المالحة بشمال دارفور.. أكثر من 200 ألف شخص يواجهون الموت جوعًا في عزلة عن العالم

محمد عبد الباقي
تعيش محلية المالحة بولاية شمال دارفور كارثة إنسانية وصحية شديدة القسوة، وصفت بأنها مأساة مخفية عن أنظار العالم، حيث يواجه أكثر من 200 ألف مواطن ونازح أوضاعًا إنسانية متدهورة، في ظل تفشي الجوع وانتشار الأمراض، جراء العزلة المفروضة على المنطقة التي تشهد حصارًا مشددًا منذ سيطرة الدعم السريع عليها في 23 مارس 2025.
ويعاني آلاف النازحين والمواطنين في المالحة، الواقعة في مناطق جبال الميدوب التي تبعد حوالي 220 كيلومترًا عن مدينة الفاشر ونحو 355 كيلومترًا عن مدينة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية، مشقة بالغة في الحصول على المواد الغذائية التي تكاد تكون معدومة في أسواق المحلية التابعة إداريًا لولاية شمال دارفور.
وأكدت مصادر محلية على أن الأوضاع المعيشية في المنطقة “منهارة” تمامًا في المالحة التي تتكون من سبع وحدات إدارية هي: المالحة، الحلف، ماريقا، أم بياضة، الحارة، العطرون، أبو قران، وعين بسارو، وتحدها من الشمال دولة ليبيا، ومن الشرق ولاية شمال كردفان، ومن الشمال الشرقي الولاية الشمالية، ومن الغرب محليتا كتم ووادي هور، ومن الجنوب محلية مليط، ومن الجنوب الشرقي محليتا الكومة.
وتقول المصادر الميدانية إن المخاوف الأمنية والتهديدات التي تلاحق التجار والمواطنين الذين يحاولون الدخول إلى المنطقة أدت إلى قطع سلاسل إمداد السلع ومنعت وصول المواد الأساسية إلى المحلية ذات المساحة الشاسعة.
ورغم سيطرة الدعم السريع عمليًا على المنطقة، لكن العصابات الإجرامية والمجموعات المسلحة المنفلتة يتحكمون في مداخل المحلية وطرقها، ويرتكبون أبشع الانتهاكات بحق الأشخاص الذين يحاولون الدخول إلى المنطقة أو مغادرتها، الأمر الذي أدى إلى توقف تدفق السلع والمواد الاستهلاكية والأدوية والوقود.
وبعد مرور أكثر من عام على انسحاب الجيش منها، انعدمت معظم سبل الحياة في المنطقة التي تضم مئات القرى التابعة لولاية شمال دارفور، فضلًا عن اختفاء وسائل النقل العامة والمركبات بمختلف أنواعها، وأصبح السكان يعتمدون كليًا على الدواب في حركتهم.
حياة بلا خدمات
يقول إبراهيم آدم، إحدى القرى المجاورة للمالحة، إن المنطقة تعيش أوضاعًا متردية للغاية بسبب توقف المرافق والمؤسسات الحكومية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات وأقسام الشرطة ومكاتب الكهرباء ومحطات إنتاج المياه.
ويضيف إبراهيم بأن السكان أصبحوا يتدبرون أمور حياتهم بأبسط الوسائل البدائية، إذ يعتمدون على الحمير والجمال في التنقل، بينما يحصلون على مياه الشرب من الآبار التي تسحب منها المياه باستخدام الدلاء.
ويتابع إبراهيم: “لا توجد سلطة ولا دولة. المنطقة تقع خارج سيطرة الحكومتين المتوازيتين في السودان، إذ لا توجد خدمات أساسية، وكذلك لا توجد بنوك وتنعدم السيولة النقدية تمامًا. هنا الناس يعيشون على السليقة وكأنهم في القرون الماضية”.
ووفقًا لإبراهيم، فإن انعدام السيولة النقدية وشح السلع الاستهلاكية والمواد الأساسية تسببا في أزمة معيشية خانقة لسكان المنطقة التي يشكل النازحون نسبة كبيرة منهم.
ويشير إبراهيم إلى أنه في ظل عدم وجود السيولة النقدية، لا يمكن الحديث عن أسعار السلع الاستهلاكية، فما دام لا توجد نقود ولا مواد غذائية، فإن تحديد الأسعار لا طائل من ورائه”.
ويعود إبراهيم إلى الأيام التي سبقت وصول الحرب إلى المالحة ويقول: “السكان كانوا قادرين على تدبير شؤونهم لولا حالة الهشاشة الأمنية البالغة التي أدت إلى انتشار العصابات المسلحة والمجرمين الذين أصبحوا يقطعون الطرق أمام المواطنين الذين يحاولون إيصال المواد الغذائية إلى داخل حدود محلية المالحة”.
وتتطابق المعاناة بين مدينة المالحة وريفها، حيث أصبحت الحياة في القرى النائية والمدينة متشابهة إلى حد كبير، ورغم أن المالحة كانت قبل الحرب مركزًا تجاريًا مهمًا، إذ توجد بها محطة جمارك مهمة ترد إليها السلع والبضائع المختلفة من ليبيا وتشاد ومصر، إلا أن المدينة اليوم تكاد تخلو من حركة السيارات.
ولا يتوقف الأمر عند غياب وسائل النقل وحدها، إذ لا يتوفر الوقود اللازم للاستخدامات اليومية أو لتشغيل آبار المياه والمرافق الصحية.
وانكمشت الحياة اليومية داخل المحلية، فيما أصبح السكان أكثر انعزالًا عن بعضهم البعض بسبب المخاوف من العصابات الإجرامية التي تتحرك بحرية في المنطقة وسط اتهامات بوجود تسهيلات تقدمها ارتكازات تابعة للدعم السريع للمجرمين الذين يعتدون على المواطنين وينهبون ممتلكاتهم.
الجوع يفتك بالنازحين
ومع انعدام المواد والسلع الغذائية في أسواق محلية المالحة وتراجع حركة البضائع، تفشت المجاعة بين السكان، ومعظمهم من النازحين الذين يقيمون في مراكز إيواء مؤقتة داخل المالحة ووحداتها الإدارية.
ويصف آدم رجال، وهو المتحدث باسم منسقية اللاجئين والنازحين، الواقع الإنساني في المنطقة بأنه مؤلم إلى حد لا يُحتمل.
وقال آدم لـ”أفق جديد”: “هنالك حالة سوء تغذية لنحو 6,200 طفل يعانون من سوء التغذية، بينهم حوالي 1,500 طفل في حالة سوء تغذية حاد وخيم يهدد حياتهم مباشرة. أما الأمهات والحوامل فيعانين من سوء التغذية، حيث توجد نحو 1,350 امرأة حامل ومرضعة يعانين من سوء التغذية ويواجهن خطر الموت بسبب ضعف التغذية وانعدام الرعاية الصحية”.
ويضيف رجال بأن الوضع الصحي لا يقل خطورة عن أزمة الغذاء، مشيرًا إلى انتشار أمراض السل والأنيميا والإسهالات، في وقت تعاني فيه المنطقة من نقص حاد في الأدوية.
ويشير المتحدث باسم منسقية النازحين واللاجئين إلى أن الأدوية المتوفرة محدودة جدًا وتباع في السوق السوداء بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية.
ويخبر رجال أن العزلة التي تعيشها المنطقة انعكست بصورة مأساوية على الوضع الإنساني، وقال: “لا توجد منظمات إنسانية في المنطقة”، بينما يتوزع النازحون في مراكز متفرقة تفتقر إلى الغذاء والماء والدواء والمأوى الآمن”.

أما مياه الشرب، وفقًا له، فقد أصبحت شبه معدومة إلى درجة لجأ الأهالي إلى الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة، الأمر الذي زاد من تفشي الأمراض وضاعف المعاناة اليومية.
عملية قتل متعمد
من جهته، يصف سليمان علي، وهو ناشط مجتمعي في المالحة، ما يجري على الأرض بأنه “عملية قتل متعمد” لأكثر من 200 ألف مواطن، معظمهم من النازحين الذين فروا من منازلهم ومناطقهم بسبب الحرب.
ويقول سليمان، الذي ينشط في إحدى المبادرات المحلية الهادفة إلى توفير الغذاء للنازحين في ريف المالحة لـ”أفق جديد”: “الناس هنا يعيشون بدون موارد حقيقية ومواد غذائية. يمسون ويصبحون على أمل أن تتوفر لهم المواد الغذائية في الأسواق والمحلات التجارية التي أغلقت أبوابها بسبب انقطاع سلاسل توريد السلع”.
ويضيف: “اليوم أصبح حتى المواطنون الذين يملكون النقود لا يجدون سلعة يشترونها في أسواق محلية المالحة”.
ويرى سليمان أن خطورة الوضع في المنطقة تكمن في غياب السلطة المسؤولة، أو المنظمات والجهات التي يمكن أن توفر الغذاء لآلاف السكان العالقين داخل المحلية، الذين لا يستطيعون الخروج منها بسبب المخاطر الأمنية التي تحيط بطرق النزوح إلى المناطق المجاورة.
أسعار باهظة وموارد شحيحة
وتعرض الكميات القليلة المتوفرة من السلع والمواد الاستهلاكية في أسواق الوحدات الإدارية التابعة لمحلية المالحة بأسعار باهظة تفوق القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة الشح الكبير.
ويقول الصادق محمد، وهو نازح في المالحة، إن سعر جوال الدخن، وهو الغذاء الرئيسي لسكان المنطقة، بلغ نحو 600 ألف جنيه، فيما وصل سعر جوال السكر إلى 500 ألف جنيه، وجوال الدقيق زنة 25 كيلوغرامًا نحو 300 ألف جنيه.
ويزداد الوضع مأساوية في المالحة والمناطق المجاورة لها مع فشل موسم الخريف وعدم هطول الأمطار، مما يعني خسارة السكان الذين يعتمدون على الزراعة في توفير المحاصيل التي تشكل مصدرًا وحيدًا لغذائهم.
ويقول عدد من المزارعين إن الخسارة هذا العام فادحة، بعد هطول أمطار شحيحة لم تساعد المحاصيل على الوصول إلى مرحلة النضج، قبل أن تجف بعد نحو شهرين فقط من زراعتها.
وأكد ثلاثة مزارعين تحدثوا لـ”أفق جديد” خطورة الأوضاع المعيشية وحذروا من أن السكان مقبلون على مجاعة حقيقية إذا لم تتدخل المنظمات الدولية، خاصة أن المنطقة أصبحت شبه منسية من طرفي الحرب. الجيش الذي غادرها، والدعم السريع الذي يسيطر عليها اسميًا فقط.
وبين الجوع والمرض وانعدام الخدمات والوقود والمياه، وانقطاع طرق الإمداد، تبدو المالحة اليوم منطقة معزولة عن العالم، بينما يواجه عشرات الآلاف من سكانها والنازحين فيها أزمة إنسانية تتفاقم يومًا بعد آخر في ظل غياب المساعدات الإنسانية واستمرار المخاطر الأمنية التي تحول دون وصول الغذاء والدواء إلى المحتاجين.





