أميرة كرار.. من وراء القناع الرقمي

حيدر المكاشفي

الرأي عندي أن واقعة التهديد بالقتل والتصفية للزميلة الصحافية الحرة الشجاعة الراكزة رشا عوض، من الكاتب الرعديد أو الكاتبة الجبانة التي تتخفى أو يتخفى تحت اسم (د. أميرة كرار)، تستوجب ليس الوقوف عندها فحسب، بل تتعداها إلى مناقشة ظاهرة أن يتحول الخلاف السياسي إلى تحريض على القتل والتصفية الجسدية، وتصبح الدعوة إلى إسكات الصحفيين والكتاب بديلاً عن مناقشة آرائهم. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بما مس الزميلة الصحفية رشا عوض، بل بما يكشفه هذا الخطاب من استهانة بحرمة الدم وبحرية التعبير وبحق الإنسان في الحياة، ومن محاولة لفرض الصمت وتكميم الأفواه المناهضة للحرب والداعية للمسار المدني الديمقراطي، وهناك لحظة يسقط فيها القناع عن الخطاب السياسي، فلا يعود الأمر متعلقاً باختلاف في الرأي أو سجال حول المواقف، بل ينكشف ما وراء الكلمات من نزعة إلى إقصاء الآخر وإسكاته، وربما التخلص منه وتصفيته جسدياً.

 وحين يبلغ العداء لصحفية وكاتبة حد التلويح بقتلها برصاصة غادرة سميت زوراً (رصاصة الحق)، فإننا لا نكون أمام رأي متطرف فحسب، بل أمام انحدار أخلاقي وقيمي خطير يستوجب الإدانة والمساءلة. تلك هي خطورة المكتوب المنشور على فيسبوك باسم (د. أميرة كرار)، استهدف الصحفية الراكزة المتينة قوية الحجة وبليغة العبارة رشا عوض بالإساءة والشتم، بل تجاوز ذلك إلى الدعوة إلى تصفيتها برصاصة، وهذا ما يضعنا أمام نموذج بالغ الخطورة لتحويل الخصومة السياسية إلى تحريض على العنف، ولتقديم القتل باعتباره وسيلة مشروعة لحسم الخلاف مع صحفية اختارت أن ترفع صوتها ضد الحرب وسلطة الأمر الواقع والتيارات الإسلاموية المرتبطة بالنظام السابق، فرشا عوض صحفية وكاتبة معروفة بمواقفها السياسية المناهضة للحرب، وبنقدها لسلطة الأمر الواقع وللتيارات الإسلاموية التي ترى أنها تتحمل مسؤولية عن المسار السياسي الذي قاد السودان إلى أزماته الراهنة. ويمكن الاتفاق مع آرائها أو الاختلاف معها ومناقشة حججها ومراجعة مواقفها وانتقادها بأشد العبارات السياسية، لكن لا شيء من ذلك يمنح أحداً حق إهانتها أو تهديدها أو الدعوة إلى قتلها. وهنا تحديداً يقع الفارق بين السياسة بوصفها سجالاً فكرياً، والسياسة حين تنحدر إلى منطق التصفية والقتل والأساليب الإجرامية. من يملك الحجة فليطرحها، ومن يملك الدليل فليقدمه، ومن يعترض على موقف سياسي فليفنده. أما أن تتحول الصحفية إلى هدف للشتائم ثم إلى موضوع لدعوة إلى الاغتيال، فذلك لا يعني شيئاً سوى أنه يكشف عن أزمة في ثقافة وأخلاق من يتصور أن إسكات صاحب الرأي يمكن أن يكون بديلاً عن الرد عليه. والأكثر إثارة للسخرية أن يوضع وصف (الحق) أمام رصاصة غادرة. فمنذ متى أصبحت الرصاصات أدلة، والاغتيالات حججاً، والقتل وسيلة لإثبات صحة المواقف السياسية، وهل يحتاج الحق إن كان حقاً إلى فوهة بندقية تحرسه؟ إن تسمية الرصاصة التي يراد لها أن تغتال رشا (رصاصة الحق) لا تغير طبيعتها، فالقتل لا يصبح عدالة بمجرد منحه اسماً أخلاقياً، والتحريض لا يصبح شجاعة لمجرد تغليفه بشعار سياسي أو ديني. فالقضية لا تقف عند حدود رشا عوض بوصفها فرداً. فالصحفي والكاتب الذي يتعرض للتهديد بسبب آرائه لا يواجه اعتداءً على سلامته الشخصية وحدها، إنما يواجه محاولة لترهيب كل من يفكر في التعبير عن موقف مشابه. وفي وضع راهن السودان الذي يعيش حرباً مدمرة، ويدفع مواطنوه أثمانها قتلاً ونزوحاً وجوعاً وانهياراً لمؤسسات الدولة، يصبح التحريض على الصحفيين والكتاب المناهضين للحرب أكثر خطورة. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الرصاص، ولا إلى توسيع قوائم الأعداء، ولا إلى تحويل الاختلاف السياسي إلى معركة وجودية لا تنتهي إلا بإلغاء الطرف الآخر. إن من يختلف مع رشا عوض يستطيع أن يكتب مقالاً مضاداً، وأن يقدم رواية مختلفة، وأن يفند ما يراه أخطاء في تحليلها. أما الدعوة إلى اغتيالها فلا تضيف حجة واحدة إلى النقاش، بل تضع صاحبها أمام سؤال أخلاقي وقانوني بالغ الجدية. وثمة سؤال مهم هنا، وهو من يقف وراء الحساب الذي يحمل اسم (د. أميرة كرار)، هل هو حساب شخص حقيقي معروف الهوية، أم حساب مستعار، أم حساب منتحل لشخصية أخرى، أم حساب وهمي أُنشئ للتعبير عن مواقف سياسية أو لاستهداف خصوم بعينهم؟ لكن غموض الهوية، على أية حال، لا يلغي خطورة المحتوى. فالسؤال عن صاحب الحساب شيء، والسؤال عن مدى خطورة التحريض الوارد في المنشور، ويجب التعامل مع الأمرين بجدية.

لقد دفع السودان ثمناً فادحاً لثقافة ترى الخصم السياسي عدواً ينبغي سحقه، وتتعامل مع النقد باعتباره خيانة، ومع المطالبة بوقف الحرب باعتبارها اصطفافاً ضد الوطن. وهذه الثقافة، مهما اختلفت الشعارات التي تتستر خلفها، فإنها تسهم في توسيع دائرة الكراهية وإغلاق أبواب التسوية السياسية. ولا يجوز أن يصبح الانحياز إلى السلام سبباً مشروعاً لاستهداف أصحابه، مثلما لا يجوز أن تكون معارضة الحرب ذريعة لإعفاء أي طرف من النقد أو المساءلة. فالحق في التعبير لا يتجزأ، وحق الإنسان في الحياة لا يتوقف على اتفاق الآخرين مع أفكاره. ولذلك فإن الدفاع عن رشا عوض لا يتطلب الاتفاق مع كل ما تكتبه، بل يتطلب الدفاع عن حقها في الكتابة والاختلاف والأمان. كما أن رفض التحريض على قتلها لا يعني منحها حصانة من النقد، وإنما يعني التمسك بقاعدة بسيطة مؤداها أن نواجه الرأي بالرأي، والكلمة بالكلمة، والدليل بالدليل، ولا نواجه الاختلاف بالرصاص. أما الرصاصة التي قيل إنها (رصاصة الحق)، فستظل العبارة الأكثر فضحاً لأصحابها، فالحق الذي يحتاج إلى اغتيال خصومه كي ينتصر ليس حقاً يخشى عليه من النقاش، بل خطاب يخشى أن يواجه بالتفنيد والدحض والهزيمة. ورشا عوض ليست مطالبة بالصمت كي يطمئن دعاة الحرب، ولا ينبغي أن يدفع أي صحفي وكاتب وصاحب رأي ثمن مواقفه من سلامته. ففي سودان الحرب الذي أنهكته البنادق، لا يحتاج الناس إلى من يمنح الرصاص أسماء أخلاقية جديدة، بل يحتاجون إلى من يوقف الرصاص ويحمي الحياة، ويعيد للكلمة حقها في أن تكون بديلاً عن القتل. وآخر قولنا أن الأقلام الباحثة عن الحق والحقيقة لن تنكسر ولن تتراجع رشا عوض وأمثالها عن طريق النطق بما يرونه حقاً، فالتاريخ يثبت دائماً أن زبد الإرهاب والتخوين جفاء وسيذهب جفاء، وأن الكلمة الحرة الباقية تنفع الناس وتصنع مستقبل البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى