في انتظار إعلانها منطقة مجاعة ..كردفان بلا زراعة ولا قطعان

محمد عبد الباقي

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان، اتسعت دائرة المعاناة وازدادت صعوبة توفير الاحتياجات اليومية لتشمل قطاعات واسعة من السكان الذين استنزفت الحرب مدخراتهم القليلة وأفقدتهم أعمالهم البسيطة وأنشطتهم التجارية المتواضعة ووظائفهم.

بينما فقدت العملة الوطنية قيمتها الشرائية نتيجة الانهيار المتواصل لسعر الصرف، حتى باتت أجور الموظفين لا تتجاوز نحو 30 دولاراً شهرياً.

وتبدو آثار الأزمة الاقتصادية والمعيشية واضحة في ولاية شمال كردفان التي ظلت مسرحاً للعمليات العسكرية منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم، رغم تقدم الجيش السوداني وتراجع قوات الدعم السريع عن بعض المناطق.

فخلال الأعوام الثلاثة الماضية، لم تقتصر خسائر السكان في قرى شمال كردفان الذين يعتمدون بصورة أساسية على الزراعة والرعي على الأضرار التي أحدثتها الحرب، إذ خسروا ثلاثة مواسم زراعية متتالية، كما فقد بعضهم قطعان الماشية التي كانت تمثل مصدر رزقهم ومعيشتهم اليومية.

ففي العام الذي اندلعت فيه الحرب، لم يتمكن كثير من المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وزراعتها، بينما شهد العام الماضي انخفاضاً كبيراً في أسعار المحاصيل الزراعية، مما ألحق خسائر فادحة بالمزارعين، أما الموسم الحالي، فقد واجهوا شحاً كبيراً في الأمطار، الأمر الذي حال دون تمكن آلاف المزارعين من الزراعة.

ومع استمرار الحرب وتراكم الخسائر المالية، دخلت آلاف الأسر في كردفان مرحلة بالغة الهشاشة، بعدما تراجعت مصادر الدخل التي كانت تعتمد عليها بصورة شبه كاملة، إذ وجدت الأسر نفسها أمام موجة حادة من ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، وعلى رأسها الذرة التي تمثل الغذاء الرئيسي لغالبية سكان كردفان.

ويعود جانب كبير من ارتفاع الأسعار إلى انهيار سعر صرف الجنيه السوداني، وهو ما جعل آلاف الأسر عاجزة عن شراء احتياجاتها الأساسية، ولا سيما الموظفين الذين يحصلون على أجور متدنية تتراوح ما بين 200 و250 ألف جنيه، أي أقل من 30 دولاراً شهرياً.

ومع غلاء الأسعار وشح الموارد وانعدام فرص العمل، تتفشى حالة من الجوع في كردفان وأجزاء من ولاية النيل الأبيض، وسط مخاوف من تحولها إلى مجاعة واسعة إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

وعلى امتداد آلاف القرى البسيطة في كردفان، يعيش السكان أوضاعاً قاسية في ظل ارتفاع أسعار الغذاء وغياب الجهات الداعمة مثل المنظمات والجهات الخيرية التي تنشط في مناطق أخرى من السودان وتوفر الطعام للأسر غير القادرة من خلال التكايا والمطابخ الجماعية والمبادرات الإنسانية.

لا تتوفر مثل هذه الأنشطة الخيرية في القرى والمدن الصغيرة في كردفان، رغم أن سكانها تعرضوا لظروف إنسانية قاهرة منذ بداية الحرب، وبينهم من اضطر إلى النزوح أكثر من مرة قبل أن يستقر وسط مجتمعات صغيرة مستضيفة.

ففي سوق أم روابة بولاية شمال كردفان، أحد أكبر وأهم الأسواق التي يقصدها سكان القرى والبلدات الريفية في الولاية، ارتفعت الأسعار بصورة حادة، لتصل إلى مستويات جعلت كثيراً من الأسر عاجزة عن توفير احتياجاتها اليومية من الذرة والزيت واللحوم واللبن.

وتحت ضغط الغلاء الفاحش، أصبحت الأسر لا تتناول غير وجبة واحدة في اليوم، في الغالب تتكون من العدس الذي كان في السابق يستخدم حساءً مع الخبز المصنوع من القمح، لكنه تحول الآن إلى حساء يؤكل مع الكسرة المصنوعة من الذرة.

يقول أحمد عبد الله، أحد سكان أم روابة، لـ”أفق جديد”: “الوضع يستحق إعلان المجاعة لو أن هنالك جهة ما يهمها ما يحدث للمواطنين الذين أصبحوا غير قادرين على تدبير معيشتهم. الجوع أصبح سائداً، إما بسبب غلاء الأسعار أو لعدم وجود سيولة نقدية لدى المواطنين لأنهم لا يعملون”.

ويضيف عبد الله: “حتى المزارعين وعمال الزراعة الذين كانوا يعتمدون في مثل هذا الوقت من العام على العمل باليومية، فقدوا هذا المورد بسبب شح الأمطار، الذي أثر على الزراعة وقلل المساحات المزروعة في كردفان، وأدى إلى انعدام فرص العمل لآلاف المواطنين”.

ويشير عبد الله إلى أن سعر جوال الذرة سعة عشرين ملوة، ارتفع من 45 ألف جنيه في بداية العام إلى نحو 200 ألف جنيه حالياً، في وقت لم ترتفع فيه موارد المواطنين بل تراجعت بصورة كبيرة، إذ فقد كثير منهم مصادر دخلهم بعد شح الأمطار وتوقف عمليات الزراعة ونظافة الأراضي التي كانت توفر مورداً مهماً للرجال والنساء في الريف.

ومن مدينة ود عشانا التابعة لمحلية أم روابة، يصف المزارع الطيب عبد الباقي تراجع الظروف المعيشية للسكان قائلاً: “المواطنون تأثروا طوال السنوات الثلاث الماضية بفقدان مصادر الدخل وتوقف الأنشطة التجارية والأعمال الصغيرة التي كانت تمثل مصدر الدخل الأساسي لآلاف المواطنين في كردفان”.

ويرى الطيب أن الظروف المعيشية الحالية تستوجب إعلان المجاعة في المنطقة، ليس بسبب انعدام الغذاء والمواد الأساسية من الأسواق، وإنما بسبب الحالة الاقتصادية للسكان الذين أصبحوا غير قادرين على شراء الغذاء والسلع الضرورية وتلبية احتياجاتهم اليومية.

ويقول الطيب: “شهرا سبتمبر وأكتوبر يمثلان عادة أكثر الفترات التي يعاني فيها سكان كردفان، باعتبارهما يقعان في منتصف موسم الخريف، لكن خطورة الوضع هذا العام تكمن في أن السكان يمرون بهذه الفترة العصيبة من دون أن يكونوا قادرين على انتظار موسم حصاد قادم، لأن الموسم أصلاً فشل قبل ما يبدأ”.

يضيف: “كانت المعاناة في السابق على أمل اقتراب الحصاد الذي يبدأ منذ شهر نوفمبر، ولكن هذا العام لا توجد زراعة لأن الأمطار شحيحة ومتقطعة، ولذلك سوف تستمر معاناة الناس الذين أصبحوا غير قادرين على توفير احتياجاتهم اليومية من الطعام في ظل غلاء الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه السوداني”.

وتكشف أسعار السلع في سوق أم روابة عن حجم الضغوط والمعاناة التي تواجه الأسر، فقد وصل سعر كيلو العدس إلى 12 ألف جنيه، وملوة الدقيق إلى 15 ألف جنيه، ورطل الزيت إلى 12 ألف جنيه، ورطل السكر إلى 5 آلاف جنيه، ورطل البن إلى 20 ألف جنيه، ورطل الشاي إلى 25 ألف جنيه، بينما بلغ سعر كيلو اللحم البقري 50 ألف جنيه، وملوة البصل 10 آلاف جنيه، وكيلو لحم الضأن 70 ألف جنيه.

يعلق علي أحمد، وهو معلم تقاعد للمعاش في العام الحالي، على أسعار المواد الغذائية في أم روابة قائلاً: “الموظف في مدخل الخدمة يتقاضى راتباً يتراوح بين 80 ألفاً و120 ألف جنيه، وهو راتب لا يكفي لتوفير وجبة واحدة للأسرة في ظل هذه الأسعار المرتفعة”.

ويضيف بأن مأساة المواطنين اليوم هي في استمرار الحرب التي دخلت عامها الرابع وأدت لارتفاع متواصل للأسعار بعدما تسببت في خسارة المواطنين لمدخراتهم وأنشطتهم الاقتصادية ووظائفهم.

ويحذر المعلم المتقاعد علي من أن استمرار الحرب سيقود إلى كوارث بسبب الجوع والأمراض الناتجة عن نقص الغذاء وانعدام الرعاية الطبية.

ويقول: “الأسعار قد لا تبدو مرتفعة عند مقارنتها بسعر صرف العملة الوطنية، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن المواطنين يحصلون على أجور متدنية لا تزيد عن 200 ألف جنيه في أحسن الأحوال، وهي أجور لا تكفي الأسرة لأكثر من أربعة أيام على أحسن تدبير”.

ويختتم علي أحمد بالقول: “المجاعة ومعاناة الناس لن تتوقفا إلا بتوقف الحرب التي أصبحت تهديداً مباشراً لحياة المواطنين من خلال تسببها في الغلاء والفقر، مضيفاً أن الكثيرين من السكان الذين لم تقتلهم الرصاصة، قد يقتلهم الجوع والمرض إذا استمر الوضع بهذه الطريقة لفترة قادمة”.

لا تختلف الصورة كثيراً في ريفي مدينة تندلتي بولاية النيل الأبيض، خاصة القرى التي تقع بين كردفان والنيل الأبيض، حيث تتصاعد معاناة الأسر يوماً بعد يوم.

يقول سليمان موسى، وهو مواطن من إحدى القرى القريبة من تندلتي، لـ”أفق جديد”: “المعاناة وصلت إلى حد لا يحتمل بسبب ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية في الأسواق”.

ويشير سليمان إلى أن سعر ملوة الذرة في سوق تندلتي وصل إلى 15 ألف جنيه، ورطل اللبن إلى 3.5 آلاف جنيه، بينما تباع رغيفتان فقط بألف جنيه، ووصل سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً إلى 110 آلاف جنيه، وتتراوح أسعار اللحوم بين 50 و70 ألف جنيه.

ويضيف سليمان أن سكان القرى أصبحوا شبه معدمين بسبب استمرار الحرب، وأن غلاء الأسعار بهذه الصورة يدفعهم نحو مجاعة رغم توفر السلع في الأسواق.

ويقول: “المشكلة لم تعد في غياب المواد الغذائية، إنما في عدم قدرة المواطنين على شرائها بسبب العجز المالي”.

ويشير إلى أن شح الأمطار تسبب في خسارتهم لآخر مدخراتهم التي أنفقوها على الاستعداد للموسم الزراعي، قبل أن تتخلف الأمطار عن الهطول كما كان معتاداً”.

يؤكد سليمان أن خطورة الوضع في القرى تعود إلى أن غالبية الأسر تعتمد على الزراعة المطرية، ومع شح الأمطار وارتفاع أسعار المواد الغذائية أصبحوا أمام وضع بالغ الصعوبة”.

ويقول إن سعر جوال الذرة سعة عشرين ملوة وصل إلى نحو 300 ألف جنيه في سوق تندلتي، مطالباً بتدخل المنظمات الخيرية أو الدولة لتوفير الغذاء للأسر الفقيرة التي أصبحت تعاني من الجوع بصورة غير مسبوقة.

ويرى المواطن علي يوسف من ود عشانا أن أزمة المعيشة المتمثلة في غلاء الأسعار وانخفاض قيمة العملة وعجز السكان عن توفير قوت يومهم ترتبط بصورة مباشرة باستمرار الحرب.

ويقول: “استمرار الحرب جعل المناطق التي كانت تعد من أهم مناطق الإنتاج الزراعي والرعوي يعاني سكانها من الجوع”.

وحذر من أن المرحلة المقبلة ستكون أسوأ إذا استمرت الحرب، خاصة مع فشل الموسم الزراعي بسبب شح الأمطار.

ويضيف علي يوسف: “استمرار الوضع بهذه الطريقة سيقود إلى المرحلة التي يصبح فيها جميع السكان غير قادرين على شراء قوتهم من الأسواق حتى لو كانت كل السلع متوفرة”.

وبيّن يوسف بأنه أمام انهيار قيمة الجنيه وفقدان الأعمال والأنشطة التجارية الصغيرة وخسارة الموسم الزراعي ونفوق أو فقدان قطعان الماشية، سيجد سكان كردفان وأجزاء من النيل الأبيض أنفسهم أمام أزمة معيشية وتفشٍّ واسع للجوع في الشهور القليلة القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى