أطباء مزيفون وعيادات بلا ترخيص.. كيف تخترق منظومة الصحة في السودان؟

أفق جديد: ابتسام حسن

في قضية تثير تساؤلات بشأن الرقابة على ممارسة المهن الطبية وحماية المجتمع، تكشف واقعة توقيف شخص يُشتبه في انتحاله صفة طبيب ومزاولته العمل لفترة من الزمن، عن مخاطر الجرائم التي تستهدف القطاع الصحي وتمس بصورة مباشرة سلامة المواطنين وأمن المجتمع.

وبحسب ما أعلنته الجهات المختصة، ضُبط بحوزة المشتبه فيه عدد من المستندات والبطاقات التي يُشتبه في عدم مشروعية بعضها، من بينها بطاقة لمزاولة مهنة الطب وبطاقات تعريف رسمية، إلى جانب زي عسكري برتبة قيادية وسلاح شخصي وذخيرة.

وحظيت القضية باهتمام واسع في وسائل الإعلام، بعد تداول صور للمضبوطات استناداً إلى ما أعلنته الجهات المختصة، ما يعكس حجم الاهتمام الشعبي بها، خصوصاً لما تثيره من مخاوف بشأن انتحال الصفات المهنية والرسمية، وما قد يترتب على ذلك من تهديد مباشر لحياة المواطنين وسلامتهم.

ومع ذلك، تظل الاتهامات محل اشتباه إلى حين استكمال الإجراءات القانونية، فيما يبقى الفصل النهائي في مدى ثبوتها من اختصاص القضاء.

الواقع بعد الحرب

على الرغم من الجهود التي تبذلها الجهات المختصة لضبط القطاع الصحي، فإن الإمكانيات المتاحة لا تزال محدودة مقارنة بحجم المؤسسات العلاجية المنتشرة، خصوصاً بعد الحرب التي أسهمت في اتساع نشاط المؤسسات غير المرخصة، ومن بينها مراكز العلاج بالأعشاب التي تروج لخدماتها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من دون الحصول على التصاريح اللازمة.

ويقدم القطاع الصحي الخاص نحو 80 في المئة من الخدمات الصحية في ولاية الخرطوم، التي تستحوذ بدورها على نحو 80 في المئة من المؤسسات العلاجية الخاصة في السودان، ما يضاعف حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجهات الرقابية، في ظل اتساع نطاق العمل الصحي وتحديات الرقابة على المؤسسات والكوادر العاملة فيها.

وفي إطار استئناف إدارة المؤسسات العلاجية الخاصة بولاية الخرطوم حملاتها التفتيشية، أعلنت وزارة الصحة ضبط عدد من المؤسسات العلاجية الخاصة التي تعمل من دون ترخيص، في خطوة تعكس حجم التحديات التي تواجه تنظيم القطاع الصحي، وسط مخاوف من أن يؤدي انتشار الممارسات غير النظامية إلى تهديد مباشر لسلامة المرضى وتقويض الأمن الصحي.

تجارب واقعية

يقول مدير إدارة المؤسسات العلاجية الخاصة بولاية الخرطوم السابق د. محمد عباس فوراوي: من واقع تجربتي العملية، فإن نحو 95% من المؤسسات العلاجية غير المرخصة التي تم ضبطها كانت تحتوي على مخالفات صحية أو قانونية، بعضها ناتج عن الإهمال، وبعضها الآخر متعمد لتحقيق مكاسب مادية على حساب صحة المواطنين.

وأوضح فوراوي في تصريح لـ(أفق جديد) أن خطورة هذه المؤسسات تكمن في أنها لا تكون مسجلة لدى وزارة الصحة، وبالتالي لا تخضع لبرامج الإشراف والتفتيش الدوري، مما يفتح الباب واسعاً لممارسة مخالفات قد تهدد حياة المرضى دون رقيب أو محاسبة.

أخطاء شائعة

خلال حملات إعادة الترخيص السابقة، حسب تجارب فوراوي، فإن ولاية الخرطوم أعادت ترخيص 805 عيادات كانت تعمل دون ترخيص، رغم أن معظم أصحابها أطباء مرخص لهم بمزاولة المهنة. وهنا يقع كثير من الأطباء في خطأ شائع، وهو الاعتقاد بأن ترخيص مزاولة المهنة يغني عن ترخيص المنشأة العلاجية، بينما القانون يشترط الترخيصين معاً.

وكشفت الحملات عن مخالفات بالغة الخطورة. ففي عام 2014، تم ضبط عيادة لاستشاري نساء وتوليد معروف – رحمه الله – كان يجري عمليات نساء وتوليد داخل العيادة باستخدام التخدير، بما في ذلك عمليات إجهاض، بالمخالفة للاشتراطات المنظمة. وتم إغلاق العيادة وفتح بلاغ في مواجهته.

كما تبين أن عدداً كبيراً من العيادات تجاوز النشاط المرخص له، بممارسة عمليات جراحية صغرى وبيع الأدوية داخل العيادات، رغم أن بيئة العيادة في كثير من الأحيان لا تستوفي شروط حفظ الأدوية، مما يعرضها للتلف بسبب سوء التخزين.

وزاد فوراوي أنه حتى الأدوية التي يحتفظ بها بعض الأطباء باعتبارها عينات مجانية، فإن ضررها قد يفوق نفعها إذا تم تخزينها داخل الأدراج أو في أماكن تفتقر إلى التهوية المناسبة، خاصة بعد انتهاء ساعات العمل وإغلاق العيادات.

انتحال صفة الأطباء

وحسب المتابعات، أسفرت الحملات التفتيشية آنذاك عن فتح نحو 304 بلاغات ضد منتحلي صفة الأطباء والكوادر الطبية.

ومن أشهر تلك القضايا قضية الطبيب المزيف “حامد” عام 2014، حيث كانت عيادته تعج بالمرضى بصورة لافتة. وقال مدير المؤسسات: “بالتنسيق مع مباحث حماية المستهلك، شاركت شخصياً في كمين لضبطه، متقمصاً دور أحد المرضى، وكان ترتيبي في الكشف رقم (62)، رغم حضوري قبل الفجر”.

كانت رسوم الكشف لدى الطبيب أعلى من رسوم كثير من الأطباء الاختصاصيين، وكان سر الإقبال عليه ما عُرف بين الناس بـ”الحقنة السحرية” التي كان يزعم أنها تعالج معظم الأمراض.

وعندما جاء دوري، أخبرني بأنني أعاني من أزمة صحية حادة وأحتاج إلى تلك الحقنة بصورة عاجلة، رغم أنني كنت في كامل صحتي. وبعد ضبطه وفحص الحقنة، اتضح أنها تحتوي على الكورتيزون، وهو دواء له استخدامات طبية محددة، لكنه قد يسبب مضاعفات خطيرة وربما قاتلة إذا استُخدم بصورة عشوائية أو دون إشراف طبي.

ويحكي مدير المؤسسات أنه خلال مقابلة المرضى، فوجئنا بأن بعضهم تلقى أكثر من 40 حقنة من هذا الدواء. وعندما تم توضيح الحقيقة لهم، انهار عدد منهم بالبكاء بسبب الثقة الكبيرة التي كانوا يضعونها في ذلك الشخص.

وتولت وزارة الصحة علاج المتضررين وسحب الدواء تدريجياً، لأن إيقاف الكورتيزون بصورة مفاجئة قد يؤدي إلى متلازمة أديسون، وهي حالة خطيرة قد تهدد الحياة.

ورغم فتح بلاغ في مواجهة المتهم، أُطلق سراحه بالضمان العادي، وتمكن من مغادرة السودان قبل محاكمته.

أكبر المهددات

بحسب مختصين، يمثل وجود أطباء أو كوادر طبية مزيفة أحد أخطر التهديدات التي تواجه الأمن الصحي، بالنظر إلى الدور المحوري الذي يؤديه الطبيب في تشخيص الحالات ووضع الخطط العلاجية، فضلاً عن اعتماد اختصاصيي المختبرات والأشعة على توجيهاته لاستكمال مراحل التشخيص والعلاج.

ويحذر المختصون من أن انتحال صفة الطبيب أو ممارسة المهنة من جانب أشخاص غير مؤهلين قد يقود إلى سلسلة من الأخطاء الطبية، تبدأ بتشخيص غير صحيح، مروراً بفحوصات غير دقيقة، وصولاً إلى وصف علاجات خاطئة، قد تفضي إلى مضاعفات صحية خطيرة أو حتى وفاة المرضى.

ولا يتوقف الخطر عند حدود التشخيص والعلاج، إذ قد يمتد إلى نقل أمراض معدية، مثل التهاب الكبد الفيروسي أو فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، نتيجة عدم الالتزام بمعايير مكافحة العدوى، أو سوء تعقيم الأدوات الطبية، أو عدم استخدام وسائل الوقاية الشخصية، ما يحول الممارسة الطبية غير النظامية إلى خطر يتجاوز المريض ليهدد الصحة العامة.

الواقع الرقابي بعد الحرب

رغم الجهود التي تبذلها الجهات المختصة، فإن الإمكانيات المتاحة لا تزال لا تكفي لتغطية سوى نسبة محدودة من المؤسسات العلاجية المنتشرة، في وقت أدى فيه اندلاع الحرب إلى اتساع نشاط المؤسسات غير المرخصة، لا سيما مراكز العلاج بالأعشاب التي تروج لخدماتها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من دون الحصول على التصاريح اللازمة.

ويقدم القطاع الصحي الخاص نحو 80 في المئة من الخدمات الصحية في ولاية الخرطوم، التي تضم بدورها نحو 80 في المئة من المؤسسات العلاجية الخاصة في السودان، ما يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجهات الرقابية، في ظل اتساع القطاع وتراجع القدرة على الإشراف والمتابعة الميدانية.

لإصلاح القطاع

يؤكد فوراوي على ضرورة إحكام الرقابة على القطاع الصحي الخاص، الذي يتطلب إجراءات عملية، من أهمها إنشاء نيابة ومحكمة متخصصتين في الجرائم الصحية، والتطبيق الصارم لقانون المؤسسات العلاجية الخاصة وقانون الصيدلة، وعدم الاكتفاء بالغرامات المالية.

ومراجعة العقوبات الواردة في قانون المؤسسات العلاجية الخاصة، بما يتناسب مع خطورة الجرائم والتضخم الاقتصادي، وعدم الإفراج بالضمان عن المتهمين في القضايا التي تمس صحة المواطنين إلى حين الفصل فيها قضائياً، والاستعانة بمستشارين طبيين خلال مراحل التحقيق والمحاكمة لتوضيح الأبعاد الفنية للجرائم الطبية، وتكوين مجلس أو آلية رقابية مشتركة تضم وزارة الصحة، وإدارة المؤسسات العلاجية الخاصة، وإدارة الصيدلة، ومجلس الصيدلة والسموم، والمجلس الطبي، والمجلس القومي للمهن الطبية والصحية، وشرطة مباحث الصحة، ونيابة ومحكمة الصحة، وجهاز الأمن والمخابرات، وجمعية حماية المستهلك، لضمان التنسيق الكامل وسد الثغرات التي قد يستغلها المخالفون.

إن حماية صحة المواطن ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة، وأي تهاون في إحكام الرقابة على المؤسسات العلاجية ستكون كلفته أرواحاً بشرية يصعب تعويضها.

خطورة الظاهرة

تعد الظاهرة خطيرة، إذ إنها تعرض حياة المرضى للخطر نتيجة التشخيص والعلاج بواسطة أشخاص غير مؤهلين، وتزيد احتمالات الأخطاء الطبية والمضاعفات التي قد تؤدي إلى إعاقات أو وفيات.

وتقوض ثقة المواطنين في الأطباء والمؤسسات الصحية، وتسيء إلى سمعة المهن الصحية والكوادر المؤهلة، وتضعف هيبة مؤسسات الدولة عند انتحال الصفات الرسمية أو استخدام وثائق غير مشروعة.

مفارقة تستوجب المراجعة

يقول خبير الصحة العامة وصحة البيئة عبد الماجد مردس أحمد: من أكثر الجوانب إثارة للتساؤل أن الشخص المشتبه فيه، الذي كان واحداً من أسباب تفجير القضية، كان – بحسب المعلومات المتداولة – يدير عيادة خاصة في أحد أكبر شوارع مدينة كوستي، أكبر مدن ولاية النيل الأبيض، وهي مدينة تضم عدداً كبيراً من الأطباء والاستشاريين وأساتذة كليات الطب، إلى جانب المؤسسات الصحية المدنية والعسكرية.

وهذه المفارقة تفرض مراجعة علمية وإدارية لآليات الرقابة، والإجابة عن سؤال مهم: كيف تمكن من ممارسة هذا النشاط لفترة زمنية قبل اكتشافه؟ والإجابة ينبغي أن تقود إلى معالجة الثغرات في منظومة الترخيص والتفتيش والحوكمة، وليس الاكتفاء بالتركيز على الواقعة وحدها.

الدروس المستفادة

تؤكد هذه القضية أهمية تعزيز الحوكمة والرقابة على المهن الصحية، والتحول إلى أنظمة إلكترونية للتحقق من تسجيل وترخيص الممارسين، وتكثيف التفتيش الدوري والمفاجئ على المنشآت الصحية، وتعزيز التكامل بين وزارة الصحة والمجلس الطبي والأجهزة الأمنية والنيابة العامة والجهات العدلية، وتطبيق القانون بحزم على كل من يثبت تورطه في انتحال المهن الصحية أو تزوير الوثائق الرسمية.

دور المجتمع في مكافحة الظاهرة

ويقول مردس: لا تقتصر مسؤولية مكافحة انتحال المهن الصحية على الجهات الرسمية، بل إن المجتمع يمثل شريكاً أساسياً في حماية الصحة العامة. ويكون ذلك من خلال:

التأكد من أن مقدم الخدمة الصحية يعمل في منشأة مرخصة ويحمل ترخيصاً سارياً.

والإبلاغ الفوري لوزارة الصحة أو الأجهزة الأمنية أو النيابة العامة عن أي ممارسات أو أشخاص يثيرون الشك في قانونية مزاولتهم للمهنة.

وعدم التعامل مع العيادات أو المراكز الصحية غير المعروفة أو التي تفتقر إلى التراخيص الواضحة.

ونشر الوعي بين أفراد المجتمع بحقوق المرضى وأهمية تلقي العلاج من ممارسين مؤهلين.

ودعم جهود الجهات المختصة، وتجنب تداول الشائعات أو إطلاق الاتهامات دون أدلة، مع احترام سير العدالة.

واعتبر خبير الصحة العامة، في تصريح لـ(أفق جديد)، أن يقظة المجتمع، إلى جانب كفاءة الأجهزة الصحية والرقابية والعدلية، تمثل خط الدفاع الأول لحماية الأرواح وصون المهن الصحية. فكل بلاغ مسؤول، وكل معلومة موثقة، قد تسهم في كشف ممارسات غير مشروعة ومنع وقوع ضحايا جدد.

وقال: إن هذه القضية يجب أن تكون منطلقاً لتعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة، وتطوير نظم الرقابة والتحقق من مؤهلات الممارسين الصحيين، بما يحفظ سلامة المرضى ويعزز ثقة المواطنين في النظام الصحي. كما تؤكد أن حماية الصحة العامة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وأن الوقاية من مثل هذه الظواهر لا تقل أهمية عن كشفها بعد وقوعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى