال الحرب، كانت كثير من إمدادات المحطة تأتي على شكل تبرعات من منظمات إغاثة دولية تستخدم الكلور لمكافحة تفشي وباء الكوليرا المتكرر.
وفي رسائل بالبريد الإلكتروني، قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها تبرعت بـ30 أسطوانة من غاز الكلور للمحطة في عام 2023، بينما قالت منظمة «كير» إنها قدمت 35 أسطوانة بين عامي 2024 و2025.
وقال متحدث باسم منظمة اليونيسف إنها زودت ست محطات لمعالجة المياه في الخرطوم، من بينها محطة المنارة، بغاز الكلور بين عامي 2023 و2025.
ولم ترد هيئة مياه ولاية الخرطوم، التي تدير المحطة، على الأسئلة التي وجهتها إليها الصحيفة.
وبحلول أكتوبر 2024، أفاد العميد حسين بأنه صنع قرابة 300 ذخيرة كيميائية، معظمها مخزن في مطار مروي.
وكتب في سبتمبر 2024 إلى أحد زملائه، واصفاً مقاتلين من العدو تعرضوا لهجوم: «لقد شربوا الغاز».
وتحدد الوثائق موقع الهجوم في مصفاة الجيلي للنفط، وهي منشأة تقع شمال الخرطوم وكانت قوات الدعم السريع تسيطر عليها في ذلك الوقت.
وأكد خصومه وتقارير إخبارية ادعاءه باستخدام ذخائر كيميائية لضرب المنشأة. ففي 13 سبتمبر، أصدرت قوات الدعم السريع بياناً اتهمت فيه الجيش السوداني بإطلاق صواريخ «سامة» على المصفاة.
وأظهرت صور متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي رجالاً يرتدون ملابس مدنية ويضعون أقنعة للأكسجين داخل المنشأة.
كما وثق تحقيق أجرته قناة «فرانس 24» الحكومية الفرنسية هجمات كيميائية على المنشأة النفطية. لكن التحقيق الفرنسي خلص إلى أن القنابل التي استخدمت كانت عبارة عن أسطوانات غاز كبيرة، وليست الذخائر الأصغر حجماً التي صنعها العميد حسين. ولم يتضح سبب هذا التباين الظاهر.
ولم تُسجل أي وفيات مؤكدة.
وكان من الصعب تأكيد هجمات أخرى وردت تقارير عنها. ففي 17 أكتوبر، أفاد العميد حسين بتنفيذ هجوم ثانٍ على مصنع للذخائر، وقال إنه تسبب في خسائر بشرية كبيرة، ما دفع السكان إلى الفرار نحو القرى المجاورة.
لكن ذلك الهجوم لم يرد في بيانات قوات الدعم السريع أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت.
ويبدو أن برنامج الأسلحة الكيميائية المزعوم توقف بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات في مايو 2025.
وبعد أيام، أصدر الفريق أول البرهان تعليمات إلى العميد حسين بـ«إزالة جميع آثار» أنشطة البرنامج، وفقاً لاعتراضات الاتصالات.
وجاء في الرد: «تم تنفيذ العملية قبل شهر».
وخلال أحدث جولة من العقوبات، في يونيو، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على العميد حسين بسبب استيراد متفجرات لصناعة القنابل، لكن بيان العقوبات لم يذكر الأسلحة الكيميائية.
وبحلول ذلك الوقت، كان الفريق أول البرهان قد شكل لجنة للتحقيق في الاتهامات الأمريكية.
وكان من بين مستشاري اللجنة العميد حسين، مهندس البرنامج، وفقاً لخطاب وارد في الملف.
وعندما قدمت اللجنة تقريرها المرحلي في يوليو، قالت إنها لم تجد أي أثر لأسلحة كيميائية.
ولا يزال التقرير النهائي قيد الانتظار.
ساهم أحد موظفي «نيويورك تايمز» في إعداد التقرير.
ديكلان والش هو كبير مراسلي «نيويورك تايمز» لشؤون أفريقيا، ويقيم في نيروبي، كينيا. وسبق له أن عمل مراسلاً في القاهرة، حيث غطى شؤون الشرق الأوسط، وفي إسلام آباد، باكستان.
رونين بيرغمان كاتب في مجلة «نيويورك تايمز»، ويقيم في تل أبيب.





