الطنبور يبكي وداعًا لأرقي

بقلم: يوسف الغوث..

يتجاوز فن الطنبور السوداني كونه مجرد آلة موسيقية، ليصبح ذاكرة نابضة بحضارة تمتد من ممالك النوبة القديمة إلى وجدان المعاصرين. وفي هذا الإرث، تجلت عبقرية الفنان عبد الرحيم أرقي، الذي حوّل أوتاره الخمسة إلى رسائل خالدة عن الحب والألم والانتماء. فمن عمق التربة السودانية انبثقت ألحان تروي حكاية ضاربة في القدم، حيث يتربع الطنبور كأحد أقدم مظاهر الهوية النغمية والبصرية في وجدان أهل السودان.

تشير النقوش على جدران معابد ومقابر مملكتي كرمة ومروي النوبيتين إلى وجود آلات وترية شبيهة به، مما يؤكد أن جذوره تمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام. أليس من المدهش أن تظل هذه الآلة، رغم قدمها، نابضة بالحياة في وجدان السودانيين حتى اليوم؟

أما اسم الطنبور فيتأصل في اللسان النوبي القديم، حيث يشير التركيب اللغوي إلى معنى التجويف أو الجسد، مما يعكس ذكاءً بيئيًا فطريًا في تحويل الأخشاب والجلود إلى قيثارة ساحرة. تتجلى بساطة هذه القيثارة في صندوقها المصوِّت، المنحوت من جذوع السنط أو الحراز، والمغشى بجلد مدبوغ بإحكام، والذي تمتد فوقه خمسة أوتار، حملت في الموروث الشعبي أسماء تعكس مشاعر العزلة والحنين والجواب، وكأن كل وتر يمثل حالة وجدانية قائمة بذاتها…

تخضع هذه الآلة للسلم الخماسي، الذي يعد السمة المميزة للموسيقى الإفريقية، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بإيقاع الدليب الشمالي. ذلك الإيقاع العبقري الذي يمزج بين الشجن الباكي والحماس الراقص، مصحوبًا بضربات الكفوف وأصوات الكورس الشعبي، فيتحول العزف إلى طقس جماعي تملأ هيبته الآفاق.

ألا يذكرنا هذا التناغم بوحدة الشعب السوداني رغم تنوع ثقافاته؟

إذا كان الطنبور يمثل الجسد الهيكلي لهذا الفن، فإن صوت عبد الرحيم أرقي كان الروح التي منحته حياة جديدة. فمنذ منبعه في قرية أرقي التكر بشرق الدبة، تشرب هذا المبدع بحب النخيل وصوت السواقي، متأثرًا برواد الطنبور الأوائل، قبل أن يؤسس مدرسة متفردة في حواضر السودان.

تميزت مدرسته بعذوبة الأداء ودفء النبرة، وصون النغم من الابتذال، فلم تكن مجرد تقليد، بل تجديدًا راقيًا. أثمرت مسيرته عن مكتبة زاخرة، تربعت على عرشها (عافي منك وراضي عنك)، التي لخصت عاطفة الأمومة وتضحيات المغتربين في تبتل حزين أدمى القلوب. وإلى جانبها، تظل (حبي أنا ليك كان زادي) أيقونة عاطفية شكلت وجدان المحبين، ورسالة صدق نابعة من القلب.

لكن عبقرية أرقي لم تقتصر على الإبداع الموسيقي، بل تجاوزته إلى سمو الأخلاق. فلم يعش في برج عاجي، بل كان نموذجًا للتواضع والنبل، سخر فنه لخدمة مجتمعه، وشارك في أفراحه وأتراحه، مؤكدًا أن الفن رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة. وعندما رحل بعد صراع مع المرض، لم يوارَ الثرى مجرد جسد، بل طويت صفحة من العطاء، لتبقى أوتاره حية في الذاكرة. وهذه هي القيمة الحقيقية للفن، والمتمثلة في أن يخلد فنان في القلوب قبل الأسماع.

اليوم، ورغم ظهور أنماط موسيقية جديدة، لا يزال الطنبور حاضرًا في المناسبات الوطنية والأفراح الشعبية، ويعيد تقديمه عازفون شباب مزجوا بين التراث والتحديث، مما يؤكد استمراريته وتجذره في الروح السودانية. فهو فن لا يقبل الاندثار، لأنه ابن البيئة وابن الإنسان.

في كل نغمة من نغمات هذا الفن، وفي كل وتر من أوتار أرقي، نقرأ تاريخًا من الصمود والجمال. فالطنبور ليس آلة عجوز، بل جسر يعبر فوق الزمن، ولسان حال شعب يؤمن بالغناء رغم الجراح.

وأرقي، بروحه المتقدة، خلّد هذا الإرث وأعطاه أبعادًا تتجاوز الجغرافيا.

ستظل هذه الآلة الفريدة، وسيرته الخالدة، مصدر إلهام، تؤكد أن الفن الصادق يخلد، وأن الأوتار إذا نطقت بالصدق، تظل رسالة حب تتجدد مع كل جيل….

اللهم اغفر للفنان عبد الرحيم أرقي، وأسكنه أعلى الجنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى