نهاية المونديال: عودة السودانيين لليأس والحرمان

مغيرة حربية
ما أن أطلق حكم المباراة الختامية في كأس العالم صافرة النهاية، حتى عاد الصمت إلى البيوت، وعاد السودانيون إلى واقعهم المؤلم، بعد أربعين يومًا بدت كافية ليؤجل السودانيون أحزانهم، وعاش فيها كثيرون على مواعيد المباريات، واختلاف التوقعات، وصخب المقاهي، وأعلام المنتخبات التي رفرفت فوق رؤوس أنهكتها الحرب. بدا كأس العالم، ولو مؤقتًا، هدنة نفسية نادرة في بلدٍ اعتاد أن يستيقظ على الأخبار الثقيلة.
يقول الشاعر الأصمعي باشري: “انتهت السَّكرة، وحضر الإحساس القاسي بما تركته الحرب من خراب في الأرواح قبل المدن. اختفت الأحاديث عن الخطط التكتيكية والنجوم، وحلّت محلها أحاديث الكهرباء المقطوعة، وغلاء المعيشة، والنزوح، والانتظار الطويل لأخبار الغائبين”.
ويذهب باشري إلى أن كرة القدم لا تُغيِّر الواقع، لكنها تمنح الناس استراحة قصيرة من ثقله، لهذا بدا انتهاء المونديال بالنسبة لكثيرين أشبه بانطفاء نافذة كانت تُدخل قليلًا من الضوء إلى غرفة مزدحمة بالعتمة: “لم يكن الحزن على نهاية البطولة وحدها، لكنه أيضًا على العودة القسرية إلى حياة لم تمنح أصحابها فرصة لالتقاط أنفاسهم، ففي السودان، لم تكن مباريات كأس العالم مجرد منافسة رياضية، لقد كانت مساحة مشتركة للفرح العابر”. يقول في حديث لـ”أفق جديد”: “اجتمع الناس حول شاشة واحدة، واختلفوا حول المنتخبات، وضحكوا، وصفقوا، ونسوا، ولو لساعات، أسماء البنادق وخطوط الجبهات. كان ذلك ترفًا إنسانيًا افتقدوه طويلًا”.
يذهب محمد المجتبى، وهو شاب يقطن منطقة الكمير غربي شندي، ويقود فريقًا للناشئين، إلى أنه عانى طوال أيام البطولة من تتبع المباريات بسبب توقيتها الحرج من جهة، وتوالي انقطاع التيار الكهربائي من جهة أخرى، ويقول إن المعاناة امتدت حتى المباراة الأخيرة التي شجع فيها إسبانيا على حساب الأرجنتين، لكن التيار الكهربائي انقطع مع صافرة الحكم، منهيًا الشوط الأول، مما اضطرهم لمتابعة بقية المباراة عبر شبكة الإنترنت المتذبذبة هي الأخرى.
يحتشد ديوان المجتبى بالأصدقاء والمعارف لمتابعة المباريات وسط أجواء أهلية وودية مرحة، وهو الديوان الذي استقبل عشرات النازحين أيام الحرب والنزوح. يقول في حديث مع “أفق جديد”: “تابعنا النسخة الماضية من المونديال من خلال شاشات نادي الحي، وفي هذه النسخة لم نستطع تشغيل النادي لأن أسرة نازحة لا تزال تقطن فيه”. يضيف: “بالنسبة لي كان المونديال فرصة نادرة لأتعلم من المدربين العالميين وأطبق الخطط على فريقي، لكن أغلب المباريات شاهدتها من الملخصات، هذا ليس كافيًا، فأنا أريد أن أصبح مدربًا، وليست هناك أي جهة تراعي صغار المدربين”.
بدوره يخبر الشيخ عابدين، ويقطن منطقة كرري، أنه ظل يتابع مباريات نهائي كأس العالم من أيام زيكو وسقراط وإلدر، في النسخة التي انعقدت في إسبانيا وفازت بها إيطاليا بقيادة باولو روسي عام 1982: “من يومها لم أفوّت لقطة في النهائيات، لكن في هذه النسخة لم أشاهد سوى شوط أول واحد في مباراة الافتتاح بسبب انقطاع الكهرباء، وتوقيت المباريات، وأوضاع البلاد عمومًا بسبب الحرب”. ويضيف عابدين: “شغف السودانيين بنهائيات المونديال كبير، لكننا حرمنا من متابعة هذه النسخة الأخيرة”.
يصف هاشم الجبلابي، الذي يقطن مدينة أم درمان، كأس العالم بالمهرجان الكروي المحبب لعشاق كرة القدم من السودانيين خاصة: “يتابعونه بشغف”. يقول، ومن ثم يضيف في حديثه مع “أفق جديد”: “في المونديال السابق بقطر كانت فرصة المشاهدة متاحة، بحيث كانت المحليات تقوم بتوزيع عدد من الشاشات على مراكز الشباب والأندية، بالإضافة إلى العديد من المحال التجارية الكبرى في الشوارع الرئيسة كدعاية وإعلان لها، ولكن في هذا العام لم تتوفر مثل هذه الميزات والفرص للمشاهدة، بالإضافة إلى الأسعار الباهظة للجهاز الخاص بـbeIN Sports، وكذلك العديد من المباريات كانت تقام في أوقات متأخرة بعد منتصف الليل تزامنًا مع سوء الظروف الأمنية، ما اضطر الناس للجوء إلى أجهزة هواتفهم وتغذيتها بباقات الإنترنت بأسعار باهظة الثمن”.
يستقطع الجبلابي من منصرفه الشهري مبلغ الـ50 ألف جنيه لشراء باقة إنترنت تكفي لمشاهدة أغلب المباريات، وليس جميعها، مثلما يقول، ومن ثم يضيف بحسرة: “انتهى الكرنفال الكروي البهيج، وانقطع التواصل بين الأصدقاء والمعارف، وتوقفت المناكفات والمزاح، وعاد الجميع إلى واقعهم المضني، وتحسس المعاناة من انقطاع الكهرباء والمياه، ومتابعة أخبار الحرب اللعينة التي لم تنتهِ بعد”.
ويعود الأصمعي باشري بالقول: “اليوم، بعد انقضاء البطولة، يبدو الفراغ أوسع من مجرد غياب المباريات. إنه فراغ المعنى، وفراغ الأمل المؤجل، وفراغ الحياة الطبيعية التي يحلم بها السودانيون. ومع ذلك، فإن الشعوب التي تعرف كيف تفرح رغم الألم، هي نفسها التي تعرف كيف تتمسك بالأمل رغم قسوته. فربما انتهى كأس العالم، لكن المباراة الأصعب، مباراة استعادة الوطن، ما تزال مستمرة، وتحتاج إلى صبرٍ أطول من أربعين يومًا، وإلى إرادةٍ لا تنتهي مع صافرة الختام”.





