إعادة إنتاج السلطوية في السودان ..تشريح أدوات الهيمنة.. من التفكيك إلى صناعة الحواضن

الهادي الشواف
ليست المشكلة الكبرى في الأنظمة السلطوية أنها تحكم لفترات طويلة لوحدها وإنما في أنها تنجح في تحويل بقائها إلى بنية متكاملة تتغلغل في مؤسسات الدولة والمجتمع معاً، وعندما تسقط هذه الأنظمة لا تسقط معها بالضرورة أدواتها أو شبكاتها أو ثقافتها السياسية ولكن من المؤسف أنها تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً هي مرحلة إعادة إنتاج السلطوية في صور جديدة وبأسماء مختلفة وبوجوه قد تبدو متعارضة مع الماضي لكنها في الواقع تسجد ذات المفاهيم السلطوية ربما في ثوب يبدو جديدًا ولكنه سرعان ما يبان على حقيقته ويعبر عن نفسه بشكل فاضح ومكشوف.
والسودان يمثل نموذجًا واضحًا لهذه الظاهرة في أقصى تجلياتها فقد أفرزت العقود الثلاثة الماضية من حكم النظام الساقط شبكة واسعة من المصالح والعلاقات والولاءات، جعلت السلطة لا تقوم فقط على أجهزة الدولة وإنما على تحالف اجتماعي وسياسي واقتصادي وأمني شديد التعقيد، ولهذا فإن سقوط رأس النظام لم يكن يعني بالضرورة انهيار بنيته العميقة لأن ما يسمى في علم السياسة بـ”الدولة العميقة” لا يرتبط بالأشخاص فقط وإنما بشبكات النفوذ وآليات التأثير والثقافة السياسية التي أنتجها النظام عبر سنوات طويلة من المكين والسيطرة على كل مفاصل الدولة العسكرية والمدنية والاقتصادية.
فلسفة البقاء في السلطة:
لم يكن بقاء النظام السابق أكثر من ثلاثين عاماً نتيجة قوة برنامجه السياسي أو الاقتصادي ولا لما قدمه من خدمات اجتماعية وتنموية أو لمساهمته في تطوير البلاد وإنما نتيجة امتلاكه واستخدامه استراتيجية دقيقة لإدارة الصراعات وتفكيل وإضعاف الخصوم والمؤامرات والدسائس التي تعكس أسوأ ما أنتجه العقل السياسي من ممارسات لا أخلاقية ولا قانونية ويمكن تلخيص هذه الاستراتيجية في قاعدة واحدة “لا تسمح بقيام قوة اجتماعية أو سياسية موحدة يمكن أن تنافس السلطة”.
ولذلك أصبحت إدارة الانقسام أهم من إدارة الدولة وأصبح إنتاج الخصومات أهم من إنتاج التنمية وتحولت السياسة إلى عملية مستمرة من إنتاج القبح والشر وتوزيع الولاءات وإعادة تشكيل موازين القوى داخل المجتمع، ولهذا كان النظام يتحرك في اتجاهين متوازيين يعكسان ذروة توجهه وأقصى صور مؤامراته وهي تفكيك وإضعاف الخصوم ومنع تحالفهم وتماسكهم وهذه هي القاعدة الذهبية التي حافظت على بقائه لعقود وما زال.
تفكيك البنية الصلبة للقوى الديمقراطية:
تعلمت الأنظمة السلطوية أن أخطر خصومها ليس الحزب الأكبر وإنما التحالف الواسع الذي يعبر عن أوسع الجماهير والذي يمكن أن يتحول إلى كتلة حرجة صلبة، ولهذا دائمًا يصبح الهدف والتفكير ليس في القضاء على القوى السياسية وإنما تحويلها إلى مجموعات صغيرة متنازعة، وقد ظهرت هذه السياسة في السودان عبر وسائل متعددة منها.. تشجيع ودعم الانشقاقات وصناعة واجهات ومظلات بديلة تحمل ذات الأسماء كأنما انعدمت المسميات بالإضافة إلى خلق قيادات بديلة وخلق أجسام موازية وشراء الزمزم وتغذية الصراعات الشخصية وتحويل الخلافات التنظيمية إلى صراعات وجودية.
وعندما تصل القوى الديمقراطية إلى مرحلة الشك المتبادل وتبادل الاتهامات والانشغال بصرعاتها الداخلية والبينية تكون السلطة في المقابل قد حققت أهم أهدافها دون أن تطلق رصاصة واحدة أو تبذل مجهودًا خارقًا.
المجتمع باعتباره ساحة للهيمنة:
من أخطر ما أنتجه النظام السابق أنه لم يكتف بالسيطرة على الدولة ونفاصلها ولكنه سعى وبشكل حسيس إلى السيطرة على المجتمع نفسه عبر استغلاله لضعف بنية وعي المجتمع في بعض مفاصله، فأعاد تشكيل علاقة السلطة بالإدارات الأهلية والطرق الصوفية من خلال تقسيم وصناعة قيادات جديدة ووسع نفوذ وسلطات اللجان الشعبية واستثمر في الروابط القبلية والجهوية حتى أصبحت كثير من العلاقات الاجتماعية مرتبطة بمراكز النفوذ السياسي، وهنا ينبغي التمييز بين أمرين.. الإدارات الأهلية والطرق الصوفية والمؤسسات المجتمعية مكونات أصيلة في التاريخ السوداني ولها أدوار مهمة في الإصلاح الاجتماعي وحل النزاعات المحلية، لكن الخطر يظهر عندما تتحول هذه المؤسسات إلى أدوات للصراع السياسي أو إلى بدائل لمؤسسات الدولة أو عندما تستخدم لتوزيع الشرعية السياسية خارج الأطر الدستورية.
فالدولة الحديثة تقوم على المواطنة المتساوية دون تمييز والعدالة وسيادة حكم القانون بينما تقوم البنى التقليدية على الروابط الاجتماعية ولكل منهما مجاله وخلط المجالين يفتح الباب أمام تسييس المجتمع وإضعاف الدولة معًا.
صناعة الحواضن السياسية:
من أهم خصائص السلطوية أنها لا تعتمد على القوة وحدها ولكنها تحرص كل الحرص على صناعة حواضن اجتماعية مزيفة تمنحها مظهرًا من القبول الاجتماعي، ولهذا تسعى الأنظمة إلى توسيع دوائر التأييد عبر مؤسسات أو كيانات أو تحالفات اجتماعية ومدنية مختلفة من خلال توظيف الضعف وإعادة تشكل وهندسة الواقع على أسس تخدم توجهات وسياسات الأنظمة السلطوية.
وفي أي مرحلة انتقالية يصبح من الطبيعي أن تتنافس القوى السياسية على كسب التأييد داخل المجتمع غير أن التحدي يكمن في ضمان أن يتم ذلك عبر الوسائل الديمقراطية والشفافة لا عبر استغلال مؤسسات المجتمع أو إضعاف استقلالها أو تحويلها إلى أدوات للنفوذ السياسي.
إدارة الفوضى بوصفها أداة للحكم:
من المفارقات أن بعض الأنظمة السلطوية لا تخشى الفوضى بل أحيانًا تخلق الفوضى لتوظفها وتستفيد منها في إعادة ترتيب المشهد، فكلما ضعفت مؤسسات الدولة وازدادت الانقسامات أصبح المجتمع أكثر احتياجًا إلى سلطة قوية تعيد النظام، ولهذا يرى عدد من الباحثين أن بعض الأنظمة تميل إلى إدارة الأزمات بدلًا من حلها لأن استمرار الأزمة قد يمنحها مبررات إضافية للبقاء.
ولا يعني ذلك أن كل أزمة أو صراع هو نتيجة تخطيط مقصود ولكن التجربة التاريخية توضح أن بعض الفاعلين السياسيين قد يستثمرون الأزمات والانقسامات لتعزيز مواقعهم.
كيف تُواجه إعادة إنتاج السلطوية؟:
التجارب الديمقراطية الناجحة لا تنتصر بالشعارات وحدها وإنما ببناء مؤسسات قوية وفاعلة.. لذلك فإن حماية المستقبل السوداني تتطلب.. بناء أحزاب ديمقراطية قوية ومؤسسية وقادرة على تجديد قياداتها وبرامجها وتعزيز استقلال النقابات ومنظمات المجتمع المدني وحماية الإدارات الأهلية والمؤسسات الدينية وتحصينها من الاستقطاب الحزبي.
بالإضافة إلى ذلك ترسيخ مبدأ العدالة والمواطنة دون تمييز وسيادة حكم القانون وضمان احتكار الدولة الشرعية لاستخدام القوة عبر قوات نظامية موحدة ومهنية ووفق القانون والاهتمام بتطوير التربية والتعليم وكذلك تطوير إعلام مهني قادر على كشف التضليل دون الانجرار إلى خطاب الكراهية وأضف إلى ذلك تشجيع ثقافة الحوار وإدارة الاختلاف سلميًا.
وفي الختام نقول إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم بعد الثورات ليس عودة الأشخاص فحسب بل عودة الأساليب وإعادة إنتاج ذات الأفكار، فالسلطوية لا تعيش بالأسماء وحدها وإنما بمنهجها في إدارة المجتمع القائم على الانقسام والتفكيك وإضعاف المؤسسات والخصوم وتغليب الولاءات على المواطنة.
ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع أي سلطة أو تيار سياسي بعينه ولكن يجب أيضًا الانتباه والتركيز مع الثقافة السياسية التي تسمح بإعادة إنتاج الاستبداد مرة بعد أخرى، ولن يتحقق الانتقال الديمقراطي المستدام إلا عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص والقانون أعلى من الولاءات والمواطنة أسبق من كل الانتماءات الأخرى، وهذا هو التحدي التاريخي الذي يواجه السودانيين اليوم وهو ليس فقط كيف نطوي صفحة الماضي ولكن كيف نستفيد منها في أن نمنع كتابة الصفحة نفسها من جديد بعناوين مختلفة.





