من هندسة المباني إلى بيع الشاي والقهوة .. أربعة أطفال.. يريدون الحياة

كمبالا – سمر سليمان عباس
في الصباح، تضع هند عمر الحاج الماء على النار.
تتحرك يداها بين أكواب الشاي وأدوات القهوة، ترتب الكراسي والطاولات، وتراقب الطريق بحثاً عن زبون جديد. لا شيء في هذا المشهد يشبه حياتها القديمة.
قبل الحرب، كانت هند تجلس في مكان آخر؛ بين مخططات المباني وحسابات الإنشاءات ومشروعات الاستثمار. كانت مهندسة مدنية، خريجة جامعة السودان، وصاحبة شركة للإنشاءات والاستثمار المحدودة. كانت تعمل في المجال الذي درست من أجله سنوات طويلة، وتمتلك دخلاً مستقراً ومكانة اجتماعية وحياة تعرف تفاصيلها جيداً.
أما الآن، ففي بلد اللجوء، تقف أمام موقد صغير لتبيع الشاي والقهوة.
بين المشهدين تقف الحرب.
لم تكن هند تتخيل أن كل ما بنته خلال سنوات يمكن أن ينهار خلال ساعات، وأن تتحول من امرأة تدير شركة إلى أم تبحث كل صباح عن ثمن وجبة، وإيجار منزل، ورسوم مدرسة لأربعة أطفال؛ بنتين وولدين.
تقول وهي تستعيد بداية الرحلة:
«طلعنا بأرواحنا فقط».
الطلقة الأولى
كان ذلك يوم سبت.
تتذكر هند صوت الرصاص في البداية بعيداً، كأنه شيء يحدث في مكان آخر. ثم بدأ الصوت يقترب، وتغير كل شيء.
تقول:
«كانت أول طلقة يوم سبت، وصوت الرصاص في البداية كان بعيد. بعد فترة عرفنا الحاصل ورجعت لأولادي».
كانت تعيش مع أطفالها وحدهم في منزلهم بحي الصفا، بالقرب من المطار. ومع تصاعد القتال، لم يعد المنزل بيتاً آمناً، ولم يعد الانتظار خياراً ممكناً.
لم يكن لديها وقت لتفكر في الملابس التي ستأخذها، أو الأوراق، أو الأشياء التي جمعتها طوال سنوات.
كان عليها أن تخرج.
تقول:
«أنا وأولادي بس، ما كان معانا زول. طلعنا بأرواحنا فقط، وبقينا نعاين للمجهول، ما عارفين الوضع ماشي على وين».
حتى منزل الأسرة في امتداد ناصر لم يكن آمناً.
وهكذا بدأت رحلة لا تعرف هند حتى اليوم كيف استطاعت قطعها.
طريق طويل
من الخرطوم إلى شندي.
أقامت هناك مع أقاربها، ثم انتقلت إلى عطبرة. لكن النزوح لم يمنحها الاستقرار الذي كانت تبحث عنه. كانت المدن مجرد محطات مؤقتة في طريق أطول من قدرتها على الاحتمال.
ثم بورتسودان.
شهر كامل قضيته هناك وهي تحاول استخراج أوراق السفر. كانت تريد الخروج من السودان، لكن الطائرة كانت أغلى من قدرتها.
تقول:
«نحن طالعين بأرواحنا فقط، وما كانت عندنا إمكانيات».
فبدأت رحلة أخرى.
سنار.
كوستي.
الرنك.
جوبا.
ثم يوغندا.
مدن وحدود وطرق طويلة، وأربعة أطفال يمشون خلف أمهم، يعتمدون عليها في كل شيء.

كانت تحمل الشيلة وحدها.
«شايلة الشيلة براي»
هند مطلقة. تقول إن مسؤوليتها عن أطفالها لم تبدأ مع الحرب، لكن الحرب جعلت تلك المسؤولية أثقل وأقسى.
تقول:
«أنا الوحيدة المسؤولة عن أولادي. أبوهم ما كان شايل مسؤوليتهم من قبل الحرب، وبعد الحرب المعاناة زادت».
ثم تختصر سنوات كاملة في جملة واحدة:
«أنا شايلة الشيلة دي براي».
قبل الحرب كانت تعرف معنى العمل والاستقلال.
كان لديها مكتب وشركة ومشروعات، وكانت حياتها تمضي في مسار واضح.
تقول:
«عمري كلو كنت شغالة. كان عندي وضع اجتماعي واستقرار مالي».
لكن الحرب لم تترك لها شيئاً يشبه تلك الحياة.
فراش على الأرض
حين وصلت هند إلى يوغندا، لم تصل إلى حياة جديدة بالمعنى الذي يتخيله الناس عن الهجرة.
وصلت إلى الفراغ.
لا سرير.
لا أثاث.
لا أدوات منزلية.
ولا مال يكفي لبدء حياة.
تقول:
«وصلت وكنت بفترش الأرض بملاية، أنا وأولادي».
نامت الأسرة على الأرض، ثم، بعد فترة، استطاعت شراء مرتبتين وموقد صغير لإعداد الطعام.
لكن امتلاك المرتبتين لم يحل المشكلة الأكبر.
كان الطعام نفسه معركة يومية.
تقول:
«كنا بناكل وجبة واحدة في اليوم. مرات آكل ومرات ما آكل».
وأحياناً كانت الأم تفعل ما تفعله الأمهات حين لا يكفي الطعام للجميع؛ تختفي حصتها من المائدة.
تقول:
«مرات أوفر حصتي من الأكل للأولاد وأكتفي بشرب القهوة».
لم يعد الجوع وحده مصدر الخوف.
كان المرض أيضاً شيئاً يجب تجنبه بأي ثمن.
«كنا نعمل حسابنا شديد عشان ما يمرضوا، لأن العلاج مكلف جداً».
في حياة اللجوء، يمكن أن يصبح المرض فاتورة لا تملك الأسرة القدرة على دفعها.
حين تصبح المهندسة بائعة شاي
لكن هند لم تستسلم.
كانت تعرف أن عليها أن تعمل.
أي عمل.
فكرت في المخبوزات، واستخدمت ما توفر لديها من أدوات ومواد منزلية لصناعة الطعام وبيعه. ثم حاولت بيع السندويتشات من خلال مشروع صغير، لكنه لم ينجح.
عادت إلى المخبوزات مرة أخرى.
لم تكن تبحث عن مشروع ناجح بالمعنى التجاري.
كانت تبحث عن مبلغ يكفي آخر الشهر.
تقول:
«كنت عايزة أعمل حاجة تلقط لي مصروف أولادي».
حاولت طرقاً أخرى.
ذهبت إلى المنظمات الإنسانية، على أمل أن تجد جهة تساعدها في دفع جزء من رسوم دراسة أطفالها.
لكنها عادت خالية اليدين.
تقول:
«مشيت المنظمات عسى ولعل يشيلوا جزء من دراسة الأولاد، لكن للأسف ما لقيت منظمة تدعم. رجعت بخيبة أمل».

لم يبق أمامها سوى أن تبدأ من جديد.
استدانت مبلغاً من المال من أصدقائها.
اشترت كراسي.
وطاولات.
وبعض الأدوات.
ثم وقفت خلفها.
وبدأت تبيع الشاي والقهوة.
مهندسة مدنية تعمل في الإنشاءات والاستثمار، تجد نفسها في بلد اللجوء أمام أكواب الشاي وأدوات القهوة.
تقول:
«دخلت مجال ما مجالي وما بفهم فيه بسبب الحرب اللعينة».
ثم تضيف:
«بجابد الحياة».
كل صباح
السوق ليس جيداً دائماً.
والزبائن لا يأتون بالعدد نفسه.
والدخل لا يكفي دائماً.
لكن هند تستيقظ كل صباح.
تفتح مكانها.
ترتب الأكواب.
تعد القهوة.
وتنتظر.
ليس لأنها اختارت هذه الحياة، بل لأنها لا تملك رفاهية التوقف.
الإيجار ينتظر.
الطعام ينتظر.
المدرسة تنتظر.
وأربعة أطفال ينتظرون أمهم.
تقول:
«مرات ما بقدر أدفع حق المدارس».
ثم تعود إلى الجملة التي أصبحت تختصر حياتها:
«بجابد الحياة».
التعليم أولاً
رغم كل شيء، لا يزال التعليم هو أول ما تفكر فيه.
تقول:
«هدفي الأول لازم أشتغل عشان تعليم أولادي».
تعرف هند أن الحرب يمكن أن تنتزع البيت والعمل والمال، لكنها لا تريد لها أن تنتزع مستقبل أطفالها أيضاً.
وتقول إن مسؤولية المرأة المطلقة في ظروف اللجوء تصبح مضاعفة، خصوصاً عندما تتحول إلى الأب والأم ومصدر الدخل الوحيد.
«الهموم كبيرة شديد، والمسؤولية صعبة شديد».
بطاقة اللجوء
حين استلمت هند بطاقة اللجوء، لم تشعر بأنها حصلت على وثيقة جديدة فقط.
شعرت بأنها أمسكت بقطعة صغيرة من الاعتراف بأن حياتها القديمة أصبحت خلفها.
تقول:
«لما استلمت بطاقة اللجوء كان إحساس مؤلم، لكن ما كان عندنا حل غير اللجوء. لازم نقنن وضعنا».
لم يكن اللجوء حلماً.
ولم يكن السفر بحثاً عن حياة أفضل.

كان هروباً.
من الحرب.
من الموت.
ومن المجهول.
تقول:
«فترنا من المعاناة».
ما تبقى
ومع ذلك، لا تتحدث هند عن الاستسلام.
تتحدث عن الصبر.
عن أطفالها.
وعن البيت الذي تركته.
وعن العمل الذي تريد أن تعود إليه.
تقف اليوم بعيداً عن مكاتب الهندسة ومشروعات الإنشاءات التي كانت تديرها. تعمل في بيع الشاي والقهوة، وتعرف أن هذه المهنة قاسية، لكنها ترى في كل يوم عمل فرصة أخرى للبقاء.
تقول:
«شغلة الشاي والقهوة قاسية، لكن صابرة عشان أولادي والمعايش، والحمد لله».
ثم تصمت قليلاً.
وكأن كل الكلمات التي يمكن أن تقولها تختصرها أمنية واحدة:
«كفاية مآسي وألم. بس عايزاها تقيف عشان نرجع بيوتنا وشغلنا. فترنا من المعاناة والشقاء».
كانت هند صاحبة شركة.
كانت مهندسة تبني.
واليوم، هي لاجئة وأم وأب لأربعة أطفال.
لكن بين مخطط بناء وكوب شاي، بين مكتب هندسي وموقد صغير، لم تفقد شيئاً أهم من المال والبيت والعمل.
لم تفقد قدرتها على الوقوف.
كل صباح، حين تضع الماء على النار، لا تفكر فقط في عدد أكواب الشاي التي ستبيعها، ولا في المال الذي ستجمعه قبل نهاية اليوم.
تفكر في أربعة أطفال.
أربعة وجوه تنتظر عودتها.
أربعة أطفال يريدون الحياة.
ولهذا تستمر.
لأن الحرب أخذت منها البيت والعمل والاستقرار.
لكنها لم تأخذ منها الرغبة في النجاة.
ولم تأخذ منها قدرتها على أن تبدأ من جديد.





