بين الحرب والكوليرا.. سكان غرب كردفان يواجهون الموت بلا دواء

أفق جديد

في قرى وبلدات ولاية غرب كردفان، لا يجد المصابون بالكوليرا وقتًا كافيًا لانتظار العلاج، ولا يجد كثيرون أصلًا مركزًا صحيًا مفتوحًا أو دواءً ينقذ حياتهم. مياه الأمطار الراكدة تنتشر حولهم، والذباب والبعوض يتكاثران، بينما تتراجع الخدمات الصحية إلى حد يجعل مواجهة وباء سريع الانتشار مهمة شاقة للسكان المحاصرين بالحرب.

في مناطق أم جاك وحمير وأم رقيل وشق الكداد، التابعة لمحلية الأضية بولاية غرب كردفان، تتسع رقعة تفشي الكوليرا، وسط أوضاع إنسانية وصحية بالغة الصعوبة.

وقال “مرصد كردفان”، استنادًا إلى متابعات ميدانية، إن تفشي الوباء أسفر عن وفاة 10 أشخاص وإصابة نحو 40 آخرين على الأقل خلال الأسبوع الماضي، محذرًا من استمرار ارتفاع حصيلة الضحايا.

ولا تتوقف المخاوف عند أعداد الإصابات والوفيات، إذ يواجه سكان تلك المناطق نقصًا حادًا في الرعاية الصحية والأدوية المنقذة للحياة، بما في ذلك المحاليل الوريدية التي تُعد عنصرًا أساسيًا في إنقاذ مرضى الإسهالات المائية الحادة.

ويقول المرصد إن موسم الأمطار فاقم الأوضاع البيئية، مع انتشار المياه الراكدة والنواقل الحشرية، في وقت تكاد فيه التدخلات الإنسانية تغيب عن المنطقة التي أصبحت شبه مغلقة بفعل الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وأمام هذا الوضع، أطلق “مرصد كردفان” نداءً إنسانيًا عاجلًا إلى المنظمات المحلية والإقليمية والدولية، مطالبًا بالتدخل لمواجهة تفشي الكوليرا وتوفير الرعاية الصحية والأدوية والإمدادات الضرورية للسكان.

وقال شهود عيان لـ”أفق جديد”: “المرض انتشر بسرعة، وفي كل يوم نسمع عن إصابات جديدة ووفيات. الناس هنا خائفون، خاصة مع عدم وجود مركز صحي قادر على استقبال كل الحالات”.

وحسب الشهود، فإن “أغلب الناس لا يستطيعون الوصول إلى العلاج، ومن تظهر عليه أعراض الإسهال والقيء نحاول إسعافه بما يتوفر لدينا، لكن الإمكانيات محدودة جدًا”.

كما أفاد خضر مصطفى، وهو عامل في الحقل الإنساني، “أفق جديد”، بأن “أخطر شيء هو نقص المحاليل والأدوية. المريض المصاب بالجفاف يحتاج إلى تدخل سريع، لكن أحيانًا لا نجد حتى المحلول الذي يمكن أن ينقذ حياته”.

وأكد “أن مياه الأمطار الراكدة موجودة في كل مكان، والذباب والبعوض منتشران بصورة كبيرة. والخشية أن تزداد الإصابات إذا لم تتدخل الجهات الصحية”.

 

وأشار إلى أن “الحرب جعلت الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية صعبًا. حتى إذا وجدنا علاجًا في منطقة أخرى، الوصول إليه ليس سهلًا بسبب الوضع الأمني والطرق”.

وأضاف: “هناك أسر فقدت أكثر من شخص بسبب المرض، والناس لا يعرفون إلى أين يذهبون. نحتاج إلى مركز صحي وأدوية ومياه نظيفة قبل أن تتفاقم الكارثة”.

وتابع: “النازحون هم الأكثر تضررًا؛ ليست لديهم مياه كافية ولا إمكانيات للعلاج، وبعضهم يعيش في ظروف صحية صعبة جدًا”.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتسع فيه المخاطر الصحية والإنسانية في مناطق أخرى من السودان. فقد قالت منظمة الصحة العالمية إنه تم الإبلاغ عن أكثر من 2600 حالة إصابة بالكوليرا حتى أوائل أغسطس في ولايات متعددة، مشيرة إلى أن مناطق كردفان باتت بؤرة للتفشي الأخير.

كما أفاد كادر طبي من منطقة الأضية “أفق جديد”، قائلًا: “معظم الحالات التي تصل إلينا تعاني من إسهالات مائية وقيء وجفاف، وبعض المرضى يصلون في مراحل متقدمة بسبب تأخر الحصول على العلاج”.

وأوضح أن “المشكلة الأساسية هي نقص المحاليل الوريدية والأدوية والمستلزمات الطبية. علاج الكوليرا يحتاج إلى تدخل سريع، وأي تأخير قد يؤدي إلى تدهور حالة المريض. القدرة الاستيعابية محدودة جدًا مقارنة بعدد الحالات، كما أن الكوادر الصحية تعمل في ظروف صعبة ونقص كبير في الإمكانيات”.

لافتًا إلى أن “موسم الأمطار ساهم في تهيئة ظروف مناسبة لانتشار المرض، خصوصًا مع وجود المياه الراكدة وضعف خدمات الإصحاح البيئي وانتشار الذباب”.

وأضاف: “نحتاج بصورة عاجلة إلى محاليل وريدية، أدوية، مستلزمات مكافحة العدوى، ومياه آمنة، إضافة إلى فرق طبية تستطيع الوصول إلى القرى المتضررة”.

وتابع: “الوضع الأمني يمثل عائقًا كبيرًا أمام الاستجابة؛ فهناك مناطق لا تستطيع الفرق الصحية الوصول إليها بسهولة، كما أن نقل المرضى والإمدادات الطبية أصبح أكثر صعوبة”.

ومع تفشي المرض، تتواصل أيضًا حركة النزوح الناجمة عن الحرب. وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن 730 شخصًا فروا من عدة قرى في جنوب كردفان خلال الأسبوع الماضي، بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا، في مشهد يضيف أعباء جديدة إلى مجتمعات تعاني أصلًا من نقص الخدمات الأساسية.

وفي مواجهة هذا الوضع، تقول الأمم المتحدة إن المنظمات الإنسانية تواصل تقديم المساعدات المنقذة للحياة، رغم استمرار النزاع ونقص التمويل.

وأكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن الأمم المتحدة وشركاءها يكثفون جهود مكافحة الكوليرا، عبر تقديم العلاج وتنفيذ حملات التطعيم وتوزيع الإمدادات الطبية، إلى جانب توسيع نطاق توفير المياه النظيفة في مناطق كردفان.

وأشار دوجاريك إلى إعادة تأهيل شبكة مياه بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في منطقة أبو جبيهة، توفر مياهًا آمنة لنحو 25 ألف شخص يوميًا، بينهم 5 آلاف نازح.

لكن في مناطق أخرى من كردفان، تبدو الصورة أكثر قتامة؛ فالسكان لا يواجهون وباءً يمكن أن يفتك بالمصاب خلال وقت قصير فحسب، بل يواجهون أيضًا حربًا قطعت طرق الوصول إلى العلاج والمساعدات.

وبين النزوح وتفشي الكوليرا وشح المياه النظيفة وانهيار الخدمات الصحية، يجد المدنيون أنفسهم أمام معركة أخرى لا تقل قسوة عن المعارك الدائرة من حولهم؛ معركة من أجل البقاء، في بيئة تزداد فيها فرص انتشار المرض بينما تتضاءل فرص الحصول على العلاج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى