ثلاث سنوات من العجز والخوف والانتظار ..جواهر تبحث عن أبيها

كرياندونغو / سمر سليمان
لم تكن جواهر حمدية تعرف، وهي تخطو الطريق هاربة من الحرب، أن الرحلة التي بدأت بحثًا عن مكان أكثر أمنًا لأطفالها ستقودها إلى حياة أخرى من الخوف والمرض والعجز والانتظار، وأن عبور الحدود إلى أوغندا لن يكون نهاية للخوف كما كانت تتمنى، وإنما بداية لسنوات طويلة ستجد نفسها خلالها معلقة بين وطن لا تستطيع العودة إليه وأسرة لا تعرف عنها شيئًا، وبين مسؤولية خمسة أطفال وزوج مريض فقد القدرة على العمل، ووالد انقطعت أخباره منذ اندلاع الحرب ولا تعرف حتى الآن إن كان حيًا أم أن الحرب أخذته إلى مصير مجهول.
خرجت جواهر من السودان وهي تحمل معها ما استطاعت أن تحمله من حاجيات قليلة وذكريات كثيرة، ولم تكن تملك رفاهية التخطيط لرحلة طويلة أو تجهيز نفسها وأسرتها لحياة اللجوء، فقد جاءت الحرب أسرع من قدرتهم على الاستعداد، فتركت خلفها البيت والحياة التي كانت تعرف تفاصيلها جيدًا، وساقت خطواتها إلى يوغندا برفقة زوجها المريض وأطفالها الخمسة، وهي تعتقد أن المعسكر سيكون محطة مؤقتة تستعيد فيها الأسرة أنفاسها، ثم تعود إلى وطنها عندما تهدأ الحرب وتنتهي أسباب النزوح.
لكن الحرب لم تهدأ، ولم تعد الرحلة مؤقتة كما ظنت، وتحولت الأيام إلى أشهر، ثم تحولت الأشهر إلى ثلاث سنوات كاملة أخذت من عمر الأسرة أكثر مما يمكن حسابه بالسنوات، لأن السنوات الثلاث التي مرت على جواهر لم تكن أيامًا عادية يمكن أن تنقضي ثم تُنسى، وإنما كانت سنوات من النزوح والمرض والفقد والانتظار، كبر خلالها أطفالها بعيدًا عن بيتهم، وتغيرت لغتهم، وتبدلت تفاصيل حياتهم، بينما ظلت هي واقفة في المكان نفسه تقريبًا، تنتظر نهاية لا تعرف متى تأتي، وتحاول أن تصنع لأطفالها حياة لا تملك الأدوات الكافية لصناعتها.
تقول جواهر: «كنا فاهمين المعسكرات فيها راحة، لكن للأسف المعيشة قاسية جدًا، ما قادرة أوفر أبسط الاحتياجات للأطفال وأبوهم ما شغال».
لم يكن زوجها، الذي يفترض أن يكون سند الأسرة في مثل هذه الظروف، قادرًا على تحمل العبء الذي فرضته الحرب والنزوح، فهو يعاني من أمراض مزمنة، إلى جانب إصابته بشظية في قدمه، وهو ما جعل قدرته على العمل محدودة للغاية، وألقى على جواهر مسؤولية توفير احتياجات خمسة أطفال، وهي مسؤولية تتجاوز قدرتها في ظروف اللجوء القاسية، حيث يصبح الحصول على الطعام والدواء والتعليم معركة يومية لا تنتهي، وحيث يتعين عليها في كل صباح أن تبحث عن إجابة لأسئلة تبدو بسيطة في حياة الناس العادية، لكنها بالنسبة إليها أصبحت أسئلة ثقيلة؛ كيف توفر الطعام لأطفالها، وكيف تدفع رسوم المدرسة، وكيف تحصل على الدواء لزوجها، وكيف تحمي أبناءها من أن يصبحوا ضحايا آخرين لحرب لم يختاروها ولم يكن لهم أي دور فيها.
وبينما تحاول جواهر أن تعيد ترتيب حياتها في المكان الجديد، تكتشف كل يوم أن الحرب لم تأخذ منها بيتها فقط، وإنما أخذت معها الأشياء الصغيرة التي كانت تمنح الحياة معناها واستقرارها، حتى ما كانت تملكه من حاجيات لم تستطع إنقاذه، فقد خرجت من السودان في ظروف لم تسمح لها بأن تفكر في المستقبل أو تحمل معها ما يكفيها لأيام طويلة، وتقول وهي تستعيد تلك اللحظات: «الحرب ما أمهلتنا نشيل أغراض أو نشيل معانا شي، قدر العندنا انتهى زمان».
كان عليها أن تبدأ من الصفر، لكن الصفر نفسه لم يكن متاحًا لها، إذ لم تصل إلى اللجوء وهي تحمل مدخرات أو ممتلكات يمكن أن تساعدها على تجاوز الأيام الأولى، وإنما وصلت وهي تحمل أسرة تحتاج إلى الطعام والدواء والتعليم، وزوجًا مريضًا، وأطفالًا يحاولون التأقلم مع بيئة جديدة، بينما كانت هي نفسها تحاول أن تتماسك أمام كل ذلك.
ومع مرور السنوات، أصبح الطعام تحديًا يوميًا، ولم تعد جواهر تبحث عن حياة أفضل بقدر ما أصبحت تبحث عن الحد الأدنى الذي يسمح لها ولأطفالها بمواصلة الحياة، فتقول: «قاعدين نقرضها حاف، قاعدين نلوك القرضة»، وهي عبارة تختصر واقع أسرة استنفدت كل ما كانت تملكه، وأصبحت تكافح من أجل البقاء بما هو أقل من القليل، في وقت لا تبدو فيه نهاية النزوح قريبة، ولا تبدو العودة إلى السودان خيارًا ممكنًا في ظل استمرار الحرب.
أب مفقود
لكن الجوع والمرض والتعليم ليست وحدها الأشياء التي تثقل قلب جواهر، فهناك غياب أكبر يرافقها في كل يوم، ويعود إليها كلما هدأت الحركة من حولها، وهو غياب والدها الذي انقطعت أخباره منذ اندلاع الحرب، بينما تعاني والدتها من مرض السكري، ولا تملك جواهر وسيلة اتصال تمكنها من الاطمئنان على أسرتها أو معرفة ما إذا كانوا بخير، إذ لا يوجد هاتف يربطها بهم، ولا صوت يأتيها من السودان ليخبرها بما حدث لهم خلال السنوات التي مرت عليها وهي بعيدة عنهم.
تقول: «أبوي مفقود، الله يجمعني مع إخواني وأمي، لي زمن ما اتواصلت معاهم، ما عندي تلفون يربطني بيهم ولا عارفة أخبارهم».
في حياة اللاجئ قد يبدو الهاتف شيئًا عاديًا وصغيرًا لا يستحق التفكير، لكنه بالنسبة إلى جواهر أصبح جسرًا مفقودًا بينها وبين عائلتها، وأصبح امتلاك وسيلة اتصال يمكنها من سماع صوت أمها أو أحد إخوتها، أو معرفة أي خبر عن والدها، أمنية أكبر من كثير من الأشياء التي تبدو في الظروف الطبيعية أكثر أهمية، لأن المسافة بينها وبين السودان لم تعد تقاس بالكيلومترات وحدها، وإنما صارت تقاس أيضًا بالصمت الذي يفصلها عن أسرتها.
وكلما سمعت خبرًا عن السودان أو وصلتها قصة عن شخص فقد الاتصال بأسرته، يعود السؤال نفسه إلى رأسها وقلبها في آن واحد: أين أبي؟ وهل ما زال حيًا؟ وهل ينتظرهم في مكان ما؟ وهل يعرف أنهم عبروا الحدود ووصلوا إلى أوغندا؟ وهل يعرف أن ابنته ما زالت تبحث عنه بعد ثلاث سنوات كاملة من الغياب؟
لا تملك جواهر إجابات عن أي من هذه الأسئلة، وليس أمامها سوى الدعاء والانتظار، ولذلك تقول ببساطة موجعة: «أتمنى أسمع خبر عن أبوي».

عيون أنهكها الانتظار
ثلاث سنوات من القلق والخوف والبكاء لم تمر على جواهر من دون أن تترك أثرها في جسدها وحياتها، فقد أصبح الانتظار نفسه جزءًا من يومياتها، حتى عيناها لم تعودا كما كانتا من قبل، وهي تقول إن كثرة البكاء المتواصل أثرت في قدرتها على الرؤية: «عيوني بقت تشوف طشاش بسبب البكي المتواصل».
لم يعد البكاء بالنسبة إليها لحظة عابرة من لحظات الحزن، وإنما تحول إلى جزء من حياتها اليومية، فهي تبكي على والدها المفقود الذي لا تعرف مصيره، وعلى أمها المريضة التي لا تستطيع الوصول إليها، وعلى إخوتها الذين انقطعت أخبارهم عنها، وعلى أطفالها الذين يكبرون بعيدًا عن وطنهم، وعلى سنوات كان من المفترض أن يعيشوها بطريقة مختلفة، وعلى حياة كانت تعرفها قبل الحرب ثم اختفت فجأة من أمامها، ولم يبق منها سوى الذكريات.
أطفال بعيدون عن الوطن
أطفال جواهر الخمسة لم يحملوا الحرب بالطريقة التي حملها الكبار، لكنهم يعيشون نتائجها كل يوم، إذ وجدوا أنفسهم بعيدين عن البيت والوطن والمدرسة التي كان يفترض أن تكون جزءًا ثابتًا من حياتهم، وأصبح التعليم نفسه مرتبطًا بقدرة الأسرة على دفع الرسوم، وهي قدرة لا تتوفر دائمًا، ولذلك طُرد بعض الأطفال من المدرسة بسبب عدم سداد الرسوم، وأصبح الذهاب إلى المدرسة مرتبطًا بما تستطيع الأسرة توفيره في ذلك اليوم.

تقول جواهر: «أطفالي مطرودين بسبب الرسوم، مرات يمشوا ومرات ما يمشوا، التعليم صعب، نحن ما عندنا مقدرة للتعليم، وبرضو الوضع ما آمن».
ولا ترى جواهر أن المشكلة تتوقف عند فقدان الأطفال انتظامهم الدراسي، لأن ما تخشاه أكبر من ذلك بكثير، فهي ترى أمامها سنوات تمر من أعمار أطفالها دون تعليم مستقر، ودون بيئة آمنة تساعدهم على النمو بصورة طبيعية، ودون ضمان أن يتمكنوا في المستقبل من اللحاق بما فاتهم، ولذلك يبدو الخوف على مستقبلهم امتدادًا آخر للخوف الذي حملته معها منذ مغادرة السودان.
الحرب لم توقف الدراسة وحدها، وإنما أخذت من الأطفال شعورهم الطبيعي بالأمان والاستقرار، وجعلتهم يكبرون في بيئة لا يعرفون إن كانت ستصبح وطنًا دائمًا أم محطة أخرى من محطات النزوح، بينما تظل أمهم عاجزة عن تقديم إجابة واضحة لهم عن موعد العودة، أو عن شكل الحياة التي تنتظرهم عندما تنتهي الحرب.
لغة وهوية
وفي يوغندا وجد أطفال جواهر أنفسهم أمام لغة وثقافة مختلفتين، ومع مرور الوقت بدأت الأم تلاحظ أن العربية، التي كانت اللغة الطبيعية في حياتهم قبل النزوح، تتراجع في أحاديثهم اليومية، بينما أصبحت اللغة اليوغندية والإنجليزية أكثر حضورًا، وهو أمر يثير داخلها خوفًا يتجاوز مسألة اللغة نفسها، لأنها ترى في تراجع العربية احتمالًا لتراجع صلة أطفالها بجزء أساسي من هويتهم وذاكرتهم.
تقول: «أولادي بقوا ضعاف في العربي شديد، بقوا يعرفوا اللغة اليوغندية أكثر بالإضافة للإنجليزي».
ثم تضيف ما يشغل قلبها أكثر: «خايفة عليهم كمان ينسوا القرآن الكريم».
لا تخشى جواهر أن ينسى أطفالها كلمات عربية فحسب، وإنما تخشى أن تكبر المسافة بينهم وبين وطنهم وثقافتهم وذاكرتهم مع مرور السنوات، فقد دخلوا إلى بيئة جديدة اضطروا فيها إلى تعلم لغة جديدة والتكيف مع مجتمع مختلف، لكن الأم التي اقتلعتها الحرب من وطنها تريد أن تحتفظ داخل أطفالها بشيء من المكان الذي خرجوا منه، بلغته وذاكرته وثقافته والقرآن الكريم الذي تخشى أن يبتعدوا عنه كلما طال بقاؤهم في بيئة مختلفة.

كرامة على الأرض
تتحدث جواهر عن اختلاف الحياة والثقافة في بلد اللجوء من دون أن تلقي اللوم على المكان الذي استقبلها، فهي تعرف أن الظروف أكبر من الجميع، وأن اللجوء لم يكن اختيارًا لها، كما أن البلد الذي وصلت إليه لم يكن مسؤولًا عن الحرب التي أجبرتها على الرحيل، ولذلك تختصر إحساسها تجاه اختلاف الحياة بالقول: «الثقافة مختلفة وربنا يهون علينا».
لكن حين تصل في حديثها إلى الحرب نفسها، تتغير نبرة الكلام، وتخرج منها كلمات تختصر ثلاث سنوات من الانكسار أكثر مما تختصرها التقارير والأرقام، فتقول: «طرفي الصراع ما عملوا فينا خير أبدًا، غير البشتنة والبهدلة، كرامتنا بقت في الواطة».
بالنسبة إلى جواهر، الحرب ليست أرقامًا عن القتلى والنازحين واللاجئين، وليست خرائط لمناطق السيطرة أو أخبارًا عن المعارك، وإنما هي أن تصبح الأم عاجزة عن توفير أبسط احتياجات أطفالها، وأن يتحول الأب المريض إلى شخص غير قادر على العمل، وأن يطرد الطفل من المدرسة لأنه لا يملك رسومها، وأن يصبح الهاتف حلمًا مؤجلًا لأن ثمنه قد يعني توفير الطعام ليوم آخر، وأن تعيش الأسرة في بلد أكثر أمنًا نسبيًا بينما يبقى القلب عالقًا في بلد آخر، يبحث عن أب مفقود وأم مريضة وإخوة انقطعت أخبارهم، والأصعب من كل ذلك أن تمر ثلاث سنوات كاملة من دون أن تعرف متى ستنتهي هذه الحياة المؤقتة، أو إلى أين يمكن أن تقودها السنوات المقبلة.

ما تبقى
ثلاث سنوات كانت كافية لتغيير كل شيء في حياة جواهر؛ فقد أخذت الحرب بيتها واستقرارها، وأخذت من زوجها قدرته على العمل، ووضعت أطفالها الخمسة أمام مستقبل غير واضح، وقطعت صلتها بأسرتها، وتركت والدها في خانة المفقودين، لكنها، رغم كل ذلك، لم تتوقف عن المحاولة.
تحاول أن تطعم أطفالها بما تستطيع، وتحاول أن تعيدهم إلى المدرسة متى تمكنت من توفير الرسوم، وتحاول أن تحافظ على لغتهم العربية، وتحاول أن تعلمهم القرآن الكريم، وتحاول قبل كل شيء أن تجعلهم يشعرون بأنهم ما زالوا ينتمون إلى مكان ما، رغم أن الحرب دفعتهم بعيدًا عن ذلك المكان، وأن السنوات التي قضوها في اللجوء بدأت تغير تفاصيل حياتهم يومًا بعد يوم.
وفي نهاية كل يوم، حين تهدأ حركة المعسكر وتقل الأصوات من حولها، يبقى سؤال واحد أكثر حضورًا من كل الأسئلة الأخرى، سؤال لا يحتاج إلى إجابة سياسية ولا إلى بيان ولا إلى خريطة طريق، وإنما يحتاج فقط إلى خبر يعيد إليها شيئًا من الطمأنينة التي فقدتها منذ ثلاث سنوات: أين أبي؟
لا تريد جواهر تعويضًا عن السنوات الثلاث، ولا تستطيع استعادة ما أخذته الحرب منها، ولا تطلب أن تعود الأيام إلى الوراء، وكل ما تتمناه أن يأتيها ذات يوم اتصال أو خبر أو شخص يحمل إليها معلومة واحدة عن والدها، وأن تسمع صوته مرة أخرى، وأن تعرف أنه حي، وأن تتمكن من إخباره بأنها وأطفالها وصلوا إلى مكان آمن، وأن تقول له، رغم كل ما عاشته طوال هذه السنوات، إنها ما زالت تبحث عنه ولم تتخل عن الأمل في لقائه.
ثلاث سنوات أخذتها الحرب من جواهر وأسرتها، وأبعدتها عن بيتها، وحرمت أطفالها من طفولة مستقرة، ووضعت زوجها أمام المرض والعجز، وقطعت صلتها بأمها وإخوتها، وتركت والدها في المجهول، لكنها لم تستطع أن تنتزع منها ذلك الخيط الرفيع الذي تتمسك به كل يوم، وهو الأمل في أن يجمعها الله يومًا بوالدها وأسرتها، وأن يتحول الانتظار الطويل أخيرًا إلى لقاء.





