حين تصبح الشعارات بديلًا عن التفكير.. الحلقة الرابعة: الاختلاف والتنازع.. من خندق الإقصاء إلى رحابة التكامل

عبده الحاج

لا تزال الخلافات والانقسامات والمقاطعات تعيق كثيرًا من فرص العمل المشترك في السودان. ومع كل مبادرة أو حوار أو محاولة للتعاون يعود المشهد نفسه للظهور؛ مجموعات تتفق على كثير من الغايات، لكنها تعجز عن العمل معًا أو تتوقف عند نقاط الخلاف قبل أن تصل إلى مساحات الاتفاق. ويبدو أن جانبًا من المشكلة لا يتعلق بالاختلاف نفسه بقدر ما يتعلق بالطريقة التي ننظر بها إليه ونتعامل معه.

فالاختلاف جزء طبيعي من التجربة البشرية. فالناس لا يملكون القدر نفسه من المعرفة، أو القدرة على التعلُّم، ولا يعيشون التجارب نفسها، ولا ينظرون إلى الأشياء من الزاوية نفسها، ولذلك ليس مستغربًا أن تتعدد رؤاهم واستنتاجاتهم. غير أن المقصود هنا ليس الاحتفاء بالاختلاف لذاته أو اعتباره فضيلة مستقلة في حد ذاته.

فالاختلاف علة طارئة ألمّت بالبشرية خلال تطورها من الجهل إلى المعرفة، وهي تدق وتتحول دومًا من الكثافة إلى اللطافة كلما زادت معرفتنا. ولنقص معرفتنا فإن الإنسان منا لا يرى الصورة كاملة، وإنما يرى جزءًا منها بقدر ما أتيح له من معرفة وتجربة وخبرة. ولعل قصة العميان والفيل تلخص هذه الفكرة بصورة بسيطة؛ فكل واحد منهم لمس جزءًا من الفيل ووصفه كما رآه بصدق، ولكن المشكلة بدأت عندما ظن كل واحد منهم أن الجزء الذي رآه هو الحقيقة كلها.

ومن هنا ينشأ كثير من الاختلاف البشري. فالناس لا تختلف دائمًا لأن بعضهم على حق وبعضهم على باطل، وإنما لأن كلًا منهم يرى جانبًا من المشهد لا يراه الآخرون. وكلما اتسعت المعرفة واتسعت الرؤية ضاقت بعض مساحات الاختلاف الناتجة عن الجهل أو سوء الفهم أو نقص المعلومات أو سوء الظن.

ومع ذلك فإن الاختلاف لا يختفي تمامًا، لأن البشر لن يصبحوا نسخًا متطابقة من بعضهم بعضًا، ولأن تجاربهم واهتماماتهم وقدراتهم وزوايا نظرهم ستظل متنوعة ومتباينة. لكنه يصبح مع الزمن أقل حدة وأقل قابلية للتحول إلى صراع، وتتحول كثير من مظاهره من خلافات كثيفة ومؤثرة في حياة الناس إلى فروق أكثر لطفًا لا تعطل التعاون ولا تمنع العمل المشترك.

ولهذا فإن الهدف ليس القضاء على الاختلاف نهائيًا، كما أنه ليس تمجيده لذاته، وإنما الاستفادة مما يحمله من تنوع في الرؤى والخبرات وتحويله من مصدر للتنازع إلى مصدر للتكامل.

ومن المهم هنا التمييز بين الاختلاف والتنازع، فهما ليسا شيئًا واحدًا. فالاختلاف يعني تعدد الرؤى ووجهات النظر والخبرات، وهو ظاهرة طبيعية بل وضرورية لأي مجتمع حي ومتطور. أما التنازع فهو انتقال الاختلاف من مستوى البحث عن الحقيقة أو المصلحة العامة إلى مستوى الصراع حول الغلبة والإقصاء وفرض الإرادة. ولذلك فالمشكلة ليست في وجود الاختلاف، وإنما في تحوله إلى تنازع. فالاختلاف يثري العقول ويوسع الرؤية، أما التنازع فيستنزف الطاقات ويعطل القدرة على العمل المشترك.

وحين يدرك الناس أن كلًا منهم يرى جانبًا من الصورة، يتحول التنوع من عبء إلى مصدر قوة. فاختلاف الخبرات والمعارف والتجارب يمنح المجتمعات قدرة أكبر على فهم مشكلاتها وإيجاد حلول أكثر نضجًا وواقعية. ولهذا لم يكن نجاح المجتمعات الناجحة قائمًا على إزالة الاختلاف، وإنما على تحويله من مصدر صراع إلى مصدر معرفة وتكامل.

ولعل أقرب نموذج لذلك هو الأسرة. فالأسرة الواحدة قد تضم اختلافات فكرية وسياسية ودينية وثقافية، وقد تنشأ داخلها أيضًا خلافات حول المال أو الميراث أو المسؤوليات أو غير ذلك من القضايا التي تمس حياة أفرادها بصورة مباشرة. ومع ذلك تستمر الأسرة، لا لأن الخلافات اختفت، بل لأنها أدركت أن هناك ما هو أكبر من تلك الخلافات. فهي تعلم أن التعاون يحقق لها منافع أكبر من التفرق، وأن نجاحها الجماعي يعود بالنفع على الجميع، ولذلك لا تجعل كل خلاف سببًا للقطيعة، ولا تشترط الاتفاق الكامل قبل التعاون.

كما أن الأسرة تتعامل مع أفرادها كما هم، لا كما تتمنى أن يكونوا. فالطفل له مكانته، والمسن له مكانته، وصاحب الإعاقة له مكانته، والمختلف في الرأي له مكانته أيضًا. فالانتماء إلى الأسرة يسبق الاتفاق داخلها، والخلاف لا يلغي الانتماء.

وليس من قبيل المصادفة أن تكون الأسرة أول صورة للتعاون الإنساني. فقد أدرك الإنسان منذ وقت مبكر أن فرص بقائه ونجاحه تزداد كلما اتسعت دوائر التعاون حوله. ومن الأسرة نشأت الجماعة، ومن الجماعة نشأت القبيلة، ومن القبيلة نشأت المجتمعات والدول. ولم يكن هذا التطور قائمًا على التطابق بين الناس، وإنما على إدراك أن التعاون يحقق منافع أكبر من العزلة، وأن العمل الجماعي أقوى من الجهد الفردي مهما بلغت قدراته.

وهذا الدرس لا يقتصر على الأسرة وحدها. فالتجربة الإنسانية مليئة بمجتمعات أكثر تنوعًا من السودان، لكنها نجحت في تحويل هذا التنوع إلى عنصر قوة. فالولايات المتحدة خرجت من حرب أهلية مدمرة لكنها حافظت على وحدتها، والهند تضم تنوعًا هائلًا في اللغات والأديان والثقافات، ومع ذلك استطاعت أن تبني دولة واحدة، كما تمكنت جنوب أفريقيا من تجاوز نظام الفصل العنصري دون أن تنزلق إلى مشروع إقصاء مضاد. ولم تنجح هذه المجتمعات وغيرها لأنها خالية من الخلافات، وإنما لأنها تعلمت كيف تديرها وتستفيد مما تحمله من تنوع.

إن التنوع حين يُدار بصورة صحيحة يصبح مصدر إثراء، وحين يُساء التعامل معه يتحول إلى مصدر انقسام. ومن هنا تبرز أهمية ترتيب الأولويات، لأن إدارة التنوع والخلاف لا تعني فتح كل الملفات في الوقت نفسه، ولا تعني تحويل كل قضية إلى معركة وجودية. فالأولويات ليست ثابتة في كل زمان ومكان، وإنما تتحدد وفق احتياجات المرحلة. وما يكون قضية ملحة في ظرف معين قد يصبح أقل إلحاحًا في ظرف آخر. ولهذا فإن الحكمة لا تكمن في تجاهل القضايا الخلافية، وإنما في معرفة متى يناقش كل موضوع، وما الذي يحتمل التأجيل، وما الذي لا يحتمل الانتظار.

وفي ظروف الحرب تصبح حياة الناس وأمنهم وغذاؤهم ودواؤهم قضايا لا تحتمل التأجيل. أما القضايا الأخرى، مهما كانت أهميتها، فيمكن أن تجد وقتها المناسب دون أن تتحول إلى عائق أمام مواجهة الكارثة القائمة.

غير أن الاستفادة من التنوع لا تحدث تلقائيًا، بل تحتاج إلى مهارات وممارسات تساعد على تحويل الاختلاف إلى قيمة مضافة بدلًا من أن يصبح سببًا للصراع. وأولى هذه المهارات هي الاستماع الحقيقي. فالاستماع لا يعني مجرد سماع الكلمات، وإنما محاولة فهم ما يقصده الطرف الآخر قبل إصدار الأحكام عليه. وكثير من الناس لا يستمعون إلى ما يقوله الآخر بقدر ما يستمعون إلى الصورة المسبقة الموجودة في أذهانهم عنه، فيصبح الحوار بين تصورات مسبقة أكثر منه بين أشخاص حقيقيين.

أما الاستماع الحقيقي فيقتضي تعليق الأحكام المسبقة مؤقتًا، ومحاولة فهم الفكرة كما يقصدها صاحبها لا كما نتوقع نحن أن تكون. فكل طرف قد يتعلم من الآخر، وكل طرف قد يحمل جزءًا من المعرفة أو الخبرة أو الرؤية التي يحتاجها غيره. فالناس لا تتكامل لأنها متشابهة، وإنما لأنها مختلفة، والحوار ليس مجرد وسيلة للإقناع، بل وسيلة لاكتشاف ما ينقصنا من الصورة.

ومن أكثر ما يعطل الاستفادة من هذا التنوع سيطرة عقلية “المعادلة الصفرية”، حيث يُنظر إلى النجاح وكأنه لا يتسع إلا لطرف واحد. ووفق هذه الرؤية يصبح نجاح فكرة الآخر هزيمة لفكرتي، ويصبح قبول جزء من رأيه تنازلًا عن موقفي، ويصبح التوافق نوعًا من الانكسار. لكن العمل الوطني لا يشبه المنافسات الرياضية التي تنتهي بفائز مطلق وخاسر مطلق، فنجاح الوطن لا يُقاس بمن انتصر على من، وإنما بما تحقق للناس جميعًا.

وفي كثير من الأحيان لا يكون التوافق تنازلًا عن المبادئ، وإنما اتفاقًا على ما هو مشترك مع الاحتفاظ بحق الاختلاف فيما سواه. ولهذا فإن التنازل المتبادل من أجل المصلحة العامة قد يكون انتصارًا للوطن أكبر من أي انتصار يحققه طرف بمفرده.

كما أن الاختلاف مع فكرة معينة لا يعني بالضرورة التشكيك في صاحبها أو في وطنيته أو صدقه. فالناس قد تختلف في الوسائل والتقديرات، لكنها قد تكون متفقة في الغايات الكبرى. ويظل التواضع المعرفي ضرورة لا غنى عنها، لأن أحدًا لا يرى الحقيقة كاملة، ولا أحد يحيط بكل جوانب الواقع. ولهذا فإن الحلول الكبرى كثيرًا ما تتشكل من مساهمات متعددة تتكامل مع بعضها بعضًا، كما أن نجاح أي فكرة أو مبادرة لا ينبغي أن يقاس بمن طرحها، وإنما بما تحققه من منفعة عامة.

وفي الوقت نفسه لا ينبغي الخلط بين إدارة الخلاف وبين التغاضي عن الجرائم والانتهاكات. فالخلافات الفكرية والسياسية شيء، والجرائم التي تستوجب المحاسبة القانونية شيء آخر تمامًا. والمجتمعات المستقرة لا تختار بين العدالة والتعايش، وإنما تسعى إلى تحقيقهما معًا.

غير أن المجتمعات لا تستطيع أن تعتمد على الأخلاق وحسن النوايا وحدهما. فالقيم مثل الاستماع والتواضع واحترام المختلف تظل ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لضمان الاستقرار على المدى الطويل. ولهذا تحرص المجتمعات الناجحة على ترجمة هذه القيم إلى قوانين ومؤسسات وآليات عملية تساعدها على إدارة خلافاتها بصورة سلمية ومنظمة. فالدساتير والقوانين والبرلمانات والمحاكم وآليات الحوار والتفاوض لم تنشأ لإلغاء الاختلاف، وإنما لتنظيمه ومنع تحوله إلى صراع مدمر.

ولم يكن المقصود من هذه الحلقة أو الحلقات السابقة تقديم تفسير شامل لكل أسباب تعثرنا وإخفاقاتنا، فذلك أكبر من أن يحيط به مقال أو سلسلة مقالات. وإنما كان المقصود التوقف عند بعض الممارسات والأفكار التي يبدو أنها تسهم في إضعاف قدرتنا على العمل المشترك، سواء في مواجهة الكارثة التي يعيشها السودان اليوم أو في التفكير في مستقبله على المدى البعيد. والغرض من تشخيص المشكلة ليس الاكتفاء بوصفها، كما أن الغرض من نقد ممارساتنا ليس جلد الذات أو إدانتها، وإنما إزالة بعض العوائق التي تمنعنا من التعاون والتفكير الجماعي في المستقبل.

فالبلاد تحتاج اليوم إلى جهود متواصلة لوقف الحرب وتخفيف معاناة الناس وحماية ما تبقى من وحدتها ونسيجها الاجتماعي. وفي الوقت نفسه تحتاج إلى عمل موازٍ لا يقل أهمية، يتمثل في التفكير الجماعي في المستقبل الذي نريده وفي الوطن الذي نحلم ببنائه للأجيال القادمة. وهذان المساران لا يتعارضان، بل يكمل أحدهما الآخر. فالسعي إلى وقف الحرب لا يمنع التفكير في المستقبل، كما أن التفكير في المستقبل لا ينبغي أن يتحول إلى عقبة تعطل الجهود الرامية إلى وقف الحرب ومعالجة آثارها.

ولعل واحدة من أكبر مشكلاتنا التاريخية أننا كثيرًا ما انشغلنا بتغيير الحكومات أكثر من انشغالنا بتحديد الوجهة التي نريد أن تسير إليها البلاد. فتغيرت الأنظمة، وتبدلت الوجوه، وتعاقبت الحكومات، بينما ظل المشروع الوطني الجامع غائبًا أو غير مكتمل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى حوار سوداني واسع لا تحتكره حكومة ولا حزب ولا نخبة، بل يشارك فيه الجميع بقدر ما يستطيعون، من أجل بلورة تصور مشترك للمستقبل، تتعاقب الحكومات على خدمته وتنفيذه، بدلًا من أن تبدأ كل مرة من الصفر.

وإذا كنا قد حاولنا في هذه الحلقة أن نتعلم كيف ندير اختلافاتنا ونستفيد منها، فإن الخطوة التالية هي الانتقال من إدارة الاختلاف إلى التفكير في الغاية المشتركة التي تجمعنا. فالوطن الذي يتسع للجميع لا يُبنى بإلغاء التنوع، وإنما ببناء مشروع وطني يجعل هذا التنوع مصدر قوة لا سببًا للانقسام.

وهذا هو الباب الذي سنحاول الاقتراب منه في الحلقة القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى