الديمقراطية التوافقية

السر السيد

السر السيد

مدخل

قبل أيام، وفي الثلاثين من يونيو تحديدًا، وبينما كنت أبحث في مكتبتي، وقعت عيناي على كتاب «الديمقراطية التوافقية: الطريق إلى الاستقرار السياسي». عندها عادت بي الذاكرة إلى الدكتور الطيب زين العابدين، وتذكرت لقاءاتي به في اجتماعات مجلس أمناء جائزة محجوب محمد صالح للصحافة السودانية، وزياراتي له بين الحين والآخر في مكتبه بمبنى مجلس التعايش الديني بالخرطوم.

يحضر الطيب زين العابدين والكتاب بين يدي، فتتشابك الأزمنة والحكايات. فهو مؤلف هذا الكتاب، والإسلامي العريق الذي كان أول المعترضين على انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 وهو لا يزال فكرة، ثم من أكثر ناقديه بعد أن أصبح واقعًا، وصاحب ثاني إصدارات مشروع الفكر الديمقراطي.

هذا التداخل بين الأزمنة والحكايات تنتظمه خيوط خفية، يجمعها ما أسميه «المثقف المختلف»؛ ذلك المثقف الذي يمتلك القدرة على رؤية المشهد كله. ومن هنا يمكن القول إن اعتراض الدكتور الطيب على انقلاب الإسلاميين لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ميزة شخصية في مقابل رفاقه الإسلاميين، وإنما باعتباره اجتهادًا مبكرًا تفرد في التأكيد على أهمية وضرورة إبعاد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي، أو، بصورة أدق، الدعوة إلى التخلص من تقليد ظل كامنًا في بنية السياسة السودانية، وأحد وسائل الوصول إلى السلطة.

ومن هذا المنطلق ينبغي أن نفهم أن اعتراضه كان اعتراضًا مبدئيًا، رغم كثرة الحيثيات التي قد تبدو وجيهة لدى مؤيدي الانقلاب أو لدى الذهنية الانقلابية. فالاعتراض المبدئي على الانقلاب يستبطن، بالضرورة، إيمانًا راسخًا بالتداول السلمي للسلطة، وما يقوم عليه من روافع، مثل الحوار، والاعتراف بالتعددية والتنوع، والإعلاء من شأن المعرفة.

ولعل هذا هو عين ما تطمح إليه الجهة التي نشرت الكتاب، أي مشروع الفكر الديمقراطي، الذي يراهن على بسط المعرفة، ونشر ثقافة الحوار، وترسيخ قيم الاعتراف بالتعددية والتنوع. وليس غريبًا أن يتحرك المشروع، الذي انطلق في أبريل 2013، في مختلف مجالات التأليف والمعرفة، متعاونًا مع كتاب وباحثين من مشارب فكرية متعددة. وقد نشر حتى الآن 106 عناوين في مختلف المجالات، بإجمالي تجاوز 360 ألف نسخة، كما أسس العديد من مجموعات القراءة في أنحاء البلاد.

لا يزال الكتاب بين يدي وأنا أفتش في مكتبتي، منتشيًا بتحليق أطياف المثقف المختلف، الدكتور الطيب.

والآن، لنتوقف قليلًا عند الكتاب.

في الكتاب

 

ضمن سلسلة «القراءة من أجل التغيير»، التي تصدرها المجموعة السودانية للديمقراطية أولًا – وحدة الفكر الديمقراطي – ويشرف عليها ويحررها الأستاذ شمس الدين ضو البيت، صدر كتاب «الديمقراطية التوافقية… الطريق إلى الاستقرار السياسي» لمؤلفه البروفيسور الطيب زين العابدين.

يقع الكتاب في 46 صفحة من القطع المتوسط، ويأتي ضمن مجموعة من الإصدارات التي تعبر عن الفكرة الأساسية للمشروع، والمتمثلة في الإسهام في إيصال منظومة فكرية بديلة إلى عامة الناس، تحل محل المنظومة السائدة التي عجزت مكوناتها عن مجابهة التحديات المستجدة، والتعامل مع التحولات المتسارعة، وإيجاد حلول للإشكالات المجتمعية.

يفتتح المؤلف كتابه بجملة صادمة ومفتاحية يقول فيها: «ظل السودان منذ الاستقلال يبحث، ولنحو ستين عامًا، عن نظام سياسي مستقر دون جدوى.» ومن هذه العبارة ينطلق إلى قراءة عميقة لمسيرة السودان السياسية، ساعيًا إلى البرهنة على صدقية هذا التشخيص، قبل أن يقدم مقترحه القائم على تبني الديمقراطية التوافقية، خلال مرحلة انتقالية تمتد ما بين عشرين وثلاثين عامًا، بما يضمن استمرار الديمقراطية واستقرارها، ويتيح للمجتمع أن يعتاد التداول السلمي للسلطة.

ويعرض المؤلف رؤيته من خلال سبعة عناوين رئيسة، تشمل المقدمة والخاتمة، وستة عناوين فرعية. أما العناوين الرئيسة فهي: السودان والبحث عن الاستقرار السياسي، مشكلات النظام الديمقراطي في السودان، ما هي الديمقراطية التوافقية؟، الديمقراطية التوافقية والإسلام، لماذا الديمقراطية التوافقية في السودان؟، التدابير القانونية لتطبيق الديمقراطية التوافقية، ثم الخاتمة.

وتتفرع من عنوان «التدابير القانونية لتطبيق الديمقراطية التوافقية» موضوعات هي: هيكل الحكم، والسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، والخدمة المدنية، والقوات النظامية.

ويرى الكتاب، في مجمله، أن الأنظمة العسكرية التي حكمت السودان لما يقارب أربعة عقود كانت السبب الرئيس في غياب الاستقرار السياسي وتعثر التنمية؛ إذ تبدأ، بحسب المؤلف، بتعطيل الدستور وسيادة حكم القانون، وتنتهي بانتهاكات جسيمة وشاملة لحقوق الإنسان. كما يشير إلى أن جميع تلك الأنظمة انتهجت الحل العسكري لمعالجة قضية جنوب السودان، حتى انتهى الأمر بانفصال الجنوب في عهد الإنقاذ.

أما في نقده للتجارب الديمقراطية، فيعدد الكتاب أسباب انهيارها المتكرر، ولعل أبرزها طبيعة تكوين الأحزاب السودانية وثقافتها السياسية، بما أضعف التزامها بالممارسة الديمقراطية داخل مؤسساتها، وبحرية النشاط السياسي للأحزاب المنافسة. ويضيف إلى ذلك أثر العاملين الإقليمي والدولي في تشجيع الانقلابات العسكرية ودعمها.

وفيما يتعلق بالديمقراطية التوافقية، يحرص المؤلف على بيان ملاءمتها للواقع السوداني، ولو بوصفها صيغة مرحلية. وبعد تعريفها، وتأكيد انسجامها مع تعاليم الإسلام، يحدد ركائزها الأساسية في: تشكيل تحالف حكومي عريض تمثل فيه جميع القوى ذات الوزن البرلماني، واعتماد التوزيع النسبي الواسع في البرلمان والخدمة المدنية، ومنح الأقاليم قدرًا معتبرًا من الاستقلال عبر النظام الفيدرالي أو ما يشابهه، وإقرار حق النقض للأقليات في القضايا الكبرى التي تمس مصالحها.

ويزخر الكتاب بالتفاصيل التي توضح الفروق بين الديمقراطية التوافقية والديمقراطية التقليدية، كما يقدم مرافعة متماسكة حول ملاءمة هذا النموذج للمجتمع السوداني، بما يتسم به من تعدد عرقي وثقافي وديني، وما عرفه تاريخه الحديث من نزاعات بين مكوناته المختلفة.

خاتمة

من هذه الموجدة الشجية، أبعث بالتحية والتقدير أيضًا إلى المثقف المختلف الأستاذ شمس الدين ضو البيت، مؤسس مشروع الفكر الديمقراطي، وبرنامج «القراءة من أجل التغيير»، الذي شيد حاضنة للمعرفة، وأوقد نارًا للحوار. وقد قال الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام: «ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة.»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى