الدمازين.. أناس يزرعون الحياة وسط حقول الخوف

أفق جديد
مع أول خيوط الصباح، تتحرك الدمازين ببطء. يفتح أصحاب المتاجر أبوابًا نصف مغلقة، وتنتشر عربات النقل في الطرقات، فيما تتجه نساء إلى الأسواق بحثًا عن طعام يكفي يومًا آخر. على ضفة النيل، تبدو الحياة للوهلة الأولى كأنها استعادت شيئًا من إيقاعها القديم، لكن المدينة التي تقع في أقصى جنوب شرقي السودان لا تعيش بعيدًا عن الحرب، فالحرب التي اندلعت في البلاد منذ أكثر من ثلاثة أعوام تركت ظلالها الثقيلة على إقليم النيل الأزرق، المتاخم لإثيوبيا، وحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى اختبار متواصل للقدرة على الاحتمال.
في الدمازين، لا تظهر الحرب دائمًا في صوت الرصاص. أحيانًا تظهر في ارتفاع سعر كيس الدقيق، وفي رحلة طويلة بحثًا عن دواء، وفي أم تحسب ما تبقى في محفظتها قبل أن تشتري الطعام، وفي مزارع يخشى أن يصل إلى أرضه أو أن يجد ما يكفي من المال لزراعتها.
يمتلك النيل الأزرق موقعًا جغرافيًا حساسًا، فهو يجاور إثيوبيا، ويضم مناطق ذات أهمية زراعية ورعوية، كما يشكل ممرًا للسكان والتجارة والحركة بين مناطق مختلفة من السودان. لكن الحرب أعادت ترتيب كل شيء.
فمع اتساع رقعة القتال والنزوح في السودان، لم يعد الإقليم مجرد منطقة تستقبل آثار الحرب القادمة من مناطق أخرى، بل أصبح جزءًا من المشهد الأمني والإنساني الأوسع. حركة السكان، التجارة، الزراعة، وأسعار السلع باتت مرتبطة بدرجة الاستقرار الأمني وقدرة الطرق على العمل بصورة طبيعية.
وتقول حليمة عبد الله وهي أم نازحة من الكرمكك إلى الدمازين إن “الوصول إلى المدينة لم يكن نهاية الخوف، وإنما بداية لمعركة مختلفة”.
وتضيف لـ”أفق جديد”: “كنا نعتقد أن النزوح يعني أن نصل إلى مكان آمن ونبدأ من جديد، لكننا اكتشفنا أن الحياة نفسها أصبحت صعبة. كل شيء يحتاج إلى مال، والمال لا يتوفر”.
في أسواق الدمازين، يمكن قراءة آثار الحرب على الوجوه قبل قراءة الأسعار على اللافتات. تاجر يقف أمام بضاعته في انتظار الزبائن، وامرأة تتنقل بين أكثر من محل بحثًا عن سلعة أرخص، وأب يختصر قائمة مشترياته بعدما اكتشف أن المبلغ الذي يحمله لم يعد يكفي.
يقول أحمد عيسى وهو أحد سكان الدمازين: “قبل الحرب كانت الأسرة تشتري احتياجاتها بصورة عادية. الآن أصبحنا نشتري الضروري فقط، وأحيانًا نرجع إلى البيت من السوق من دون أن نشتري كل ما نحتاجه”.
ولا تتوقف الضغوط عند الغذاء. فارتفاع تكاليف النقل يجعل الوصول إلى العمل أو المدرسة أو المستشفى أكثر كلفة، فيما يؤدي تراجع الدخل إلى دفع الأسر نحو أعمال يومية وغير مستقرة.
في الأثناء تقول امرأة تبيع بعض المنتجات المحلية في السوق لـ”أفق جديد”: “نحن لا نبحث عن الرفاهية. نريد فقط أن نبيع شيئًا في الصباح ونعود إلى البيت وفي أيدينا ما يكفي لشراء الطعام”.
في الدمازين، كما في مدن سودانية أخرى، تحولت الحرب إلى أزمة عمل أيضًا. تراجع النشاط الاقتصادي، واضطربت حركة التجارة، وتضررت مصادر دخل تعتمد على حركة الناس والأسواق. ومع ذلك، لا يستطيع معظم السكان التوقف عن العمل، فالتوقف بالنسبة لأسرة فقيرة يعني ببساطة التوقف عن الأكل.
لذلك، ظهرت أعمال صغيرة ومتفرقة: بائع على قارعة الطريق، امرأة تبيع الطعام، شاب يدفع عربة، عامل يحمل البضائع، ومزارع يحاول استعادة أرضه. هذه الأعمال قد لا توفر دخلًا مستقرًا، لكنها تمنح أصحابها شيئًا أهم: يومًا إضافيًا من القدرة على الصمود.
يقول عامل يومية لـ”أفق جديد”: “لو لم أخرج من البيت وأبحث عن شغل، فلن يكون هناك طعام في البيت. أحيانًا أعود من دون شيء، لكن في اليوم التالي أخرج مرة أخرى”.
ليست هذه بطولة بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنها واحدة من أكثر صور البطولة اليومية وضوحًا: أن ينهض الإنسان كل صباح، رغم معرفته بأن اليوم التالي قد لا يكون أفضل.
في البيوت والأسواق والحقول، تتحمل النساء جزءًا كبيرًا من عبء الحرب.
المرأة التي فقدت مصدر دخل الأسرة لا تستطيع الانتظار طويلًا. تبدأ في بيع الطعام، أو المنتجات المنزلية، أو الملابس، أو أي شيء يمكن تحويله إلى دخل.
وفي حالات أخرى، تتحول المرأة إلى المسؤولة عن توفير الطعام للأطفال، بينما يكون الزوج بعيدًا بسبب النزوح أو فقدان العمل أو ظروف الحرب.
تقول إحدى النساء العالقات في مخيمات النازحين: “أكثر ما يخيفني ليس الجوع اليوم، وإنما أن يأتي الغد ولا أجد ما أطعم به أولادي”.
ثم تضيف لـ”أفق جديد”: “لكننا تعودنا أن نبحث عن الحل. إذا لم نجد عملًا نبيع شيئًا، وإذا لم نجد شيئًا نساعد بعضنا”.
في المدارس والطرقات والأحياء، يحمل الأطفال آثار الحرب بطرق مختلفة. بعضهم اضطر إلى تغيير مكان السكن، وبعضهم انقطع عن الدراسة أو أصبح وصوله إلى المدرسة أكثر صعوبة، بينما تعيش أسر أخرى بين الخوف من المستقبل والعجز عن توفير تكاليف التعليم.
طفل يحمل حقيبته في طريقه إلى المدرسة قد يبدو مشهدًا عاديًا، لكنه في مدينة أنهكتها الحرب يصبح صورة للمقاومة.
تقول أم لطفلين: “أحاول أن يذهب أولادي إلى المدرسة مهما كانت الظروف. لا أريد للحرب أن تأخذ منهم كل شيء”.
فالتعليم هنا ليس مجرد مقعد دراسي، إنه محاولة للاحتفاظ بجزء من الحياة الطبيعية، وإبقاء نافذة مفتوحة أمام جيل نشأ في سنوات الحرب.
النيل الأزرق إقليم زراعي، ولذلك فإن الحرب لا تهدد السكان فقط بما تفعله في المدن والأسواق، وإنما تهدد أيضًا قدرتهم على إنتاج الغذاء.
المزارع يحتاج إلى الأرض والبذور والوقود والعمالة والطرق الآمنة والوصول إلى الأسواق. وإذا تعطلت واحدة من هذه الحلقات، يصبح الموسم الزراعي نفسه مهددًا.
يقول مزارع من المنطقة: “الأرض موجودة، لكن الزراعة تحتاج إلى أشياء كثيرة. إذا ارتفع الوقود أو لم تتوفر المدخلات أو لم نستطع نقل المحصول، يصبح العمل في الحقل أصعب”.
لم تكن الدمازين بعيدة عن موجات النزوح التي صنعتها الحرب في السودان. وصلت إليها أسر تحمل ما استطاعت إنقاذه من منازلها، تاركة خلفها البيوت والأراضي ومصادر الدخل. بعض النازحين جاءوا بحقائب قليلة، وبعضهم وصل بلا شيء تقريبًا.
تقول نازحة من مدينة قيسان: “عندما خرجنا لم نفكر في أي شيء. كنا نريد فقط أن ننجو. بعد أن وصلنا بدأنا نسأل: أين سنعيش؟ ماذا سنأكل؟ وكيف سيعيش الأطفال؟”
هناك وجه آخر للحياة، أقل صخبًا وأكثر عمقًا: امرأة تفتح دكانها كل صباح، مزارع يعود إلى حقله، شاب يبحث عن عمل، معلم يحاول إبقاء الأطفال داخل المدرسة، سائق يواصل رحلاته، وجار يقاسم جاره ما لديه من طعام.
يقول أحد السكان لـ”أفق جديد”: “نحن لا نملك أن نوقف الحرب، لكن نستطيع أن نحاول أن نعيش. إذا أغلقنا كل شيء ومكثنا في البيوت، ماذا سيحدث لأولادنا؟”
فمقاومة الحرب لا تحدث دائمًا في الجبهات. أحيانًا تحدث في سوق صغير، وفي حقل، وفي فصل دراسي، وفي مطبخ امرأة تطهو لعائلتها، وفي يد عامل تمتد إلى أداة العمل رغم قلة الأجر.
مع حلول المساء، تهدأ حركة الأسواق تدريجيًا. يغادر الباعة أماكنهم، يعود العمال إلى بيوتهم، وتحمل الأسر ما استطاعت شراءه إلى أطفالها.
في الدمازين، لا يستطيع الناس التحكم في مسار الحرب، ولا يعرفون متى تنتهي، ولا يملكون وحدهم القدرة على إعادة الاقتصاد إلى ما كان عليه. لكنهم يفعلون ما يستطيعون: يعملون، يزرعون، يبيعون، يدرّسون أبناءهم، يتقاسمون الطعام، ويبحثون عن طرق صغيرة لعبور يوم آخر.
في النيل الأزرق، لا يقيس الناس انتصارهم بعدد المعارك التي ربحوها، وإنما بعدد الأيام التي استطاعوا فيها أن يوفروا وجبة لأطفالهم، وأن يرسلوا أبناءهم إلى المدرسة، وأن يعودوا إلى بيوتهم سالمين.
غدًا، عندما تشرق الشمس على الدمازين، ستفتح الأسواق أبوابها من جديد، وستتحرك العربات في الشوارع، وسيخرج المزارعون إلى الحقول، وستبدأ النساء أعمالهن، وسيحمل الأطفال حقائبهم.
قد لا تكون الحرب قد انتهت، لكن الحياة، رغم كل شيء، ترفض أن تستسلم





