تفكيك أزمة السودان ….. ما بين الواقع والأحلام ..هل نجح السياسيون في إخراج السودان من عنق الزجاجة؟

بقلم هويدا سنادة
لأكثر من ستين عامًا ونحن ندور في نفس الحلقة المفرغة، كل نظام يأتي ليصحح أخطاء من سبقه، فيكرر نفس الأخطاء بدرجة أكبر، ثم نعود لنقطة الصفر، الأزمة اليوم ليست أزمة حرب 15 أبريل وحدها، بل هي النتيجة وليست السبب، السبب هو أزمة تاريخية بنيوية لم نجرؤ على تفكيكها، وهو ما أسماه المفكر منصور خالد بـ(إدمان الفشل) لدى النخبة السودانية. [1]
إن أخطر ما في الأزمة أنها أصبحت مريحة للنخبة، كل طرف يتاجر بها، العسكر باسم الأمن، الإسلاميون باسم الشريعة، والحركات المسلحة باسم التهميش، والنخب النيلية باسم الدولة، والوحيد الذي يدفع الثمن هو المواطن البسيط، وهي الديناميكية التي وصفها أليكس دي وال بأنها (اقتصاد سياسي للحرب) حيث تصبح الحرب نفسها (موردًا). [2]
أولًا: الأسئلة التاريخية:-
1_ سؤال الهوية:
هل نحن دولة عربية إسلامية، كما أرادتها نخبة 1956، أم دولة أفريقية متنوعة؟ كل حروبنا كان سببها فرض هوية أحادية على مجتمع متعدد، وهو ما فصله فرانسيس دينق في كتابه (صراع الرؤية والهويات في السودان)، هل نملك شجاعة الاعتراف بأن مشروع التعريب القسري فشل؟ [3]
2_ سؤال المركز والهامش:-
لماذا ظلت الثروة والسلطة في مثلث حمدي، بينما ظل دارفور والشرق وجبال النوبة مخزنًا للجنود والموت؟ هذا هو جوهر أطروحة الدكتور أبو القاسم حاج حمد عن السودان (القبلية والدولة)، مركزية السلطة في الخرطوم، اتفاقية جوبا لم تحل المشكلة، بل حولت قادة الهامش إلى جزء من المركز. [4]
3- سؤال الجيش والدولة:-
منذ 1958 الجيش لا يحرس الدولة، بل يحكمها، وهي الظاهرة التي أرّخ لها البروفيسور عطا الحسن البطحاني في دراسته عن (الجيش والسياسة)، حيث تحول الجيش من مؤسسة وطنية إلى حزب سياسي مسلح يملك الاقتصاد. [5]
4- سؤال العدالة:-
هل يمكن أن ننتقل للمستقبل دون محاسبة الماضي؟ من فض اعتصام القيادة؟
من قتل أهل دارفور؟
لا سلام مستدام بلا عدالة انتقالية، وهذا هو الدرس المستفاد من تجربة جنوب أفريقيا التي وثقها ديزموند توتو. [6]
ثانيًا: لماذا فشلت النخبة المركزية؟
فشلت لأنها لم تتفق يومًا على آلية ديمقراطية لإدارة التنوع، وكل حزب يريد أن يحكم وحدة، وهذا ما حلله أستاذ حيدر إبراهيم علي، في نقده (أزمة النخبة والأيديولوجية). [7]
الخلاصة:
كيف نخرج؟ 7 نقاط عملية:
1_ وقف الحرب أولًا ثم الحوار ثانيًا: لا حوار تحت القصف، وهذا هو المبدأ الأساسي في القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب، التي تحرم قصف المدنيين والمنشآت المدنية.
2- حوار جامع، حوارًا غير جامع، لا يعتبر حوارًا وطنيًا، تجارب الحوار الوطني في السودان منذ عام (2014) إلى (2017) أثبت أن الإقصاء هو سبب فشلها، كما وثقها المركز الأفريقي لدراسات السلام. [9]
3_ فترة انتقالية مدنية كاملة:
لا شراكة مع العسكر، وهو ما تنص عليه الوثيقة الدستورية السودانية لسنة (2019) في نسختها الأولى، بضرورة نقل السلطة للمدنيين. [10]
4_ مؤتمر دستوري قومي:
ليس لجنة من 20 شخصًا عينهم البرهان، المؤتمر الدستوري هو الآلية التي أوصت بها مخرجات مؤتمرات الحكم الفيدرالي منذ 1980، كحل وحيد لسؤال شكل الدولة. [11]
5_ جيش واحد وعدالة واحدة:
تفكيك كل الجيوش ودمجها بترتيبات أمنية، وهو النموذج الذي طبقته رواندا بعد الإبادة عبر برنامج DDR (نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج) بإشراف الأمم المتحدة. [12]
6_ مشروع مارشال اقتصادي:
السودان لا يحتاج معونات، بل يحتاج لإلغاء الديون، وإعادة الإعمار، وهو ما طالبت به مبادرة الهيبك (HIPC) لإعفاء ديون السودان، والتي تقدر بأكثر من 60 مليار دولار. [13]
7_ ضمانات حقيقية:
ليست ضمانات شفهية بتعليق البلاغات، الضمانات يجب أن تكون مكتوبة وموثقة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، وفق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة لحفظ السلام. [14]
السودان لا يحتاج لمزيد من اللجان، بل يحتاج لشجاعة الاعتراف، بأننا جميعًا أخطأنا، وأن المركز ظلم الهامش، وأن العسكر خانوا وظيفتهم.
بدون هذه الشجاعة، سنظل نحلم بالخروج من عنق الزجاجة، بينما نحن نغرق داخلها.





