فتحت مقابلته مع «أفق جديد» من الأسئلة المزيد ..حوار حول الحوار .. مناوي يضع الملح على الجرح

أفق جديد

لم يكن الإعلان عن لجنة «تهيئة الحوار السوداني» مجرد خطوة جديدة في سلسلة المبادرات السياسية التي ظهرت منذ اندلاع الحرب، بل سرعان ما تحول إلى اختبار سياسي واسع كشف عمق الخلافات حول شكل التسوية المقبلة، ومن يملك حق الإعداد لها، ومن ينبغي أن يجلس إلى طاولتها، وما إذا كان الحوار يمكن أن يبدأ قبل معالجة الواقع العسكري والإنساني الذي فرضته الحرب.

وبمجرد أن أطلق رئيس حركة تحرير السودان وعضو الكتلة الديمقراطية مني أركو مناوي تحذيره من أن الحوار المطروح في توقيته الحالي «يمهد لانقسام البلاد»، اتسعت دائرة النقاش بصورة لافتة. لم يكن الاعتراض، كما أوضح مناوي لاحقًا، رفضًا لمبدأ الحوار أو تشكيكًا في أعضاء اللجنة، وإنما اعتراضًا على الطريقة التي بدأت بها العملية، وعلى احتمال أن تنتقل اللجنة مستقبلًا من مهمة «تهيئة الأرضية» إلى التأثير في مسار الحوار نفسه.

وتحولت المقابلة التي أجرتها الصحافية شمائل النور لصالح «أفق جديد» مع مناوي من حوار حول الحوار إلى سجال سياسي أوسع، شارك فيه رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، وعضو لجنة تهيئة المناخ للحوار الواثق كمير، وآخرين، قبل أن يعود مناوي بتوضيحات جديدة أعادت رسم حدود اعتراضه.

 

الخلاف الأول

في ظاهر الأمر، يبدو أن الخلاف يدور حول سؤال بسيط: هل تستطيع شخصيات مستقلة أن تقود عملية الإعداد للحوار السياسي؟

لكن النقاش يكشف سؤالًا أعمق: هل يمكن أن تكون هناك مرحلة سياسية تسبق الحوار نفسه، تتولاها شخصيات لا تمثل أحزابًا أو حركات، أم أن مجرد تحديد شروط الحوار وأطرافه وأجندته يدخل بالضرورة في صميم العمل السياسي، وبالتالي يجب أن يكون تحت إشراف القوى السياسية؟

مناوي وضع المسألة منذ البداية في إطار واضح. فهو يرى أن الحوار السياسي، في جوهره، شأن للقوى السياسية والتنظيمات والمجتمع المدني، وليس مهمة شخصيات مستقلة. وفي المقابل، يقول الواثق كمير إن اللجنة لم تقدم نفسها باعتبارها بديلًا عن القوى السياسية، ولم تدّع تمثيلها أو إدارة الحوار نيابة عنها، وإنما حددت مهمتها في تهيئة المناخ وفتح قنوات التشاور والاستماع إلى الأطراف المختلفة بشأن شروط الحوار وضماناته ومعايير المشاركة فيه.

ومن هنا نشأ أول سوء فهم بين الطرفين: مناوي ينظر إلى المسار من زاوية احتمال تطور اللجنة إلى لاعب سياسي، بينما ينظر كمير إلى المهمة كما أعلنتها اللجنة، أي باعتبارها وظيفة تمهيدية لا تنافس الأحزاب والحركات على دورها.

لكن أهمية هذا الخلاف تتجاوز النوايا المعلنة؛ لأن التجربة السودانية نفسها تجعل مسألة «الشخصية المستقلة» شديدة الحساسية. فمناوي يقول إن تعبيرات مثل «الشخصية الوطنية» و«الشخصية المستقلة» و«الشخصية القومية» تكررت في الحياة السياسية السودانية إلى درجة فقدت معها بعض معانيها، ويمكن أن تثير الشكوك إذا استُخدمت دون تشاور سياسي واسع.

وبذلك لا يصبح السؤال: هل أعضاء اللجنة مستقلون أم لا؟ بل: مستقلون عن ماذا، ومن فوضهم، وما حدود مهمتهم، ومن يراقب انتقالهم من التهيئة إلى إدارة العملية السياسية؟

مخاوف التوقيت

الجانب الأكثر حساسية في موقف مناوي يتعلق بالتوقيت.

فالحرب لم تنتهِ، والسيطرة العسكرية على الأرض ما تزال موزعة بين أطراف الصراع، بينما تعاني الدولة من انقسام جغرافي وسياسي متزايد. وفي هذا السياق، يرى مناوي أن إطلاق حوار سياسي من دون معالجة هذه الحقائق يمكن أن ينتج، ولو بصورة غير مقصودة، واقعًا سياسيًا موازيًا للواقع العسكري.

فالمشكلة، وفق قراءته، ليست أن اللجنة تدعو إلى تقسيم السودان أو تعترف بسلطة سياسية للدعم السريع، وإنما أن أي مسار سياسي ينشأ في ظل انقسام جغرافي وعسكري قد يكون قابلًا للاستغلال من جانب الأطراف المسلحة لتثبيت واقع جديد على الأرض.

ولهذا استخدم مناوي تعبير «الانقسام بوضع اليد»، في إشارة إلى مخاوفه من أن يتحول الانقسام العسكري المؤقت إلى انقسام سياسي أكثر رسوخًا. وفي رده على كمير، شدد على أن تحذيره لا يعني اتهام اللجنة بأنها تسعى إلى تقسيم البلاد، وإنما التنبيه إلى إمكانية أن تستغل أطراف الحرب مسار الحوار لإنتاج «أمر واقع» سياسي وجغرافي جديد.

وهنا تبدو المسألة أكبر من اللجنة نفسها.

فالسؤال الحقيقي هو: هل يمكن إطلاق عملية سياسية وطنية بينما لا تزال الخريطة العسكرية مفتوحة؟

الإجابة التي يقدمها تيار من القوى السياسية تبدو أقرب إلى التحفظ، ليس رفضًا للحوار، وإنما خشية أن يصبح الحوار آلية للتكيف مع نتائج الحرب بدلًا من أن يكون أداة لإنهائها.

 

الدقير: الخلاف في التصميم

جاء تعقيب عمر الدقير ليمنح موقف مناوي بعدًا سياسيًا أوسع. فهو لم يرفض الحوار من حيث المبدأ، بل قال إن الخطر يكمن في حوار غير شامل، وغير مستقل عن سيطرة أي طرف، وغير مفتوح على أفق إيقاف الحرب.

وبحسب هذا التصور، فإن الحوار لا ينبغي أن يبدأ بقائمة جاهزة للمشاركين وأجندة محددة ثم يُطلب من القوى السياسية الالتحاق به؛ وإنما يجب أن تسبقه مشاورات حول شروطه وملكيته وضماناته ومنهجه.

وهنا تبرز نقطة مهمة: الرفض الذي ظهر في ردود الفعل ليس رفضًا للحوار بقدر ما هو صراع على تصميم الحوار.

من يختار المشاركين؟

من يضع الأجندة؟

من يحدد الأولويات؟

هل يبدأ الحوار بوقف الحرب والهدنة الإنسانية؟

هل تكون العدالة والمحاسبة جزءًا من التهيئة أم من أجندة الحوار؟

ما الدور الذي تلعبه الأطراف الإقليمية والدولية؟

ومن يضمن أن تتحول مخرجات الحوار إلى إجراءات عملية؟

هذه الأسئلة هي التي يبدو أنها تختبئ خلف الجدل حول اللجنة.

التهيئة أم إدارة الحوار؟

في المقابل، يدافع الواثق كمير عن الفكرة من زاوية مختلفة. فبحسب تفسيره، لا توجد منافسة بين اللجنة والقوى السياسية، لأن اللجنة لا تدعي أنها صاحبة الحوار ولا أنها ستختار مستقبل البلاد أو تمثل الأطراف السياسية.

ويذهب أبعد من ذلك حين يرى أن الشروط التي طرحها مناوي نفسه للحوار — تهيئة المناخ، وبناء الثقة، والضمانات، والانفتاح الإقليمي والدولي — هي في جوهرها المهام التي يفترض أن تعمل اللجنة على تحقيقها.

هذه الحجة تطرح سؤالًا عمليًا مهمًا: إذا كانت القوى السياسية هي التي ستدير الحوار في النهاية، فمن الذي يقوم بالاتصالات الأولية بينها؟ ومن يستمع إلى تحفظاتها؟ ومن يجمع تصوراتها حول شروط المشاركة؟ ومن يمهد الطريق لتوافق أولي حول شكل العملية؟

فحتى اللجنة التي تبدأ بوظيفة فنية أو تمهيدية يمكن أن تتحول، بمرور الوقت، إلى مركز تأثير سياسي إذا أصبحت هي التي تحدد من يشارك، وما الذي يناقش، ومتى يبدأ الحوار، وأين ينعقد، ومن هم الوسطاء، وما هي القضايا التي توضع على الطاولة.

وهذا تحديدًا هو الخوف الذي عبّر عنه مناوي عندما قال إن اعتراضه يمثل «إنذارًا» مبكرًا حتى لا تتحول اللجنة من جهة لتهيئة الأرضية إلى جهة تفرض نفسها على مسار الحوار.

 

أزمة الثقة

لعل أكثر ما كشفته ردود الفعل على الحوار هو أن المشكلة السودانية الحالية ليست نقص المبادرات السياسية بقدر ما هي أزمة ثقة عميقة بين القوى المختلفة.

فكل مبادرة جديدة تُقرأ فورًا من زاوية: من يقف خلفها؟ ومن المستفيد منها؟ ومن يملك القدرة على التأثير فيها؟ وهل ستكون مدخلًا لتسوية حقيقية أم لإعادة إنتاج توازنات الحرب في المجال السياسي؟

ولهذا فإن إعلان لجنة من شخصيات مستقلة، حتى لو كان أعضاؤها يتمتعون بسجل مهني وشخصي محترم، لا يكفي وحده لإقناع القوى السياسية بسلامة المسار.

المسألة تحتاج إلى شرعية سياسية للعملية، وهذه الشرعية لا يمكن أن تنتجها اللجنة وحدها.

وفي المقابل، فإن القوى السياسية نفسها لا تستطيع أن تطلب حوارًا شاملًا ثم ترفض كل جهد تمهيدي لا تسيطر عليه مباشرة.

وهنا تكمن المعضلة: اللجنة تحتاج إلى القوى السياسية كي تمنح العملية شرعيتها، والقوى السياسية تحتاج إلى جهة تمهيدية تساعدها على الوصول إلى صيغة للحوار، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن تتحول تلك الجهة إلى صاحب قرار.

 

الحرب أكبر من الجنرالين

ثمة نقطة أخرى تكاد تجمع عليها الأطراف المتحاورة: الأزمة السودانية أكبر من الحرب العسكرية الحالية.

مناوي نفسه شدد على أن الأزمة ليست مجرد «حرب بين جنرالين»، فيما أشار كمير إلى أن الحرب عمقت قضايا تتعلق بشكل الدولة، والجيش، والسلطة، والعدالة، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، والمركز والهامش، وشكل الانتقال السياسي.

وهذا يعني أن وقف إطلاق النار، على أهميته، لن يكون وحده كافيًا لإنهاء الأزمة.

الحوار المرتقب، إذا نجح، سيكون مطالبًا بالإجابة عن أسئلة الدولة السودانية نفسها: من يحكم؟ وما طبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة؟ وكيف تتم معالجة تعدد الجيوش؟ وما مصير المؤسسات التي انهارت خلال الحرب؟ وكيف تتم محاسبة المتورطين في الانتهاكات؟ وكيف تعاد صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم؟ وما الضمانات التي تمنع عودة الحرب؟

ولهذا يصبح اختيار شكل الحوار جزءًا من الحل نفسه، وليس مجرد ترتيبات إجرائية.

 

الخارج حاضر

رغم اختلاف الأطراف حول حجم الدور الخارجي، فإن هناك اتفاقًا لافتًا على أن السودان لا يستطيع إدارة أزمته بمعزل عن محيطه.

مناوي دعا صراحة إلى عمل سياسي ودبلوماسي واسع مع دول الجوار، خصوصًا إثيوبيا وتشاد، مع تأكيده على أهمية الحوار الدبلوماسي حتى في ظل تأثير سياسات الدول المجاورة بالحرب. كما يرى أن وجود بعد إقليمي ودولي في الحوار يمكن أن يكون مهمًا للمراقبة والتسهيل وضمان تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

لكن الدقير يضع قيدًا واضحًا: الدور الخارجي ينبغي أن يكون للتيسير لا للوصاية، وألا يتحول إلى أداة لهندسة الحوار أو اختيار أطرافه أو التأثير في مخرجاته.

وهذا يعكس واحدة من أكثر المعضلات تعقيدًا في أي تسوية سودانية: السودان يحتاج إلى الخارج، لكنه يخشى الخارج في الوقت نفسه.

الدول المجاورة متورطة بدرجات مختلفة في الحرب، والقوى الدولية لديها مصالحها الخاصة، ولذلك فإن استدعاء الخارج إلى طاولة الحوار يمكن أن يوفر ضمانات مهمة، لكنه يمكن أيضًا أن يفتح الباب أمام صراع آخر حول النفوذ داخل العملية السياسية.

 

الهدنة قبل السياسة؟

في خلفية النقاش كله يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن بناء حوار سياسي جاد من دون معالجة الكارثة الإنسانية؟

الدقير يرى أن الأولوية في تهيئة المناخ ينبغي أن تكون هدنة إنسانية تضمن حماية المدنيين وتفتح الطريق أمام وصول المساعدات، معتبرًا أن إنقاذ الأرواح ينبغي أن يتقدم على القضايا السياسية والإجرائية الأخرى.

وهذا الطرح يعيد ترتيب الأولويات.

فبدلًا من أن تكون التهيئة مجرد اجتماعات ومشاورات وترتيبات سياسية، يمكن أن تصبح عملية متكاملة تبدأ من وقف إطلاق النار أو الهدنة الإنسانية، وفتح الممرات، وحماية المدنيين، وإعادة الحد الأدنى من الثقة، ثم الانتقال إلى حوار سياسي أوسع.

لكن ذلك بدوره يصطدم بطبيعة الحرب نفسها؛ إذ إن الأطراف العسكرية قد تنظر إلى الهدنة باعتبارها جزءًا من المعركة السياسية، لا مجرد إجراء إنساني.

الرد الثاني لمناوي

رد مناوي على كمير خفف، في جانب منه، من حدة الانطباع الأول الذي تركته مقابلته.

فهو أكد بصورة صريحة أنه لا يرفض اللجنة ولا الحوار، وأن اعتراضه لا يتعلق بالأشخاص الذين اختيروا، بل بطريقة تعريف اللجنة لنفسها وبضرورة ألا تتجاوز حدود مهمتها. كما رحب بإعلان الحوار، لكنه طالب بأن تكون المرحلة الحالية مرحلة تمهيد لا دخولًا مباشرًا في القضايا الكبرى.

والأهم أنه دعا اللجنة إلى فتح حوار مباشر وواسع مع القوى السياسية والمدنية المختلفة، معتبرًا أن التشاور كان ينبغي أن يسبق إعلان اللجنة، وأن ذلك كان يمكن أن يمنع كثيرًا من سوء الفهم والشكوك التي أعقبت الإعلان.

بهذا المعنى، لم يعد الخلاف بين مناوي وكمير خلافًا على «الحوار أو اللا حوار»، بل أصبح أقرب إلى خلاف حول الترتيب الصحيح للخطوات.

مناوي يريد تهيئة سياسية أوسع قبل أن تتحرك اللجنة.

وكمير يرى أن اللجنة موجودة أصلًا لتقوم بجزء من هذه التهيئة.

وبين الموقفين تقع المشكلة السودانية الأوسع: كيف يمكن بناء الثقة في بلد فقدت الحرب فيه الثقة بين مكوناته ومؤسساته وقواه السياسية؟

 

ما بعد ردود الفعل

ربما تكون القيمة السياسية الأكبر لهذا الجدل أنه كشف مبكرًا ما يمكن أن يصبح العقدة الرئيسية أمام أي حوار سوداني مقبل.

فإذا لم تتفق القوى السياسية منذ البداية على ملكية العملية، فإن كل خطوة لاحقة ستظل عرضة للتشكيك.

وإذا لم تكن هناك معايير واضحة للمشاركة، فسيتحول الحوار إلى معركة حول من يدخل ومن يُستبعد.

وإذا لم يكن هناك اتفاق على علاقة الحوار بالحرب، فسيظل السؤال قائمًا: هل الهدف إنهاء الحرب أم إدارة آثارها؟

وإذا لم يكن الدور الإقليمي والدولي محددًا بدقة، فسيتجدد الجدل حول الوصاية والتدخل.

وإذا لم ترتبط التهيئة بوقف المعاناة الإنسانية، فقد تبدو العملية السياسية منفصلة عن ملايين السودانيين الذين يعيشون نتائج الحرب يوميًا.

لهذا، فإن لجنة تهيئة الحوار تواجه الآن اختبارًا أكبر من مجرد الدفاع عن فكرة وجودها. الاختبار الحقيقي هو قدرتها على تحويل الانتقادات التي وُجهت إليها إلى آلية عمل أكثر انفتاحًا وشفافية، تبدأ بالتشاور مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، وتوضح للرأي العام حدود مهمتها، ومعايير عملها، ومصادر شرعيتها، وكيف ستضمن ألا تتحول التهيئة إلى إدارة للحوار.

وفي المقابل، تواجه القوى السياسية اختبارًا لا يقل صعوبة: هل تستطيع الانتقال من رفض المبادرات التي لا تشارك في صياغتها إلى المشاركة في إعادة تصميمها؟

 

الخلاف المفيد

رغم الضجيج الذي أثاره الحوار، قد يكون الجدل نفسه مفيدًا إذا بقي في حدود الاختلاف السياسي ولم يتحول إلى خصومة.

فمناوي يقول في خاتمة رده إن الاختلاف في الرأي ينبغي أن يكون وسيلة لتصحيح المسار وتقليل المخاطر، لا سببًا للخصومة. وهذه ربما تكون النقطة الأكثر أهمية في كامل السجال.

السودان لا يحتاج إلى حوار جديد فقط؛ يحتاج إلى طريقة جديدة لإدارة الاختلاف حول الحوار.

فالخطر الحقيقي ليس أن تختلف القوى السياسية حول اللجنة أو شروط الحوار، وإنما أن تبدأ كل جهة في بناء مسارها السياسي الخاص، بحيث تتحول تعددية المبادرات إلى تعددية مراكز للشرعية، ثم تتحول التعددية السياسية إلى انعكاس للانقسام العسكري والجغرافي.

وفي هذه النقطة تحديدًا تلتقي مخاوف الأطراف، رغم اختلاف منطلقاتها.

مناوي يخشى أن يتحول المسار السياسي إلى تثبيت للأمر الواقع العسكري.

الدقير يخشى أن يصبح الحوار تكيفًا مع الانقسام بدلًا من أن يكون طريقًا لإنهائه.

كمير يخشى أن تُحاكم اللجنة على أدوار لم تدعها لنفسها، بينما يرى أن مهمتها هي بالأساس صناعة الظروف التي تسمح للقوى السياسية بإدارة حوارها.

وبين هذه الرؤى الثلاثة تتشكل معركة أعمق على مستقبل العملية السياسية السودانية.

 

السؤال المؤجل

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: هل لجنة تهيئة الحوار شرعية أم غير شرعية؟

السؤال الأهم هو: هل يستطيع السودانيون الاتفاق أولًا على قواعد اللعبة التي ستقودهم إلى الحوار؟

فإذا اتفقوا على أن الحوار ملك للسودانيين، وأن القوى السياسية والمدنية والمجتمعية هي صاحبة القرار في مخرجاته، وأن مهمة أي لجنة تمهيدية يجب أن تبقى محددة وشفافة، وأن التهيئة تبدأ بحماية المدنيين وفتح الطريق أمام المساعدات وبناء الثقة، وأن الدور الإقليمي والدولي يجب أن يكون مساندًا لا وصائيًا، فقد يتحول الجدل الحالي من أزمة جديدة إلى فرصة لإعادة بناء المسار السياسي.

أما إذا استمرت كل جهة في قراءة المبادرة باعتبارها محاولة من جهة أخرى للسيطرة على المستقبل السياسي، فإن الحوار نفسه قد يصبح ساحة جديدة من ساحات الحرب، ولكن هذه المرة بلا رصاص.

وهنا تكمن المفارقة: الحوار الذي أُعلن باعتباره طريقًا للخروج من الانقسام أصبح، منذ لحظاته الأولى، مرآة لذلك الانقسام.

والاختبار الحقيقي الآن ليس في قدرة اللجنة على الدفاع عن نفسها، ولا في قدرة القوى السياسية على رفضها، وإنما في قدرة الجميع على الاتفاق على أن الحوار ليس غنيمة سياسية، ولا منصة لإعادة توزيع النفوذ، بل محاولة أخيرة لمنع الحرب من أن تتحول من واقع عسكري مؤقت إلى شكل دائم للدولة السودانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى