أسعار تشتعل وأسواق راكدة.. الغلاء يطارد السودانيين في معيشتهم

أفق جديد

في وقتٍ تتراجع فيه حركة الأسواق وتتقلص قدرة الأسر على شراء أبسط احتياجاتها، يواصل الغلاء التهام ما تبقى من دخول السودانيين، بينما يواصل الجنيه فقدان قيمته أمام الدولار الذي تجاوز حاجز 7 آلاف جنيه في السوق السوداء. وبين ركودٍ يخنق التجار وارتفاعٍ يثقل كاهل المستهلكين، يجد المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب نفسه أمام معادلة قاسية: أسعار تتصاعد، ودخول تتآكل، واحتياجات يومية بات تأمينها معركة جديدة تضاف إلى سنوات الحرب.

وخلال جولة لـ”أفق جديد” في عدد من الأسواق، بدت حركة البيع والشراء شاحبة؛ محال مفتوحة وتجار ينتظرون، فيما يمر المواطنون بين الرفوف دون أن تمتد أيديهم كثيرًا إلى السلع. يتوقف بعضهم أمام الأسعار، يسأل ثم يغادر، بينما يكتفي آخرون بشراء كميات محدودة من الضروريات.

وفي مشهد يعكس ضيق الحال، لم يعد السوق مكانًا لشراء الاحتياجات بقدر ما أصبح مساحة لحساب ما يمكن الاستغناء عنه، في ظل أسعار ترتفع ودخول تتآكل وقدرة شرائية تزداد ضعفًا يومًا بعد آخر.

ويواصل الاقتصاد السوداني انكماشه تحت وطأة الحرب، مع تراجع الإنتاج وتدهور قيمة العملة وتعطّل قطاعات حيوية، بينها الصناعة والزراعة والتجارة والنقل. ولم تقتصر تداعيات الحرب على المؤشرات الاقتصادية، بل امتدت إلى حياة السودانيين، مع اتساع رقعة الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي وتآكل مصادر الدخل.

وفي ظل هذا الانكماش، برز الذهب كأحد أبرز مكونات اقتصاد الحرب، بينما تتراكم الخسائر الاقتصادية والإنسانية عامًا بعد آخر، في أزمة يُخشى أن تمتد آثارها إلى ما بعد توقف القتال، وأن يدفع السودان كلفتها لأعوام وربما لعقود.

يقول المواطن عبد الله عباس لـ”أفق جديد”: “الأسعار بتتغير بصورة شبه يومية، والمرتب أو الدخل ما عاد بكفي حتى الأساسيات. أحيانًا بنمشي السوق ونرجع من غير ما نشتري لأن المبلغ الموجود معنا ما بجيب حاجة الأسرة”.

من جهتها تقول المواطنة سلوى عباس لـ”أفق جديد”: “قبل الحرب كنا بنشتري احتياجات البيت بالجملة أو للأسبوع، الآن بنشتري الحاجة بالقطعة. حتى المواد الغذائية البسيطة بقت غالية، وكل يوم بنلقى السعر مختلف عن اليوم القبله”.

أما التاجر خالد التهامي فيقول لـ”أفق جديد”: “السوق فيه ركود واضح، الزبون موجود لكن قدرته على الشراء ضعيفة. نحن كتجار بنشتري البضاعة بسعر مرتفع بسبب الدولار، ولما نرفع السعر عشان نغطي التكلفة المواطن ما بقدر يشتري”.

بدوره يقول تاجر الجملة أنس عيسى: “المشكلة ما في ارتفاع الدولار وحده، المشكلة إنك ما عارف بكرة البضاعة حتكون بسعر كم. ممكن تبيع اليوم وتلقى نفسك بكرة محتاج رأس مال أكبر عشان تشتري نفس الكمية”.

أما المواطن عبد الرحمن الطيب فيقول لـ”أفق جديد”: “الدولار لما يتجاوز 7 آلاف جنيه، المواطن العادي شنو علاقته بالدولار؟ لكن أثره بصل ليه في كل حاجة: الأكل، الدواء، المواصلات وحتى الملابس. المرتب ثابت والأسعار ما ثابتة”.

في الأثناء تقول ربة أسرة: “أصبحنا نختار بين الاحتياجات، لو اشترينا الأكل بنأجل الدواء، ولو ظهرت مصاريف طارئة ما بنعرف نتصرف كيف. الحرب أخذت مننا الكثير، والغلاء الآن بيكمل الباقي”.

بدوره يقول عاطف حيدر وهو صاحب متجر لـ”أفق جديد”: “الحركة في السوق ضعيفة، والناس بتسأل عن السعر وبعدها تمشي. في السابق الزبون كان يشتري عدة أصناف، الآن يشتري صنفًا واحدًا أو أقل كمية ممكنة”.

أما معتز مأمون وهو مواطن نازح فيقول: “نحن أصلًا فقدنا مصادر دخلنا بسبب الحرب، والآن حتى المساعدات أو المبالغ البسيطة ما عادت تكفي. كل زيادة في الأسعار معناها أن الأسرة تحذف حاجة جديدة من احتياجاتها”.

ورغم البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء في يوليو الماضي، والتي أظهرت تراجع معدل التضخم السنوي إلى نحو 41.61%، مقارنة بـ51.28%، فإن هذا الانخفاض لم ينعكس على أسعار السلع والخدمات في الأسواق. ووفقًا لبيانات الجهاز نفسه، ارتفع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك إلى 718.930 نقطة في يوليو/تموز، مقابل 708.510 نقطة في يونيو، مسجلًا زيادة شهرية بلغت 1.47%.

ويحتسب الجهاز المركزي للإحصاء معدل التضخم استنادًا إلى سلة تضم 663 سلعة، تعكس أنماط استهلاك مختلف الفئات الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية في المناطق الحضرية والريفية، موزعة على 12 مجموعة رئيسية، تتصدرها الأغذية والمشروبات. وتستحوذ هذه المجموعة على النسبة الأكبر من إنفاق السودانيين، بنحو 52.89%، فيما يذهب 14.17% إلى السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود، و8.34% إلى النقل، بحسب البيانات الرسمية.

ويأتي تراجع معدل التضخم السنوي في وقت لا تزال فيه الأسر السودانية تواجه ارتفاعًا ملموسًا في تكاليف المعيشة، في ظل فقدان أعداد كبيرة من السكان مصادر دخلهم وسبل كسب عيشهم بسبب الحرب المستمرة، إلى جانب تراجع فرص العمل واتساع الأضرار التي طالت البنية التحتية والأنشطة التجارية والزراعية.

وبينما تعكس المؤشرات الرسمية تراجعًا في وتيرة التضخم السنوي، يبقى الواقع المعيشي أكثر قسوة بالنسبة للأسر، التي تواجه أسعارًا مرتفعة ودخولًا محدودة، ما يجعل تلبية الاحتياجات الأساسية عبئًا يوميًا متزايدًا.

في سوقٍ أنهكه الركود، لم يعد الغلاء مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تحول إلى عبء يومي يضغط على حياة ملايين السودانيين. ومع تراجع قيمة الجنيه وقفزات الدولار، تتقلص القدرة الشرائية أكثر فأكثر، ويجد المواطن نفسه مضطرًا إلى تقليص احتياجاته أو الاستغناء عن بعضها. وبين اقتصادٍ يترنح وحربٍ لم تضع أوزارها، تبقى فاتورة الأزمة الأثقل على عاتق المواطن الذي يدفع ثمنها من قوته اليومي ومستقبل أسرته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى