أسئلة التوافق المؤجلة

 يوسف الغوث

يقدم هذا المقال قراءة تحليلية لمسار الصراع المسلح في السودان، انطلاقًا من فرضية مركزية مفادها أن استمرارية النزاع المسلح منذ اندلاع حرب الجنوب عام 1955 وحتى نشوب حرب الخرطوم عام 2023، هي نتاج طبيعي لعدم التعاطي من قضايا التوافق الوطني بشفافية

إن ما حدث لم يكن نتاجًا لظروف طارئة أو انزلاقات مفاجئة، بل هي حصيلة متراكمة لغياب توافق وطني حقيقي، وعلى الصعيد الآخر هنالك أسئلة بنيوية ظلّت معلقة لعقود، دون أن تجد إجابات شافية في أي من المحطات السياسية التي مرت بها البلاد.

فحرب 1955 كانت أولى تجليات الفشل الجماعي للنخب السياسية في صياغة عقد اجتماعي يحدد هوية الدولة، وعلاقة المركز بالهامش، وشكل الحكم، وطبيعة المواطنة، حيث انشغلت تلك النخب بتدبير الصراعات على الكراسي وتأجيل الأسئلة الكبرى تحت غطاء توافقات إجرائية هشّة، ففي كل محطات البلاد الانتقالية، منذ استقلال 1956 إلى ثورة أكتوبر 1964، ومن انقلاب مايو 1969 إلى انتفاضة أبريل 1985، ومن ثورة ديسمبر 2019 إلى انقلاب 2021، كان النمط ذاته يتكرر، إذ تُختزل قضية الوطن في معارك آنية، وتُهمل الأسئلة الجوهرية، ومن ثم تُؤجل التسويات التاريخية، فيُعاد إنتاج الخلافات بأشكال جديدة.

أظن أن هذه الإشكالية وجدت تغذية مستمرة من عاملين متشابكين، أولهما الخطاب الديني المسيس الذي تحول من رؤية إصلاحية إلى أداة نفوذ وهيمنة، وساهم في تعميق الاستقطاب بدلًا من تضييقه، وثانيهما المحيط الإقليمي الذي استثمر الخلافات السودانية ووظفها لخدمة أجنداته الجيوسياسية، فكانت النتيجة أن تحول السودان إلى ساحة لصراعات بالوكالة، وأصبحت حروبه الداخلية أداة لتصفية حسابات خارجية، وفي هذا السياق، تحمل حرب 2023 التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع كل إرث الأسئلة المؤجلة، فهي ليست مجرد صراع عادي أو عابر، بل هي امتداد طبيعي لعقود من الفشل في بناء إجماع وطني حول الدولة والمجتمع، وهي أيضًا انعكاس لتداخل داخلي وخارجي جعل الحرب هي اللغة الوحيدة المتاحة لحسم الخلافات.

لا يمكن للسودان أن يخرج من دائرته المفرغة عبر حلول آنية أو ترتيبات مؤقتة، فالأمر يتطلب مواجهة جريئة للأسئلة المؤسسة، ومن ثم الإقرار بأن التوافق الوطني ليس غنيمة تقسم، بل مشروع يُبنى، وأن بناء الدولة في السودان يظل رهنًا بقدرة النخب السياسية على تجاوز خطاباتها الضيقة، وصياغة عقد اجتماعي جديد، يحمي التنوع الثقافي والديني والجهوي، ويحدد بوضوح علاقة الدين بالدولة، ومن ثم يرسم حدودًا صارمة للتدخلات الإقليمية، وإلا فستبقى الحرب هي الخيار الدائم، وستظل الأسئلة تتراكم فوق الأسئلة، وستبقى الدولة في غيابها، بينما يظل السودانيون يدفعون الثمن من دمائهم ومستقبلهم.

إن الدرس الأهم في هذه الرحلة الممتدة، أن الأسئلة التي لا تُجاب بصدق، تُجاب بالرصاص

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى