عقوبات واشنطن التي ترفضها الخرطوم .. هل تعيد السودان إلى الماضي أم تدفعه نحو المستقبل؟

حاتم أيوب أبو الحسن
لا يمكن قراءة العقوبات الأمريكية الجديدة على السودان بمعزل عن المشهد السياسي والعسكري الأوسع. فهي ليست مجرد إجراء عقابي، ولا حدثًا منفصلًا، وإنما جزء من محاولة دولية لإعادة تشكيل مسار الأزمة السودانية بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي أنهكت الدولة والمجتمع.
رفض الخرطوم للعقوبات يعكس رؤية تعتبرها انتهاكًا للسيادة ومحاولة لفرض إرادة خارجية. لكن في المقابل، ترى واشنطن أن الضغط الاقتصادي والسياسي أصبح إحدى الأدوات القليلة المتبقية لدفع الأطراف نحو تسوية سياسية، خاصة بعد تعثر المبادرات السابقة.
السؤال الحقيقي ليس: هل العقوبات عادلة أم ظالمة؟
بل إلى أين يمكن أن تقود السودان؟
إذا تعاملت السلطة معها بمنطق المواجهة فقط، فإن البلاد قد تدخل مرحلة أشبه بما عاشته في العقود السابقة: مزيد من العزلة، وتراجع الاستثمار، وصعوبة إعادة الإعمار، واستمرار الاقتصاد في الاعتماد على الحلول المؤقتة. وهذه ستكون عودة إلى الماضي بكل أزماته.
أما إذا أصبحت العقوبات عنصرًا ضاغطًا يدفع جميع الأطراف إلى وقف الحرب والدخول في تسوية سياسية شاملة، فقد تتحول إلى محطة انتقال نحو مستقبل مختلف، يقوم على استعادة مؤسسات الدولة وفتح الباب أمام إعادة الإعمار وعودة السودان إلى النظامين الإقليمي والدولي.
لكن ذلك لن يحدث تلقائيًا. فالعقوبات وحدها لا تصنع السلام، كما أن رفعها وحده لا يبني دولة. التجارب السودانية أثبتت أن المشكلة الأساسية ليست في العقوبات، بل في غياب مشروع وطني يجمع السودانيين حول دولة واحدة وجيش واحد ومؤسسات مدنية فاعلة.
المؤشرات الحالية توحي بأن المجتمع الدولي لم يعد يركز فقط على وقف إطلاق النار، بل على صياغة ترتيبات سياسية وأمنية تمنع عودة الحرب مرة أخرى. لذلك تبدو الضغوط الأمريكية جزءًا من عملية أكبر هدفها إعادة هندسة المشهد السوداني، وليس مجرد معاقبة الحكومة.
يبقى مستقبل السودان مرهونًا بقدرة السودانيين أنفسهم على تحويل الضغوط الخارجية إلى فرصة داخلية. فإذا استمرت الحرب، فلن تكون العقوبات سوى حلقة جديدة في مسلسل الانهيار. أما إذا نجحت القوى الوطنية في التوافق على مشروع دولة موحدة، فإن هذه المرحلة قد تصبح نقطة بداية لعهد جديد.
إن السودان اليوم يقف بين مسارين: مسار يعيد إنتاج العزلة والصراع، ومسار يفتح الباب لوقف الحرب وبناء دولة حديثة تستند إلى المواطنة وسيادة القانون. والقرار في نهاية المطاف لن تصنعه العقوبات، بل ستصنعه الإرادة السياسية السودانية، ومدى استعدادها لتقديم مستقبل الدولة على مكاسب الحرب.





