اقتصاد الحرب يدفع المواطنين إلى حافة العجز المعيشي

أفق جديد
لم تعد أزمة غلاء الأسعار في السودان مجرد أرقام تعكس معدلات التضخم أو تقلبات أسعار الصرف، بل أصبحت واقعًا يوميًا يفرض نفسه على حياة ملايين المواطنين الذين يواجهون تحديات متزايدة في توفير احتياجاتهم الأساسية. ومع استمرار الحرب، تعمقت الاختلالات الاقتصادية، وتراجعت قيمة الجنيه، وارتفعت تكلفة الإنتاج والنقل، لتتحول الأسواق إلى مرآة تعكس حجم الضغوط التي يعيشها الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.
على امتداد الأسواق في المدن السودانية، تبدو الحركة التجارية أقل نشاطًا من المعتاد. فالسلع متوفرة في كثير من الأحيان، لكن القدرة الشرائية للمستهلكين تراجعت بصورة حادة، ما أدى إلى ركود أصاب قطاعات واسعة من تجارة التجزئة. ويؤكد تجار أن المشكلة لم تعد في نقص البضائع بقدر ما أصبحت في ضعف الطلب، بعدما باتت غالبية الأسر تركز على شراء الضروريات فقط.
ويقول التاجر مصطفى عبد الرحيم، الذي يعمل في تجارة المواد الغذائية، بسوق أم درمان، إن أسعار السلع تشهد تغيرات متكررة بفعل ارتفاع تكاليف الشراء والنقل وتقلبات سعر الصرف، موضحًا أن هوامش الربح تقلصت مع انخفاض حجم المبيعات.
ويضيف لـ«أفق جديد»: «أصبح الزبون يشتري بالقطعة أو بالكميات الصغيرة، بعد أن كان يشتري احتياجات أسبوع أو شهر كامل. كثيرون يدخلون المتجر ثم يغادرون بعد معرفة الأسعار، لأن دخولهم لم تعد تكفي.»
ويشارك التاجر محمد عثمان الرأي ذاته، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكلفة الترحيل من مناطق الإنتاج، إلى جانب صعوبة الحركة على بعض الطرق، انعكس مباشرة على أسعار المنتجات الزراعية.
ويقول لـ«أفق جديد»: «تكلفة النقل أصبحت عنصرًا أساسيًا في تحديد السعر النهائي. حتى عندما ينخفض الإنتاج في مناطق معينة بسبب الظروف الأمنية، ترتفع الأسعار تلقائيًا، بينما يعجز المواطن عن مواكبة هذه الزيادات.»
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الأسواق، بل تمتد إلى داخل المنازل، حيث تعيد الأسر ترتيب أولوياتها بصورة مستمرة. وتقول المواطنة عائشة الفاضل، وهي أم لخمسة أطفال، إن ميزانية الأسرة لم تعد تكفي سوى لتوفير الحد الأدنى من الغذاء.
وتوضح لـ«أفق جديد»: «استغنينا عن كثير من الأصناف الغذائية، وأصبحنا نشتري أقل الكميات الممكنة. حتى الاحتياجات المدرسية والملابس أصبحت تؤجل إلى أجل غير معلوم.»
أما الموظف يوسف إبراهيم، فيشير إلى أن راتبه الشهري فقد جزءًا كبيرًا من قيمته الحقيقية بسبب التضخم وتراجع قيمة العملة.
ويقول لـ«أفق جديد»: «أصبح الدخل يذهب بالكامل تقريبًا للطعام والمواصلات والدواء، بينما تراجعت القدرة على الادخار أو مواجهة أي طارئ. أي زيادة جديدة في الأسعار تعني التخلي عن احتياج آخر.»
ويرى اقتصاديون أن الحرب أدت إلى تعطيل قطاعات إنتاجية رئيسية، وإغلاق عدد كبير من المصانع، وتراجع النشاط الزراعي، فضلًا عن نزوح أعداد كبيرة من السكان، وهو ما أضعف الإنتاج المحلي وزاد الاعتماد على الواردات في بعض السلع، بالتزامن مع استمرار الضغوط على سوق النقد الأجنبي.
كما أدى انخفاض قيمة الجنيه إلى ارتفاع تكلفة استيراد السلع ومدخلات الإنتاج، الأمر الذي انعكس على أسعار المنتجات المحلية والمستوردة على السواء. ومع ارتفاع أسعار الوقود والنقل والتأمين، أصبحت تكلفة وصول السلع إلى الأسواق أعلى من أي وقت مضى، وهو ما يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
ويؤكد خبراء أن استمرار التضخم يهدد بتوسيع دائرة الفقر، خاصة بين أصحاب الدخول الثابتة والعاملين في القطاع غير المنظم، الذين يعتمدون على أعمال يومية تراجعت عوائدها بفعل الركود الاقتصادي. كما يحذرون من أن استمرار تآكل القوة الشرائية قد ينعكس على مؤشرات الأمن الغذائي والتغذية والصحة والتعليم، في ظل اضطرار كثير من الأسر إلى تقليص الإنفاق على الخدمات الأساسية.
ويرى مختصون أن معالجة الأزمة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بتهيئة بيئة أكثر استقرارًا للنشاط الاقتصادي، وإعادة تشغيل قطاعات الإنتاج، وتحسين حركة التجارة الداخلية، إلى جانب سياسات نقدية ومالية تحد من تقلبات سعر الصرف وتكبح التضخم، مع توسيع برامج الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تضررًا.
وقال الخبير الاقتصادي محمد الناير إن من أبرز الاختلالات التي يعاني منها السوق السوداني الاستجابة السريعة لأي عوامل تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، مقابل بطء واضح في خفضها عند تحسن الأوضاع الاقتصادية.
وأوضح أن انخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية يدفع كثيرًا من التجار إلى رفع أسعار السلع بصورة فورية، بل إن بعضهم يوقف عمليات البيع ليوم أو يومين انتظارًا لتحديد أسعار جديدة تتماشى مع ارتفاع تكلفة الاستيراد أو الشراء. وفي المقابل، عندما يتحسن سعر صرف الجنيه، لا ينعكس ذلك بالسرعة نفسها على أسعار السلع، إذ يتباطأ القطاع الخاص في إعادة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
وأضاف الناير، في حديثه لـ«أفق جديد»، أن هذه الظاهرة تمثل إحدى الإشكالات الرئيسة في الاقتصاد السوداني، مشيرًا إلى أن اتباع الدولة لسياسة تحرير الاقتصاد لا يعني غياب دورها في تنظيم الأسواق. وأكد أن اقتصاد السوق يتطلب وجود مؤسسات رقابية فاعلة تضمن الانضباط والشفافية، من خلال استخدام أدوات غير مباشرة لضبط الأسواق وحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، دون اللجوء إلى فرض أسعار إدارية.
وضرب مثالًا بأسعار الوقود، موضحًا أنها شهدت زيادات متكررة مع تراجع قيمة الجنيه، إلا أنها لم تنخفض حتى الآن رغم التحسن الذي طرأ على سعر الصرف، وهو ما يعكس، بحسب وصفه، خللًا في آليات انتقال أثر المتغيرات الاقتصادية إلى الأسواق.
وأشار إلى أن ارتفاع هوامش الأرباح يمثل تحديًا إضافيًا، لافتًا إلى أن فلسفة التجارة التي كانت سائدة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي اعتمدت على تحقيق أرباح محدودة مقابل زيادة حجم المبيعات، وهو نهج أسهم في تنشيط الحركة التجارية ودعم الإنتاج وتسريع دوران رأس المال داخل الاقتصاد. وأكد أن العودة إلى هذا النموذج من شأنها الإسهام في تحريك عجلة النشاط الاقتصادي وتعزيز استقرار الأسواق، إلا أنه لم يعد مطبقًا بالقدر الكافي في الوقت الراهن.
وبين المؤشرات الاقتصادية القاتمة والمشاهد اليومية في الأسواق، تتجسد حقيقة أن الاقتصاد السوداني لم يعد يواجه أزمة دورية، بل اختبارًا وجوديًا فرضته الحرب. فكل ارتفاع جديد في الأسعار يعني تراجعًا إضافيًا في مستوى معيشة الأسر، وكل انخفاض في قيمة الجنيه يضيف أعباءً جديدة على المواطنين. وفي غياب حلول مستدامة تعيد الاستقرار للإنتاج والأسواق، تبقى كلفة الأزمة الاقتصادية مرشحة للتصاعد، بينما يتحمل المواطن العبء الأكبر في معركة يومية من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة.





