قصة نجاة كلفت امرأة عشرين عامًا من السجن

محمد عبد الباقي
في ذلك الصباح الذي تغير فيه كل شيء، لم تكن حليمة المبارك تنظر من نافذة منزلها الكبير في الرهد إلى الشارع، بل كانت تنظر إلى المستقبل وهو ينهار أمام عينيها.
كانت تعرف أن المدينة سقطت.
وتعرف أكثر من غيرها ماذا يعني ذلك.
زوجها لواء في الجيش السوداني، والجيش غادر المدينة تاركًا وراءه آلاف المدنيين يواجهون مصيرهم وحدهم. أما هي، فلم يبق بينها وبين الخطر سوى باب خشبي مغلق، وفتاة في الخامسة عشرة من عمرها ترتجف في إحدى الغرف.
ثم جاء الطرق.
لم يكن طرقًا عاديًا.
كان الطرق الذي تعرف معه أن الحياة السابقة انتهت، وأن القرار الذي ستتخذه في الدقائق التالية قد يحدد إن كانت ستعيش، أم ستُدفن هي وابنتها داخل ذلك المنزل.
ساد صمت ثقيل.
كانت تسمع دقات قلبها أعلى من أصوات الجنود الواقفين في الخارج.
لم تفكر كثيرًا.
فتحت الباب.
قبل الحرب، كانت حليمة واحدة من أشهر نساء مدينة الرهد. تجاوزت الخمسين بقليل، لكنها ظلت حاضرة في كل مناسبة. يعرفها الناس بكرمها، وبقدرتها على حل المشكلات، وبأنها لا تترك محتاجًا دون مساعدة، ولا عزاءً دون مواساة، ولا فرحًا دون حضور.
كان بيتها مفتوحًا دائمًا.
ولم يخطر ببالها أن يصبح هذا البيت نفسه مسرحًا لأصعب امتحان في حياتها.
في مايو 2023، وبعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، دخلت قوات الدعم السريع مدينة الرهد عقب انسحاب الجيش.
لم تعد المدينة تشبه نفسها.
اختفت الدولة.
اختفى الجنود الذين كان يفترض أن يحموا السكان.
وبقي المدنيون وحدهم أمام القوة الجديدة التي فرضت سيطرتها على الشوارع والأحياء.
وبالنسبة لحليمة، كانت المخاوف مضاعفة.
فهي ليست امرأة عادية في نظر من دخلوا المدينة، بل زوجة ضابط كبير في الجيش.
وفي مثل تلك الأيام، كانت هذه الصفة وحدها – بحسب أقاربها – قد تتحول إلى حكم بالإعدام، أو سببًا لانتهاكات لا يمكن التنبؤ بها.
حين دخل الجنود منزلها، لم تصرخ.
لم تتوسل.
لم تدخل في مواجهة تعرف أنها خاسرة.
بحسب روايات أقاربها، طلبت منهم الجلوس في صالون المنزل، ثم ذبحت عددًا من الخراف وأعدت الطعام لهم.
لم يكن ذلك احتفالًا بقدومهم.
كان محاولة يائسة لإبعاد الموت عن الباب.
كانت، في نظرها، تشتري ساعات إضافية من الحياة.
وكان الثمن خرافًا وطعامًا وابتسامة تخفي خلفها خوفًا لا يراه أحد.
لكن الطعام وحده لم يكن كافيًا.
في منزل واسع، تتصدره صورة زوجها الضابط، كانت حليمة تدرك أن الخطر لن يختفي بهذه السهولة.
فكرت بسرعة.
ثم اقترحت على الجنود، بحسب أقاربها، أن يقيموا في عدد من المنازل التي يملكها أقاربها، وهي منازل كانت تعتقد أنها ستصبح تحت سيطرة القوات على أي حال.
كانت ترى أنها تمنحهم ما سيأخذونه بالقوة أصلًا، مقابل أن يتركوا بيتها وابنتها بعيدتين عن الأذى.
يقول أحد أقاربها:
“لم تكن تساعدهم بقدر ما كانت تقايضهم على حياتها ونجاة ابنتها. كل ما كانت تريده أن تظل هي وابنتها على قيد الحياة.”
شيئًا فشيئًا، خف التوتر.
وبحسب الأسرة، أصبحت هناك تعليمات بين أفراد القوة بعدم التعرض لمنزلها أو لابنتها أو لأقاربها في الحي.
لم يكن ذلك انتصارًا.
بل هدنة مؤقتة مع الخوف.
امتدت سيطرة الدعم السريع على الرهد أربعةً وعشرين شهرًا.
وخلال تلك الفترة، لم تغادر حليمة المدينة.
لم تحمل سلاحًا.
ولم تشارك في القتال.
كانت، بحسب رواية أسرتها، تفعل ما تراه ضروريًا للبقاء: تقدم الطعام، وتظهر الاحترام، وتحاول أن تبقي باب بيتها مغلقًا على ابنتها كل مساء.
كانت تؤمن أن هذه المرحلة ستنتهي يومًا.
ولم تكن تعرف أن الحساب الحقيقي سيبدأ بعد نهايتها.
في السابع عشر من فبراير 2025، عاد الجيش إلى الرهد.
تنفس كثيرون الصعداء.
أما حليمة، فلم يمض وقت طويل حتى أصبحت واحدة من أكثر المطلوبين لدى الخلية الأمنية، وهي جهاز أمني وعسكري يصفه مقربون منها بأنه يضم مدنيين وعسكريين، ولا يعرف كثيرون هيكله القيادي.
ألقي القبض عليها.
ثم بدأت التحقيقات.
وفجأة، تحولت الخراف التي ذبحتها إلى دليل.
وأصبح الطعام تهمة.
وأضحت مفاتيح المنازل قرينة على التعاون مع العدو.
كل ما فعلته لتنجو، أصبح لاحقًا صحيفة اتهام.
في يونيو الماضي، وقفت للمرة الأخيرة أمام المحكمة.
كانت تعتقد أن شرح الظروف التي عاشتها سيكون كافيًا.
قالت، وفق رواية أقاربها، إن قوات الدعم السريع هي التي جاءت إلى منزلها، لا أنها ذهبت إليها.
وإنها كانت زوجة لواء في الجيش، وهي صفة جعلتها وابنتها في دائرة الخطر.
وإن كل ما قامت به كان بدافع حماية طفلتها الوحيدة.
لكن المحكمة لم تقتنع بهذا التفسير.
وصدر الحكم.
عشرون عامًا خلف القضبان.
داخل زنزانة في سجن الأبيض، تقضي حليمة سنوات الحكم، بينما بقي السؤال الذي يطارد آلاف الأسر السودانية أكبر من قضيتها وحدها.
ماذا كان يُنتظر من امرأة تُركت وحدها في مدينة انسحب منها الجيش، وأصبحت تحت سيطرة قوة مسلحة تخشاها؟
هل كان عليها أن تواجه الجنود وحدها؟
أم أن تحاول النجاة بما تملك من حيلة، حتى لو دفعت ثمن تلك الحيلة لاحقًا؟
قصة حليمة ليست مجرد قضية جنائية، بل نافذة على معضلة عاشها آلاف المدنيين الذين وجدوا أنفسهم تحت سلطة أمر واقع فرضته الحرب. ففي تلك اللحظات، تداخلت الحدود بين التعايش القسري والتعاون الطوعي، وبين البقاء على قيد الحياة والاتهام بالخيانة.
ولذلك، فإن قضية “المتعاونين” لا تتعلق فقط بما فعله الأفراد، وإنما أيضًا بالسؤال الأصعب الذي ما زال بلا إجابة:
كيف يُحاسب المدني الذي تُرك وحيدًا بين بندقيتين، بعدما غابت الدولة وغابت الحماية؟
وربما سيظل هذا السؤال، أكثر من أي حكم قضائي، أحد أكثر الأسئلة إيلامًا التي خلفتها الحرب السودانية.





