يوسف عيدابي.. حين يصبح المسرح ذاكرةً لـ«عموم أهل السودان»

كتب د. شمس الدين يونس نجم الدين

ليس الدكتور يوسف عيدابي من أولئك المثقفين الذين يحملون الفكر على رؤوسهم تباهيًا، بل يسكنونه تواضعًا، وكأن مقولة «التواضع زينة العلماء» قد قيلت فيه. ذلك التواضع الذي لا يأتي من قلة المعرفة، وإنما من إدراك عميق لقيمتها ورسالتها، ومن إيمان بأن الثقافة لا تكتمل إلا حين تعود إلى الناس الذين خرجت منهم.

لم يكن الدكتور يوسف عيدابي من أصحاب الأبراج العاجية، بل ظل ابنًا لـ«عموم أهل السودان»، قريبًا من الناس، منحازًا إلى قضاياهم، يرى في المعرفة رسالة لا سلطة، وفي الثقافة مسؤولية لا امتيازًا، وفي المسرح مساحة مفتوحة لطرح أسئلة الإنسان وهمومه وقضاياه. فالمسرح الذي لا يحمل هموم الناس، في رؤيته، يتحول إلى ترف غير مقبول، ولا يعول عليه، كما يقول ابن عربي، بينما المسرح الحقيقي هو الذي يجعل من الخشبة منصةً للحوار حول المجتمع والإنسان والهوية.

وهكذا ظل الدكتور عيدابي مسرحيًا ملتزمًا، وشاعرًا وهب روحه للكلمة، وصوته للحق، وخطاه للمسرح الذي يريد أن يرى فيه عموم أهل السودان، حاضرين بتنوعهم وثقافاتهم وذاكراتهم ولهجاتهم، حيث تلتقي «الغابة والصحراء» لا بوصفهما ثنائية مغلقة، وإنما باعتبارهما جزءًا من فضاء سوداني أوسع.

تشكل حضوره بهذه الصورة: والدكتور عيدابي ظل أنيقًا ككلماته، بسيطًا كملامحه، وعميقًا كقضيته.

وحين تولى رئاسة قسم المسرح بمعهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية، ونائبًا للعميد، كان يحمل معه خبرة الفنون الشعبية وتجارب الفنون الأدائية في مظانها، ويحمل في الوقت نفسه هم التراث بوصفه معرفة حية لا مجرد ذاكرة محفوظة. ومن هذا المنطلق جاء اقتراحه باستيعاب أصحاب الخبرات الحياتية والفنية في الفنون الأدائية داخل المؤسسة الأكاديمية، في خطوة فتحت أفقًا جديدًا في التفكير، خارج الصندوق، لأنها لم تنظر إلى المعرفة الأكاديمية باعتبارها المصدر الوحيد للخبرة، ولم تتعامل مع الفنان الشعبي بوصفه خارج المؤسسة الأكاديمية، بل حاولت أن تخلق مساحة لتبادل المعرفة بين صاحب التجربة الحياتية والأكاديمي المتخصص.

كان يريد أن يمتد الفن من جذور الإنسان في بيئته إلى قاعات العلم والدرس الأكاديمي، في عملية تبادل تتسع فيها النظرة إلى المعرفة، ويتراجع فيها الحاجز بين «الصانع الشعبي» و«الأكاديمي المتمرس»، ليكون كل منهما مرآة للآخر لا ظلًا ثقيلًا عليه.

وليس هذا غريبًا على أكاديمي جبل على التجديد، كالدكتور عيدابي. فمنذ أن تولى عمادة معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية، خلفًا للأستاذ الماحي إسماعيل، صنوه في تأسيس المعهد، ظل مشغولًا بإعادة النظر في المناهج، وربطها بتراث المسرح السوداني، مع الانفتاح على أحدث ما توصلت إليه المعارف المسرحية في مجالات التمثيل والإخراج والسينوغرافيا، والعلوم المساعدة مثل علم الجمال والفلسفة وتاريخ المسرح وغيرها، فاستقطب لها خيرة أساتذة جامعات الخرطوم والقاهرة فرع الخرطوم.

كان يرى أن التطوير والتجديد في المسرح لا يعني القطيعة مع الماضي، كما لا يعني الوقوف عنده. فاستفاد من تجارب بخت الرضا في المسرح المدرسي، والإذاعة السودانية في الدراما الإذاعية، فالتراث بالنسبة له يمكن أن يكون مادة لإعادة اكتشاف الحاضر وصناعة المستقبل، والمسرح لا يتقدم إلا حين يملك القدرة على الجمع بين ذاكرته وأسئلته الجديدة. وعندما جاء الدكتور نبيل الألفي لتقييم تجربة المعهد وجد مؤسسة مكتملة البنيان المعرفي، فانعكس ذلك في تقريره ثناءً.

وحين يكتب د. يوسف عيدابي «الوافي في تاريخ المسرح السوداني»، فإنه لا يكتفي بتسجيل تاريخ، وإنما يحاول استعادة أجزاء من ذاكرة الفعل المسرحي السوداني من التبعثر والنسيان. فالتاريخ المسرحي، مثل جوانب كثيرة من الذاكرة الثقافية السودانية، ظل موزعًا بين النصوص والعروض والشهادات والتجارب الشخصية والوثائق المتناثرة.

ومن هنا يصبح التوثيق عنده فعلًا ثقافيًا في حد ذاته؛ نورًا يتسلل إلى الزوايا المنسية من تاريخ المسرح السوداني، ليستعيد أسماء وتجارب وأحلامًا، ويوقظ الإيمان بأن المسرح السوداني قادر على العطاء، ما دام يجعل من الإنسان محورًا للفعل.

الدكتور يوسف عيدابي فنان مشبع بتراث أمته وثقافتها الشعبية، لكنه لم ير في هذا التراث زينةً ثقافية أو مادة للاحتفاء الموسمي، بل رأى فيه مسؤولية. ولذلك امتد اهتمامه من الكتابة المسرحية إلى التوثيق والنشر وتأسيس المراكز الثقافية.

وأسهم في تجارب ومؤسسات ثقافية عربية عديدة، من بينها معرض الشارقة للكتاب وإدارة النشر بالهيئة العربية للمسرح ودارة الشيخ سلطان القاسمي للنشر، في سياق اهتمامه بالتوثيق للفعل الثقافي العربي وإتاحة المعرفة للأجيال الجديدة. كما أسس مركز عيدابي للثقافة والفنون، ليضطلع بمهام النشر والتوثيق للمسرح السوداني، فطبع عشرات العناوين، وجعل من فعل الطباعة منبرًا للوعي، ومن الكتاب جسرًا يصل الأجيال الجديدة بتراثها الثقافي.

فحين يُطبع الكتاب، لا تُحفظ الكلمات وحدها، بل تُحفظ معها تجارب أصحابها وأسئلتهم وطرائق نظرهم إلى الحياة.

ولعل عبارة «عموم أهل السودان» في تجربة الدكتور عيدابي تحمل أكثر مما يبدو في ظاهرها. فهي ليست مجرد تعبير لغوي، وإنما رؤية إلى الثقافة السودانية باعتبارها مجموعة من الثقافات المتعددة والمتنوعة التي تفاعلت وتداخلت وأسهمت جميعها في تكوين الإنسان السوداني.

السودان، في هذا التصور، ليس ثقافة أحادية، ولا هوية مغلقة يمكن اختزالها في صوت واحد أو منطقة واحدة أو لغة واحدة. إنها فسيفساء واسعة من الثقافات واللغات واللهجات والذاكرات وأنماط الحياة.

ولهذا كان السؤال بالنسبة إلى د. عيدابي: كيف يمكن أن يكون المسرح السوداني مسرحًا لـ«عموم أهل السودان»؟

السؤال في ذاته كان مشروعًا للتجريب.

ومن هنا جاءت تجربته في الكتابة المسرحية، التي استمدت مادتها من الإرث السوداني والحكايات الشعبية والتاريخ الاجتماعي، دون أن تجعل من التراث نصًا مغلقًا، وإنما مادة لإنتاج أسئلة جديدة.

فكانت مسرحية «حصان البياحة»، المأخوذة عن كتاب «طبقات ود ضيف الله» لمحمد النور بن ضيف الله، إحدى أبرز محطات هذا التجريب. فالكتاب الذي يتناول الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء، ويقدم مادة مهمة للتعرف على حركة المجتمع السوداني في فترة الفونج، أصبح عند د. عيدابي مادة مسرحية تدخل إلى فضاء الأسئلة المعاصرة.

وعندما عرضت «حصان البياحة» على المسرح القومي السوداني في موسم 1973-1974، أثارت جدلًا واسعًا، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن مشروع مسرحي يقوم على إعادة قراءة التراث من الداخل، لا على استنساخه.

ففي المسرحية يحضر سؤال الهوية، وعلاقة الإنسان بطبيعته الفطرية والعقل الذي يسعى إلى إعادة تشكيل هذه الطبيعة، لتصبح الخشبة فضاءً آمنًا للحوار الثقافي حول القيم التي تحكم المجتمع.

وهنا تكمن قيمة تجربة الدكتور عيدابي؛ فهو لا يستدعي التراث لكي يهرب من الحاضر، وإنما يعود إليه لكي يفهم الحاضر.

تغذت نصوصه من الشعر والحكاية الشعبية واللغة السودانية وتنوع اللهجات، فكانت سودانوية النفس، لكنها إنسانية الأفق. انتمت بعمق إلى تراب الوطن، لكنها لم تحبس الإنسان السوداني داخله، بل جعلت من تفاصيل حياته الصغيرة طريقًا إلى الأسئلة الإنسانية الكبرى.

ومن «الغابة والصحراء» إلى الحكاية الشعبية، ومن الشعر إلى المسرح، ظل السؤال حاضرًا حول الهوية والتعدد والانتماء: كيف يمكن أن يعبر الفن عن السودان بكل تنوعه، دون أن يحول هذا التنوع إلى صراع، وكيف يمكن للاختلاف أن يصبح مصدرًا للثراء لا سببًا للانقسام؟

وظل د. عيدابي، في زمن المجاعات والحروب، صوتًا للأمل وذاكرةً حية لجراح الوطن والإيمان به. وحين يكتب أو يتحدث، يفعل ذلك بلغة لا تعرف الادعاء والحذلقة، وإنما تعرف كيف تهز الضمير وتثير السؤال.

اختار أن يكون قريبًا من الناس، وأن يعلي صوت البسطاء، وأن يجعل الثقافة متاحة لا متعالية. وفي كل خطوة من حياته ظل يحمل شرف التواضع، وسخاء المعرفة، وجرأة الالتزام، وشغف التجديد.

وربما لهذا تبدو تجربته أوسع من أن تختصر في كونه مسرحيًا أو أكاديميًا أو شاعرًا أو باحثًا أو ناشرًا. فهذه كلها وجوه لمشروع واحد عنوانه الإنسان السوداني؛ بذاكرته وتراثه وأسئلته وتنوعه وأحلامه.

لقد حاول د. عيدابي أن يبني الجسور بين الجامعة والمجتمع، وبين الأكاديمي والفنان الشعبي، وبين الماضي والمستقبل، وبين النص والإنسان، وبين الثقافات السودانية المتعددة. لم يجعل من التراث متحفًا، ولا من المسرح منصة للوعظ، ولا من المعرفة سلطة.

جعلها جميعًا جسورًا.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق في تجربة د. يوسف عيدابي: أن المثقف الحقيقي لا يقف فوق المجتمع ليتحدث باسمه، وإنما يقف داخله، يصغي إلى أصواته، ويعيد صياغة أسئلته، ثم يفتح لها طريقًا إلى الكتاب والمسرح والجامعة والذاكرة.

تلك هي فلسفة «عموم أهل السودان» في مشروع عيدابي؛ يجعل من الناس ليسوا جمهورًا يقف خارج الخشبة، وإنما هم مادتها وروحها وذاكرتها.

وإذا كان المسرح قادرًا على البقاء حيًا، فلأن هناك من ظل يرى فيه أكثر من خشبة وأضواء ونصوص؛ يراه مساحةً للإنسان كي يتأمل ذاته، ويستعيد ذاكرته، ويسأل عن مستقبله.

وهكذا ظل يوسف عيدابي، في مسيرته، معلمًا في تواضعه، وقدوةً في التزامه، ومجددًا في فكره، وصوتًا لا يعلو على الناس، بل يخرج من بينهم ويعود إليهم.

فالمعرفة عنده لم تكن تاجًا، بل أمانة.

والمسرح لم يكن ترفًا، بل سؤالًا.

والتراث لم يكن ماضيًا، بل طريقًا إلى المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى