الرقابة في المسرح السوداني

السر السيد

السر السيد

لا جدال حول أن المسرح فن مرتبط، ومنذ نشأته، بأسئلة المجتمع، مما يعني أنه على تماس مع السلطة بتحلياتها كافة، بحسبانها هي من تتحكم في المجال العام. لذلك لم يكن غريبًا على المسرح وفي كل حقبه، أن يكون عرضة لأنماط من الرقابة السياسية والمجتمعية، تبدأ من النص وتصل في بعض الأحيان إلى العرض، بمنعه أو إيقافه أو المطالبة بتعديل بعض مشاهده أو حذفها. وكما للمسرح تاريخ، كان للرقابة تاريخ؛ فهي الآن ليست كما كانت في السابق. فمع الدولة الحديثة أصبحت أكثر مؤسسية، فظهرت لجان النصوص ولجان المشاهدة وتقاليد دور العرض المسرحي، حكومية كانت أو مستقلة، التي يتحدد عبرها ما يسمح بعرضه وما لا يسمح بعرضه.

الرقابة في المسرح السوداني؟

الرقابة التي أعنيها في هذا المقال هي الرقابة المؤسسية التي تنهض على معايير بعينها؛ فنية كانت أو سياسية أو أخلاقية، وتصدر أحكامًا واجبة التنفيذ. وهي بهذا المعنى غير الرقابة المجتمعية التي تقوم على وجهات نظر تتأسس، في الغالب، على افتراض أن هذا العرض أو ذاك مفارق لما يسميه البعض «الذوق العام»، أو ضد ما يعتبره البعض «ثوابت المجتمع»، كالآراء التي يكتبها صحفيون أو تلك التي تأتي من فئات مجتمعية مؤثرة كأئمة المساجد.

وهي رقابة، وإن كانت مؤثرة، لكنها غير نافذة في بعض الأحوال ونافذة في حالات أخرى. فمع حملات بعض أئمة المساجد ضد الأستاذ ميسرة السراج لأنه أتى بعنصر نسائي في حقل التمثيل، أو ضد الفاضل سعيد وخالد أبوالروس لقيامهما بتمثيل دور المرأة، مما يعتبر تشبهًا بالنساء في فهم أولئك الأئمة، إلا أنهم لم ينجحوا في تخويف أولئك الرواد وإيقافهم، على عكس الأزهر الشريف الذي نجح في سبعينيات القرن الماضي في منع مسرحية «الحسين شهيدًا» من أن تعرض في مصر، ولا يزال المنع مستمرًا برغم تكرار المحاولة من المخرج المصري الكبير جلال الشرقاوي، كما جاء في حوار له مع الإعلامية المصرية الشهيرة هالة سرحان. وقد يعود هذا إلى أن الأزهر الشريف يتمتع بحصانة سياسية، إضافة إلى سلطته الدينية.

يمكن القول إن جينات الرقابة في المسرح السوداني قد بدأت في التخلق منذ أواخر العشرينيات وبداية ثلاثينيات القرن الماضي. فقد ذكر الرائد المسرحي الأستاذ خالد أبوالروس 1908–1985، في سياق حديثه عن مسرحية «تاجوج»، كما في دراسة غير منشورة بعنوان «تاجوج وصديق فريد» للناقد المسرحي السوداني عصام أبوالقاسم:

«إنهم لما ذهبوا لمقابلة الشيخ بابكر بدري الذي سينتج مسرحية تاجوج وجدوا معه المسرحيين الشهيرين خلال فترة العشرينيات وبداية الثلاثينيات الممثل والمخرج صديق فريد؛ والمؤلف والمخرج عبيد عبد النور اللذين شكلا ومعهم بابكر بدري ما يماثل (لجنتي النصوص والمشاهدة) في أيامنا هذه؛ فثلاثتهم قدموا ملاحظات حول النص وحول العرض فقد ذكر عصام أن بابكر بدري قال عن المسرحية: (فلما عرضوها علي وجدتها ناقصة حتى في هيكلها فضلًا عن إخراجها فأخذنا في إصلاحها كل ليلة وكلما وجدت فيها فجوة بين حادثتين أكتب لهم ما يسد المعنى في هذه الفجوة نثرًا فينظمه الشيخ خالد عبدالرحمن نظمًا ينسجم تمامًا في مكانه)؛ ويذكر عصام كذلك أن أبوالروس قال: (( قدمنا المسرحية أمامهم – يقصد – بابكر بدري وصديق فريد وعبيد عبدالنور.. كان الإخراج ضعيفًا وكان كل ما نعرفه عن الإخراج بضع كلمات سمعناها من صديق فريد وهو يخرج مسرحيات نادي الخريجين.. أعاد بدري وصديق تدريبنا حتى وقفت المسرحية على أقدامها ))».

نحن هنا أمام رقابة فنية تدخلت في النص والعرض بهدف أن يكونا أكثر جودة، وبالطبع كان هذا التدخل مبنيًا على المعايير الفنية السائدة آنذاك، التي بها تتحدد جودة المنتج المسرحي نصًا أو عرضًا.

تزامنًا مع تبلور الحركة الوطنية، والتي كان رهانها الأكبر على الثقافة والصحافة، ازدادت وتيرة النشاط المسرحي، فاتخذ من الأندية والمدارس فضاءً لاشتغاله، مما سبب انزعاجًا للسلطة الاستعمارية البريطانية التي عملت على إخضاع المجال العام لمراقبة السلطة، خاصة بعد ثورة 1924.

وبما أن المسرح السوداني في ذلك الوقت قد عبّر في مضامينه عن موضوعات وقضايا على صلة بالهوية والتنمية ومقاومة المستعمر، لم يكن بعيدًا عن متابعة قلم المخابرات الذي كان راصدًا ومراقبًا للأنشطة الثقافية والصحفية. فقد ذكر أبوالروس في مذكراته غير المنشورة أن استجوابًا تم له بخصوص مسرحية «تاجوج ومحلق» التي كتبت في العام 1932.

ولا غرابة هنا؛ فقد أصدرت السلطة الاستعمارية في العام 1930 أول قانون للصحافة والمطبوعات، منح الإدارة الاستعمارية سلطات واسعة في الترخيص ومنع النشر والإغلاق.

مع استجواب أبوالروس من قلم المخابرات البريطانية بدأت الرقابة المؤسسية ذات المرجعية السياسية على المسرح، لتستمر هي والرقابة «الفنية» مع الأنظمة الوطنية منذ العام 1956 وإلى الآن، مع اختلافات هنا وهناك؛ تبعًا لفلسفة وسياسات كل نظام ورؤيته للمسرح وموقفه من الحريات.

الرقابة في المسرح القومي:

يمكن القول إن العام 1967 كان بمثابة البداية «التأسيسية» للمسرح السوداني، كما في بعض الأقوال، إذ إنه العام الذي أصبح فيه مبنى المسرح القومي، والذي تم تشييده في العام 1959، مكانًا لتقديم العروض المسرحية. فقد كان قبل ذلك مكانًا لتقديم الحفلات الغنائية التي تتخللها اسكتشات مسرحية، وتقديم الفنون الشعبية والاحتفالات الرسمية.

ليصبح المسرح، ومنذ ذلك التاريخ، نشاطًا ترعاه الدولة وتضع له الميزانيات والسياسات، بعد أن كان نشاطًا أهليًا. ولعل أكثر ما يجسد هذا التحول هو تقليد «الموسم المسرحي»، الذي كانت بدايته في العام 1967 واستمر يراوح بين الاستمرار والانقطاع إلى يومنا هذا.

مع هذه الوضعية الجديدة للمسرح، ابتدعت الدولة سياسات، أو فلنقل تقاليد، جسدها المسرح القومي، تصب كلها في الرقابة بأشكال مختلفة، منها ما يمكن وصفه بالإداري، ومنها «التقييمي» الذي يحاكم العمل المسرحي وفقًا لمواصفات يقاس بها جودته الفنية.

فيما يمكن وصفه بالإداري، سنجد أن المسرح القومي كانت له مواصفات لمن يحق له أن يخرج عملًا مسرحيًا على خشبة المسرح القومي. استخلصناها من تجربة المواسم المسرحية، خاصة في الفترة من 1967 إلى 1978؛ أولها أن يكون المخرج موظفًا بالمسرح القومي، كالأستاذين الفكي عبدالرحمن ومكي سنادة مثلًا، وثانيها أن يكون المخرج من أصحاب الخبرة الطويلة، كالأستاذين الفاضل سعيد وحسن عبدالمجيد مثلًا، وثالثها أن يخضع عمل المخرج الذي لم تتوفر فيه المواصفات السابقة للمشاهدة من قبل لجنة تشكل خصيصًا لهذا الغرض، كما حدث مع المخرج محمد نعيم سعد في مسرحيته «المدرسة المختلطة» التي عرضت في موسم 1978–1979.

تجدر الإشارة إلى أن هذه السياسات، أو هذه التقاليد، لم تكن مكتوبة، وإنما أعرافًا تتوارثها إدارات المسرح. ولعل من نواقصها البينة أنها لم تنشغل بضرورة إعداد نساء في مجال الإخراج، مع وجود عدد مقدر من الخريجات ساهمن في التمثيل، كما ساهمن في المكياج والأزياء. ومع ذلك لا نقف، على اسم مخرجة واحدة في مواسم المسرح القومي في الفترة الممتدة من 1967 إلى موسم 1988–1989، وربما إلى ما بعدها، عدا اسم المخرجة المصرية فاطمة المعدول في مسرحية «سندريلا» التي عرضت في موسم 1980–1981. (انظر كتاب: «الحركة المسرحية في السودان 1967–1978»، وكتاب: «حقائق ومعلومات عن المسرح السوداني»).

أما فيما يتعلق بالمستوى التقييمي الذي تتحدد به جودة العمل المسرحي نصًا وعرضًا ومحتوى، فقد كونت إدارة المسرح القومي، مع بدايات المواسم وتوالي العروض، لجنة عرفت بـ«لجنة النصوص والمشاهدة»، ضمت في عضويتها اختصاصيين وخبراء وأصحاب تجارب في العملية المسرحية، كالأستاذ الطاهر شبيكة والدكتور خالد المبارك وغيرهما.

وكان من مهامها تحديد مدى جودة العمل المسرحي من حيث النص ومن حيث العرض، وذلك من خلال الوقوف في النص على بناء الأحداث والشخصيات والحوار وغيره، وكذلك محتوى النص؛ ومن خلال الوقوف في العرض على الأداء التمثيلي وحركة الممثل والإضاءة والديكور وغيره، إضافة للكشف عن المقولة الكلية للعرض، إذ إنها في بعض الأحيان قد تتخذ مسارًا غير المسار الذي تراءت فيه عند قراءة النص؛ لذلك جرى التقليد على وجوب مشاهدة العرض حتى وإن كان النص مجازًا.

قليل من التفاصيل:

من خلال نظرة عامة لتجربة الرقابة في المسرح القومي، قد نقف على الآتي:

أولًا: جمعت بين الرقابة القبلية والبعدية؛ فقد يكون النص مجازًا، ولكن بعد مشاهدة العرض كاملًا يرفض العمل.

ثانيًا: ثبت في بعض الأحيان أن جهات غير لجنة النصوص والمشاهدة، لم يُفصح عن هويتها بشكل صريح، تتدخل في منع أو إيقاف هذا العرض أو ذاك، حتى وإن كان مجازًا من لجنة النصوص والمشاهدة. فقد ذكرت نجمتنا الكبيرة تحية زروق في قروب «منتدى الكتاب المسرحي السوداني»:

«بينما هم مع المخرج بدرالدين حسن علي في سبعينيات القرن الماضي في معمة بروفات مسرحية حكاية تحت الشمس السخنة استعدادًا لعرضها على خشبة المسرح قيل لهم إن جهة أمنية أمرت بعدم عرض المسرحية فانفض سامرهم».

ثالثًا: مارست كل الأنظمة السياسية الوطنية، وبلا استثناء، ومنذ العام 1967، الرقابة على المسرح، مع فروقات لا يعتد بها بين نظام ونظام؛ فقد تم منع أو إيقاف العديد من العروض المسرحية في الحقبة المايوية؛ وتم منع أو إيقاف بعض المسرحيات في فترة الديمقراطية بعد سقوط نظام مايو؛ وتم منع وإيقاف العديد من العروض المسرحية في حقبة الإنقاذ.

صحيح أن ثمة اختلافات في طبيعة الرقابة ودوافعها بين نظام ونظام، إلا أن ما يمكن قوله هنا إن الرقابة كانت في كثير من الأحيان تنطلق من تقديرات لا تخلو من دوافع شخصية، خاصة مع تداخل ما هو فني مع ما هو سياسي، كما أشرنا؛ فقد كان المنع أو الإيقاف يتم، في الغالب كما يرى كثيرون، على أساس الهوية.. هوية المسرحي الفنية أو الفكرية؛ حقيقية كانت أم متوهمة.

فيكفي أن تصنف جهة أمنية ما، توهمًا أو استنادًا إلى معلومات موثقة، أن فلانًا المسرحي معارض للنظام، ليتم منع أو إيقاف عرضه حتى دون أن تكون هذه الجهة قد شاهدت العرض. أو يتم المنع أو الإيقاف بناءً على هوية العمل المسرحي، نصًا أو عرضًا؛ ففي بعض الأحيان يمنع العرض من تقديمه على خشبة المسرح القومي بحجة أنه «تجريبي» أو «أكاديمي»، وبكلمة واحدة «غير جماهيري».

وهنا يأتي السؤال: هل هناك مواصفات فنية مسرحية ثابتة وواحدة لمواصفات جودة النص المسرحي أو العرض المسرحي؟

ما يجب التأكيد عليه هو أن الرقابة على المسرح، نصًا وعرضًا، قبلية وبعدية، وأنها ملزمة في كل الأحوال، كانت آلية من آليات الدولة في ضبط المنتج المسرحي، ليس فقط بحثًا عن الجودة الفنية، وإنما خوفًا من قدرة المسرح على تحفيز الجماهير على النقد والتساؤل، بل وحتى الاحتجاج.

ولعل مما قد يؤكد ما ذهبنا إليه من أنها معتمدة عند المسرح القومي ما جاء في كتاب «الحركة المسرحية في السودان 1967–1978» للأستاذين سعد يوسف وعثمان علي الفكي، الكتاب الذي نشره المسرح القومي، وكتب الأستاذ مكي سنادة تعليقًا على غلافه وباركه الأستاذ الفكي عبدالرحمن، والاثنان من أساطين المسرح القومي كما نعلم.

جاء في الكتاب:

«الرقابة من أكبر مشاكل المسرح.. ولا نقصد بقولنا هذا أن المسرح يجب أن تتخلى عنه الرقابة.. بل يجب أن تكون هناك رقابة من مختصين بشئون المسرح لهم دراية كافية بالعملية المسرحية.. يستطيعون ضبط الجودة والمحافظة على مستوى المسرح بحيث يشجعون محاولات الارتفاع بالمستوى الفني ويقفون في وجه الأعمال التي لا ترقى إلى مستوى المسرح من الناحية الفنية».

هذه الرقابة التي ستصبح تقليدًا عامًا يمارسه المسرحيون في مهرجاناتهم، خاصة في الجانب المتصل بـ«لجنة المشاهدة». فما من مهرجان من مهرجاناتنا الكثيرة إلا وله لجنة للمشاهدة، يتحدد بقرارها العرض المسموح له بالمشاركة والعرض المرفوض.

إلا أننا، ومع الأيام، خاصة مع الألفية الثانية، نجد أن المسرح القومي قد بدأ في التراجع عن تقاليده فيما يخص المخرج المسموح له بتقديم عرضه على خشبة المسرح، وفيما يخص لجنتي النصوص والمشاهدة. فقد صار بمقدور الجميع أن يقدموا عروضهم، ليس على خشبة المسرح القومي فقط، وإنما على جميع المسارح في العاصمة والولايات.

ومع ذلك ظلت جهات بمقدورها إيقاف العروض المسرحية، كما حدث مع مسرحية «الناس الركبو الطرورة» للمخرج قاسم أبوزيد، التي كانت تعرض في مسرح أمبدة الأهلي، ومسرحية «خسائر جانبية» للمسرحي محمد عبدالرحيم قرني، عندما قدم العرض الأول في مركز الفيصل الثقافي بالخرطوم، لتتدخل جهة أمنية، كما قيل، وتوقف العرض في اليوم الثاني، وكان هذا في العام 2013.

نلفت النظر إلى أن الرقابة في حقبة الإنقاذ لم تقف عند المنع أو الإيقاف فقط؛ وإنما صنعت أعرافًا تحكمت في العرض المسرحي مستقبلًا؛ منها، على سبيل المثال، عدم السماح بتمثيل شخصية السكران أو المثلي، أو أن يمثل رجل دور امرأة، وهذا ما لم يلتزم به الفاضل سعيد عنوة واقتدارًا.

أيضًا تم منع ظهور زجاجات الخمر في العرض، كما طلب من الممثلات وضع غطاء الرأس، مع تصميم حركة للممثلين تراعي التباعد بين الممثل والممثلة، إضافة إلى وضع محاذير كثيرة على الرقص، خاصة رقص النساء.

حصاد الرقابة:

هناك قصص كثيرة، معظمها شفاهي، لعروض مسرحية تم إيقافها في العاصمة، كان هذا في المسرح القومي أو في أي مكان عرض آخر. ولكن، ومن خلال متابعتي التي لا أدعي نجاعتها، لم أعثر على كتابة مفصلة عن عرض تم إيقافه، عدا ما كتبته أنا عن إيقاف مسرحية «بيت بت المنى بت مساعد»، وما كتبه صديقي المخرج يحيى فضل الله عن إيقاف مسرحية «الناس الركبو الطرورة».

ولعل هذا ما يجعل الخروج بفكرة واضحة عن الكيفية التي يفكر بها الذهن الرقابي من المستحيلات. فنحن، مثلًا، لا نعرف على وجه الدقة لماذا تم منع مسرحية «المشي على الرموش» للمخرج إبراهيم شداد من أن تصل حتى إلى مرحلة البروفات، ليضيع بعد ذلك نصها وإلى الأبد، كما أفادني إبراهيم شداد.

ولا نعرف على وجه الدقة لماذا تم إيقاف مسرحية «نبتة حبيبتي»، ولماذا سمح لها بالعودة مرة أخرى؟

ولا نعرف على وجه الدقة لماذا تم إيقاف، وفي عز الديمقراطية، مسرحية «بيت بت المنى بت مساعد».

ولا نعرف على وجه الدقة لماذا تم إيقاف مسرحية «حفلة على الخازوق» لتماضر شيخ الدين؛ فهل كان السبب، كما سمعنا، هو أن اسم بطل المسرحية مطابق لاسم شخصية نافذة في نظام الإنقاذ، أم أن هناك أسبابًا أخرى؟

وقس على ذلك بقية المسرحيات التي منعت أو تم إيقافها.

بل لا نفهم لماذا يسمح لمسرحية بالعرض في الخرطوم ويتم إيقافها في مدينة أخرى، وهي مجازة من أعلى سلطة مسرحية في البلاد، كما حدث مع مسرحية «شعب انتباه» للمخرج ربيع يوسف، التي تم منعها من العرض في مدينة الأبيض.

ولا نفهم أن تطارد مسرحية وتوقف مرتين من جهات أمنية، مرة في العام 2013 ومرة في العام 2023 بمدينة نيالا، وأعني مسرحية «في أيام الخوف.. الحنجرة الخرساء تموت» للمخرج معمر القذافي محي الدين.

لعل أكثر ما يمكن أن نستخلصه من تجربة الرقابة على المسرح في السودان هو التداخل غير الحميد بين الفني والسياسي، مما يعني وجود أكثر من جهة رقابية، وأنها في الغالب تخضع لتقديرات شخصية ذات طابع أمني.

ومما قد يؤكد هذا الزعم عودة معظم المسرحيات التي تم إيقافها، لمواصلة عروضها وبأسرع ما يكون، وأنها لم تشكل مبحثًا مهمًا في دراسات المسرح السوداني، الأمر الذي قد يفيد، إنها لم تكن تقوم على مواصفات فنية أو حتى سياسية موضوعية قابلة للقياس.

وهنا يأتي السؤال الملح: هل الرقابة على المسرح ضرورية؟

قد تكون الإجابة نعم، ولو بتحفظ ما، خاصة أننا سنجد أن كل المسارح في الوطن العربي، الرسمية والأهلية، تمارس الرقابة على النص وعلى العرض. كما أننا سنجد أكثرية من المسرحيين يؤيدون أن تكون هناك رقابة، كما أنه ليس من العدل القول إن الرقابة لم تكن لها إيجابيات هنا وهناك.

وهنا لا بأس من إيراد رأي للناقد عصام أبوالقاسم حول الرقابة، استخلصته من مراسلات تمت بيننا عبر الواتساب. يقول عصام:

«برغم رفضي المبدئي للتحكم في الإبداع إلا أنه لولا الرقابة على المسرح العربي لكانت خرجت بلاوي؛ وإن البلدان التي توفرت فيها رقابات صارمة على المحتوى مكنت الكتاب والمخرجين من أن يطوروا قدرات خاصة في التحايل على تلك الرقابات ما أغنى أخيلتهم وخصبها فأنتجت أعمال مفتوحة على التأويل ومتعددة في طبقات المعاني والدلالات التي تثيرها بموضوعاتها وكلماتها ومواقفها».

أما أنا فلا أرى ضرورة للرقابة؛ قبلية أو بعدية؛ فنية أو سياسية أو أخلاقية؛ خاصة في عالم اليوم الذي لم تعد فيه مواصفات جودة النص المسرحي أو العرض المسرحي واحدة، كما اتسعت فيه دائرة الوعي بحقوق الإنسان، خاصة الحق في التعبير.

كما أن المجتمع، والذي هو بالضرورة متنوع، لم يعد يتقبل الوصاية عليه والتدخل في ما يجب عليه أن يشاهده وما لا يشاهده.

إذن فالرقابة الوحيدة التي أرى أهميتها وضرورتها هي الرقابة الإدارية، والتي تقف مهمتها عند ضمان وحماية الملكية الفكرية للنص ولبعض عناصر العرض، كالموسيقى والمؤثرات مثلًا، وذلك بالتنسيق مع جهات الاختصاص.

المسرحيون السودانيون والرقابة:

بالنظر إلى تجربة الرقابة على المسرح، لم أجد في المسرحيين السودانيين من اشتغل في النظر إلى الرقابة في سياق حرية التعبير. فقد كان موقفهم، خاصة من تعرضوا لعسفها، إما السخط والملامة، أو الفرح بما فعلته بمنتوجاتهم واعتبار ذلك رصيدًا يضاف إلى رأسمالهم الرمزي البطولي؛ حتى لكأنك تجد أحدهم معتزًا بالعرض الذي منع أكثر من العرض الذي سمح له أن يصل إلى الجماهير.

ولعمري، هذا غير ما يفعله الروائيون والشعراء والصحفيون حال تعرض منتوجاتهم للمنع أو المطالبة بالتعديل.

فقد استطاعوا بوعيهم وهمتهم أن يصنعوا مما طال منتوجاتهم رأيًا عامًا، بوضعه في سياق الحق في التعبير، وأن يمنحوه أجنحة حقوقية وفنية وفكرية وسياسية، عادت على منتوجاتهم بالكثير من المكاسب، والتي من بعضها المناصرة، وإدخال لجان المصنفات في جحر ضيق، وقانون الصحافة في مأزق.

فقد استطاعوا بوعيهم الحقوقي أن يقولوا إن اختلافنا ليس حول جودة المصنف من عدمها فقط، وإنما أيضًا حول الحق في التعبير وحدود المجال العام؛ بينما اكتفينا نحن المسرحيين بالسخط والغبطة المخاتلة.

فتأمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى