حين يصبح تشخيص أزمة الحوار جزءاً من الأزمة نفسها..

محمد أحمد شبشة

كتب الواثق كمير، في ورقة نقاش تمهيدية نشرها أخيراً من القاهرة بعنوان “الحوار السوداني–السوداني: قضايا الخلاف التي لا يمكن تجاوزها”، محاولاً الاقتراب من سؤال مهم كثيراً ما جرى تجاوزه في النقاش السوداني: لماذا لم تستطع القوى السياسية والمدنية السودانية، حتى الآن، أن تبدأ فيما بينها حواراً وطنياً جاداً حول إنهاء الحرب؟
أهمية الورقة، في تقديري، لا تكمن فقط في القضايا الخمس التي اقترحتها باعتبارها جوهر الخلاف السياسي الراهن، وهي قوات الدعم السريع، والقوات المسلحة السودانية، وقيادة القوات المسلحة، ودور الإسلاميين، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين، وإنما في أنها تضع يدها على مشكلة حقيقية: أن الدعوة إلى الحوار لا تعني بالضرورة أن شروط الحوار قد توافرت، وأن الاتفاق على عبارات عامة مثل وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات، والانتقال السياسي، لا يعني بالضرورة وجود اتفاق حول ما الذي ينبغي أن يحدث بعد ذلك، ومن هم أطراف العملية السياسية، وما هي مرجعيتها، ومن يملك حق تحديد أجندتها.
لكن هنا تحديداً تبدأ الأسئلة التي أظن أنها تحتاج إلى قدر أكبر من التعمق.
فهل تكمن أزمة الحوار السوداني فعلاً في وجود قضايا خلافية لم تُناقش بعد؟ أم أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك؟ هل المشكلة أن السودانيين لم يجدوا بعد طريقة لمناقشة هذه القضايا، أم أنهم لم يتفقوا أصلاً على تعريف الأزمة التي يريدون الحوار حولها، وعلى تعريف أطرافها، وعلى مصدر الشرعية التي تمنح بعض الأطراف حق الجلوس إلى الطاولة وتمثيل الآخرين؟
وهذا سؤال مختلف في جوهره.
فالقول إن هناك خمس قضايا رئيسية تعطل الحوار يفترض، ولو بصورة ضمنية، أن لدينا بالفعل أطرافاً سياسية ومجتمعية متفقاً على أنها أطراف الحوار، وأن الخلاف يقع حول القضايا التي ينبغي أن تناقشها هذه الأطراف. لكن ماذا لو كانت المشكلة الأسبق هي في تحديد من هم هؤلاء الأطراف أصلاً؟ ومن يمثل الدولة؟ ومن يمثل المجتمع؟ ومن يمثل القوى التي صنعت الحرب أو شاركت في السلطة قبلها أو بعدها؟ ومن يملك حق التحدث باسم المدنيين الذين لم يختاروا أياً من طرفي الحرب؟
هنا تصبح المسألة أكثر من مجرد خلاف على جدول أعمال.
لقد أصبح السودان أمام أزمة مركبة اختلط فيها الصراع على الدولة بالصراع داخل الدولة، واختلط فيها النزاع العسكري بالصراع السياسي، وتداخلت فيها مسؤوليات القوى التي صنعت مسار الانتقال مع أدوار القوى العسكرية والمدنية والإقليمية والدولية. ولذلك فإن محاولة ترتيب هذه الأزمة في صورة مجموعة محددة من “القضايا الخلافية” قد تكون مفيدة كبداية، لكنها قد تصبح مضللة إذا أوحت بأن المشكلة الأساسية هي فقط أن هذه القضايا لم توضع بعد على الطاولة.


فالسؤال الذي يسبق ذلك هو: ما الذي جعل الطاولة نفسها موضع نزاع؟
ربما هنا تكمن إحدى مشكلات التفكير في الحوار السوداني. فنحن كثيراً ما نبدأ من السؤال: ما القضايا التي ينبغي أن يتحاور حولها السودانيون؟ بينما قد يكون السؤال الأهم: من هم السودانيون الذين ينبغي أن يتحاوروا؟ وبأي صفة؟ وعلى أي أساس؟ وهل الحوار المطلوب حوار بين القوى السياسية، أم بين أطراف الحرب، أم بين القوى المدنية، أم حوار وطني أوسع يتجاوز النخب التي ظلت تنتقل من منصة إلى أخرى منذ سقوط نظام البشير؟
هذه ليست أسئلة إجرائية يمكن تأجيلها إلى حين بدء الحوار. إنها جزء من جوهر الأزمة نفسها.
ومن هنا يمكن النظر إلى القضايا الخمس التي حددها كمير بطريقة مختلفة. فالدعم السريع، مثلاً، ليس مجرد “قضية” ينبغي أن يناقشها الحوار. فالسؤال الأهم هو: كيف يُنظر إلى الدعم السريع داخل العملية السياسية؟ هل باعتباره طرفاً عسكرياً في حرب ينبغي التفاوض معه لإنهائها؟ أم قوة أمر واقع ينبغي إدماجها في ترتيبات ما بعد الحرب؟ أم طرفاً مسؤولاً عن انتهاكات واسعة ينبغي أن يخضع للمساءلة قبل أن يستعيد أي دور سياسي؟ أم أن هذه الأدوار يمكن أن تجتمع، بحيث يكون التفاوض معه ضرورة لإنهاء الحرب، من دون أن يتحول ذلك إلى اعتراف سياسي بشرعيته أو إعفائه من المسؤولية؟
والسؤال نفسه يمكن أن يُطرح على القوات المسلحة.
فهل نتعامل معها باعتبارها مؤسسة الدولة الوطنية التي ينبغي أن تكون جزءاً من عملية إعادة بناء الدولة، أم باعتبارها أحد طرفي الحرب فحسب؟ وهل يمكن الجمع بين الصفتين من دون أن ينتج ذلك تناقضاً في العملية السياسية؟ فإذا كانت القوات المسلحة مؤسسة الدولة، فمن الذي يحاسبها عن أفعالها أثناء الحرب؟ وإذا كانت طرفاً في الحرب، فما الذي يبرر منحها دوراً سياسياً مختلفاً عن بقية الأطراف المسلحة؟
وهنا نصل إلى قضية قيادة القوات المسلحة، وهي في تقديري ليست منفصلة تماماً عن السؤال الأوسع المتعلق بعلاقة المؤسسة العسكرية بالدولة. فاختزال المسألة في “قيادة الجيش” قد يقودنا إلى التعامل مع الأزمة وكأنها أزمة أشخاص، بينما السؤال الحقيقي يتعلق بموقع المؤسسة العسكرية نفسها في النظام السياسي السوداني.
من يحكم السودان بعد الحرب؟ هذا هو السؤال.
لكن قبل ذلك: من يملك حق تحديد قواعد الحكم؟
وهل نحن أمام عملية انتقال ديمقراطي جديدة، أم أمام إعادة ترتيب لتوازن القوى بين مكونات عسكرية ومدنية، مع إبقاء السؤال الدستوري مؤجلاً مرة أخرى؟
أما الإسلاميون، فإن وضعهم باعتبارهم إحدى القضايا الخمس يستحق هو الآخر قدراً من التفكيك. فهل المقصود بالإسلاميين تنظيم سياسي محدد؟ أم شبكة اجتماعية وسياسية واسعة؟ أم عناصر النظام السابق؟ أم الإسلام السياسي بوصفه تياراً فكرياً؟ وإذا كان المقصود هو القوى المرتبطة بالنظام السابق، فما معيار تحديدها؟ وهل تكون المسؤولية سياسية أم جنائية أم الاثنين معاً؟
والأهم: هل يمكن أن يتحول الخلاف حول الإسلاميين إلى أداة لإعادة تعريف المجال السياسي كله، بحيث يصبح السؤال عن من يحق له المشاركة أهم من السؤال عن القواعد التي تحكم المشاركة؟
هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى الحذر، لأن السودان دفع ثمناً باهظاً لسياسة الإقصاء السياسي، كما دفع ثمناً أكبر لمحاولات إعادة إنتاج السلطة القديمة بأسماء جديدة. والمطلوب ليس فتح الباب بلا شروط، ولا إغلاقه بلا معايير، وإنما وضع قواعد واضحة للمساءلة والمشاركة تقوم على المسؤولية الفردية والسياسية والقانونية، لا على التصنيف السياسي الفضفاض.
أما الفاعلون الإقليميون والدوليون، فهنا ربما نقترب أكثر من قلب المشكلة.
فالحديث عن التدخل الخارجي بوصفه “قضية” من قضايا الحوار قد لا يكون كافياً. لأن السؤال ليس فقط: ما دور هذه الدول؟ بل: كيف أصبح القرار السوداني نفسه قابلاً لأن يكون موضوعاً للتنافس الإقليمي والدولي؟
لقد أصبحت الحرب السودانية، منذ وقت مبكر، جزءاً من شبكة مصالح إقليمية ودولية تتجاوز حدود السودان. وأصبح السلاح والمال والدعم السياسي والدبلوماسي جزءاً من معادلة استمرار الحرب. ولذلك فإن أي حوار سوداني–سوداني لا يستطيع أن يتجاهل الخارج، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يجعل الخارج بديلاً عن الإرادة السودانية.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: كيف يمكن بناء عملية سياسية سودانية مستقلة بينما القوى السودانية نفسها تستند، بدرجات مختلفة، إلى دعم خارجي؟ وكيف يمكن مطالبة الخارج بعدم التدخل في الشأن السوداني بينما تتحول بعض القوى السودانية إلى أطراف في صراعات المحاور الإقليمية؟
هذه الأسئلة لا تلغي أهمية القضية التي أشار إليها كمير، لكنها تنقلها من مستوى “دور الفاعلين الخارجيين” إلى مستوى أعمق يتعلق باستقلال القرار السياسي السوداني نفسه.
والأمر ذاته ينطبق على السؤال الذي وصفه كمير بأنه “الخلاف الحاكم”: كيف نفهم حرب أبريل؟
لا شك أن تعريف الحرب يمثل مفتاحاً لفهم كثير من الخلافات اللاحقة. لكن هنا أيضاً ينبغي الحذر من تحويل البحث عن تعريف للحرب إلى معركة حول الرواية التي يجب أن تنتصر.
فهل حرب أبريل حرب بين الجيش والدعم السريع فقط؟ أم أنها انفجار متأخر لأزمة دولة عمرها عقود؟ وهل بدأت الحرب فعلاً في أبريل 2023، أم أن أبريل كان اللحظة التي انفجرت فيها صراعات أقدم تتعلق بتكوين الدولة، وبناء القوات المسلحة، وتعدد الجيوش، والعلاقة بين المركز والأطراف، وطبيعة السلطة، ودور الإسلاميين، وفشل الانتقال الديمقراطي؟
إذا كانت الحرب مجرد نزاع بين قوتين عسكريتين، فإن الحل المنطقي هو تسوية العلاقة بينهما. أما إذا كانت الحرب تعبيراً عن أزمة دولة أوسع، فإن إنهاء القتال بين الجيش والدعم السريع لا يعني بالضرورة إنهاء الأزمة.
وهنا تحديداً أرى أن النقاش يحتاج إلى خطوة أبعد من مجرد تعداد الخلافات.
فالقضايا التي طرحها كمير قد تكون بالفعل قضايا خلاف حقيقية، لكنها ربما لا تكون جذور الأزمة بقدر ما هي مظاهر لها. الدعم السريع والجيش والإسلاميون والقيادة العسكرية والتدخلات الخارجية ليست بالضرورة خمس مشكلات منفصلة؛ بل قد تكون حلقات في مشكلة واحدة أكبر: أزمة الدولة السودانية وأزمة الشرعية وأزمة الانتقال من نظام سياسي يقوم على القوة إلى نظام يستمد شرعيته من مؤسسات مدنية ودستورية مستقرة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق أي حديث عن الحوار ليس فقط: كيف نجمع الفرقاء؟ وإنما: حول ماذا نريد أن يتفقوا؟
هل الهدف مجرد وقف الحرب؟
أم الوصول إلى تسوية بين المتحاربين؟
أم إعادة بناء الدولة؟
أم تأسيس نظام سياسي جديد؟
أم الانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي؟
لأن هذه الأهداف ليست مترادفة، وقد يؤدي الخلط بينها إلى إنتاج حوار يبدو ناجحاً في بدايته، لكنه يعيد إنتاج أسباب الأزمة بعد انتهائه.
وهنا أختلف، جزئياً، مع المنهج الذي يمكن أن يُفهم من ورقة كمير، ليس لأنه يخطئ في تحديد القضايا، وإنما لأن ترتيب المشكلة بهذه الطريقة قد يجعل الحوار يبدو كأنه أداة لإدارة الخلافات القائمة، بينما المطلوب ربما هو أن يكون الحوار وسيلة لإعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية نفسها.
فالسؤال ليس فقط كيف نجعل المتخاصمين يجلسون إلى طاولة واحدة، بل ماذا سيحدث إذا جلسوا؟ وما الذي سيجعل الاتفاق الذي يصلون إليه مختلفاً عن الاتفاقات السابقة التي انتهت إلى إعادة إنتاج الصراع؟
لقد جُرّبت في السودان صيغ كثيرة للحوار والاتفاقات والتسويات. وكانت المشكلة في كثير من الأحيان ليست في القدرة على الوصول إلى اتفاق، وإنما في أن الاتفاق نفسه لم يعالج البنية التي أنتجت الأزمة. ولهذا فإن الخوف الحقيقي ليس من فشل الحوار فقط، بل من نجاح حوار يعيد إنتاج الفشل بطريقة أكثر أناقة.
وهنا أعتقد أن السؤال حول الحوار السوداني–السوداني يحتاج إلى إعادة صياغة.
ربما لا نحتاج فقط إلى حوار بين السودانيين، وإنما إلى حوار حول السودان نفسه: أي دولة نريد؟ وما طبيعة السلطة فيها؟ وما موقع الجيش؟ وما حدود السياسة بالنسبة للمؤسسة العسكرية؟ وكيف تُدار علاقة المركز بالأقاليم؟ وما معنى المواطنة؟ وما قواعد المشاركة السياسية؟ وكيف تُدار العدالة الانتقالية؟ وكيف تُفكك اقتصاديات الحرب؟ وكيف تمنع إعادة إنتاج الجيوش والمليشيات؟ ومن يملك السلاح؟ ومن يملك القرار السياسي؟
هذه ليست قضايا لاحقة يمكن تركها إلى ما بعد إيقاف الحرب. لأنها في جانب كبير منها أسباب للحرب نفسها.
ومن هنا تبدو أهمية ورقة الواثق كمير: فهي تفتح الباب، حتى وإن اختلفنا مع بعض ترتيبها أو استنتاجاتها، أمام سؤال أكثر أهمية من مجرد الدعوة إلى الحوار. لكنها في الوقت ذاته تذكرنا بخطر آخر: أن يتحول تشخيص أزمة الحوار إلى جزء من أزمة الحوار نفسها إذا اكتفينا بتسمية القضايا التي نختلف حولها، من دون أن نسأل لماذا أصبحت هذه القضايا مستعصية أصلاً.
فربما ليست المشكلة أن السودانيين لا يعرفون ما الذي يختلفون حوله.
هم يعرفون ذلك جيداً.
المشكلة أنهم لم يتفقوا بعد على القاعدة التي يمكن من خلالها إدارة هذا الاختلاف.
وهذا هو الفارق بين حوار يبحث عن تسوية مؤقتة، وحوار يؤسس لدولة تستطيع أن تعيش مع اختلافاتها من دون أن تتحول كل مرة إلى حرب.
لذلك فإن ورقة كمير، في تقديري، ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها قائمة نهائية للقضايا التي ينبغي أن يتضمنها الحوار، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة فتح السؤال الأكبر: هل نريد حواراً ينهي الحرب، أم حواراً يعالج الشروط التي جعلت الحرب ممكنة؟
فإذا كان الهدف هو الأول، فقد تكفي تسوية بين القوى المسلحة.
أما إذا كان الهدف هو الثاني، فإن المسألة تصبح أكبر بكثير من الجيش والدعم السريع والإسلاميين والفاعلين الخارجيين. تصبح مسألة دولة.
وعندها فقط يمكن أن نفهم لماذا ظل السودان، منذ الاستقلال، ينتقل من اتفاق إلى آخر، ومن انتقال إلى انتقال، ومن حرب إلى حرب، من دون أن ينجح في بناء القاعدة السياسية التي تجعل الاختلاف السياسي أمراً طبيعياً لا مقدمة لحرب جديدة.
السؤال الذي ينبغي أن نبدأ منه إذن ليس: ما القضايا التي يجب أن نضعها على طاولة الحوار؟
بل: ما الذي جعل السودان عاجزاً عن إدارة هذه القضايا سلمياً طوال هذه العقود؟
ربما يكون هذا السؤال، أكثر من أي قائمة للقضايا، هو المدخل الحقيقي إلى حوار سوداني–سوداني يمكن أن يعني شيئاً مختلفاً هذه المرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى