مشروع الجزيرة تحت وطأة العطش.. محاصيل مهددة وخسائر تتسع

أفق جديد
في مشروع الجزيرة، لا يهدد العطش الموسم الزراعي فحسب، بل يهدد مصدر رزق آلاف المزارعين الذين يواجهون خطر فقدان محاصيلهم بعد أن تأخرت مياه الري عن الوصول إلى عدد من الأقسام والمكاتب. وبينما تتراجع قدرة الأرض على الصمود أمام الجفاف، تتسع مخاوف المزارعين من تحول شح المياه إلى خسائر زراعية واقتصادية يصعب تعويضها.
يهدد العطش بتلف المحاصيل الزراعية في أجزاء واسعة من مشروع الجزيرة، وسط شكاوى مزارعين من شح حاد في مياه الري وتأخر وصولها خلال الموسم الحالي.
يُعاني مشروع الجزيرة الذي تبلغ مساحته نحو 2.2 مليون فدان ويعتبر شريانًا حيويًا للإنتاج الزراعي من الإهمال الواضح جراء تدمير قنوات الري وضعف انسياب المياه إلى الأراضي الزراعية بسبب الحرب التي اندلعت منتصف أبريل 2023.
وسبق أن قدرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، أن أكثر من 1.8 مليون أسرة سودانية تعمل في الزراعة والرعي، أي نحو 9 ملايين شخص، وذلك يعني أن الزراعة مصدر دخل لتلك العائلات، ومع ذلك يستطيع السودانيون إنتاج الغذاء حتى في ظروف الحرب إلا أن المشكلة تكمن في صعوبة الوصول إلى الأراضي والحصول على المواد الأولية.
ويشكو مزارعون في قسم الشوال، مكتب 101 سقدي، ميجر 4، من نقص مياه الري، بينما عبّر مزارعو قسم التحاميد، وحدة ود النورة، مكتب الشويرف عن معاناتهم من شح حاد في المياه.
وقال مزارعون إن تأخر وصول مياه الري أدى إلى تدهور المحاصيل وتلف مساحات زراعية، ما ألحق بهم خسائر مالية كبيرة، محذرين من أن استمرار أزمة العطش قد يهدد الموسم الزراعي بأكمله.
وفي مناطق أخرى، أفاد مزارعون بأن العطش يهدد المحاصيل في مكتب 91 سرحان، ترعة مبروكة، وقرية التبيب، بريف الهدي في محلية المناقل، وسط مخاوف من اتساع رقعة الأضرار إذا لم تصل مياه الري في الوقت المناسب.
ويقول مزارع في قسم الشوال لـ”أفق جديد”: “المياه تأخرت علينا بصورة كبيرة، والمحصول بدأ يتأثر بالعطش. نحن صرفنا على الأرض من حرث وتقاوي وسماد، والآن نخشى أن يضيع كل ما دفعناه إذا استمر نقص المياه”.
كما ذكر مزارع مزارع في مكتب 101 سقدي قائلًا: “المشكلة ليست في وجود الترعة فقط، وإنما في أن المياه لا تصل بالكمية المطلوبة إلى الحواشات. بعض المساحات بدأت تذبل، وكلما تأخرت المياه زادت الخسارة”.
بدوره يقول مزارع في ميجر 4: لـ”أفق جديد”: “نحن محتاجون للمياه بصورة عاجلة، لأن المحصول في مرحلة لا يحتمل العطش. إذا استمر الوضع على هذا الحال، ستكون هناك مساحات كبيرة معرضة للتلف”.
أما مزارع من قسم التحاميد، وحدة ود النورة فيروي لـ”أفق جديد”: “المياه شحيحة جدًا، والمزارع أصبح في حيرة: هل يستمر في الصرف على المحصول أم يتوقف خوفًا من خسارة المزيد؟ نحن نطالب الجهات المسؤولة بحل مشكلة الري قبل فوات الأوان”.
من جانبه يقول مزارع مفي مكتب الشويرف: “تأخر الري انعكس مباشرة على المحاصيل، وبعض المساحات لم تحصل على حاجتها من المياه. نحن لا نريد وعودًا، نريد أن تصل المياه إلى الترع والقنوات والحواشات في الوقت المناسب”.
في الأثناء يقول مزارع في مكتب 91 سرحان لـ”أفق جديد”: “العطش بدأ يظهر على المحاصيل، والمشكلة أن المزارع لا يستطيع تعويض ما خسره إذا تلف المحصول. الموسم الزراعي بالنسبة لنا مصدر دخل أساسي، وأي فشل فيه يعني خسارة كبيرة للأسرة”.
منجهته يقول مزارع في قرية التبيب، ريفي الهدي لـ”أفق جديد: “نرى المحاصيل أمامنا وهي تتأثر بسبب نقص المياه، والمزارع هو الذي يتحمل التكلفة في النهاية. إذا لم تُعالج مشكلة الري سريعًا، فإن الضرر لن يكون على المزارعين وحدهم، بل على الإنتاج الغذائي أيضًا”.
في إطار إحكام التنسيق والتعاون المشترك بين إدارة مشروع الجزيرة ومجلس إدارة تنظيم منتجي مشروع الجزيرة لمعالجة قضايا الري، بدأت اللجنة المشتركة، التي تضم مدير إدارة الري بالمشروع المهندس محمد عثمان العوض، وعضوي مجلس إدارة التنظيم الشيخ سلام محمد البشير والأستاذ عبد الجليل عوض البدوي، برنامج زيارات ميدانية للوقوف على مناسيب مياه الري ومعالجة الاختناقات.
وشملت الجولة عددًا من المواقع، بينها القناطر الرئيسية 108 بيكا، و114 مساعد، وميجر الجاموسي، والخولاب، و11 السعداب، و14 سعد الله، و15، وميجر نايل، إلى جانب عدد من المواقع الأخرى، قبل أن تختتم اللجنة جولتها بالوقوف على مناسيب مياه الري عند قنطرتي الكيلو 77 والكيلو 57.
وكشفت الجولة عن ضعف مناسيب مياه الري في عدد من المواقع، وفي هذا الصدد وجّه مدير إدارة الري المهندس محمد عثمان العوض بزيادة تصرفات مياه الري من خزان سنار إلى 500 متر مكعب، بهدف رفع مناسيب المياه بالقناطر الرئيسية والمواجر والترع والقنوات.
كما وجه بوضع حراسة على المنشآت والمنظمات المائية للحد من التعديات عليها، وضمان تأمين الاحتياجات المائية لمحاصيل العروة الصيفية.
وأعربت قطاعات من المزارعين عن تقديرها لجهود اللجنة المشتركة في معالجة مشكلات الري وزيادة مناسيب المياه، بما يسهم في فك الاختناقات وتأمين وصول المياه إلى المناطق المتضررة.
وتواصل اللجنة المشتركة برنامج طوافها الميداني تباعًا على بقية أقسام مشروع الجزيرة، للوقوف على مشكلات الري ميدانيًا والعمل على معالجتها، في وقت يواجه فيه المزارعون مخاوف متزايدة من تأثير شح المياه على المحاصيل والإنتاج الزراعي خلال الموسم الحالي.
ومع استمرار شح مياه الري، يقف مزارعو الجزيرة أمام سباق مع الزمن؛ فكل يوم تتأخر فيه المياه يعني مزيدًا من التلف والخسائر. وبين محاصيل مهددة بالهلاك وتكاليف زراعية أثقلت كاهل المنتجين، يخشى المزارعون أن ينتهي الموسم بخسارة ما زرعوه، وأن يتحول عطش الأرض إلى أزمة معيشية جديدة تطال المزارع والمستهلك معًا.





