من حكاوى وقصص أم درمان .. الوليد إبراهيم قصة صحفي عظيم (2-2)

الكمدة بالرمدة

أمير أحمد السيد

نواصل في الجزء الثاني من التوثيق لحياة الباشمهندس والصحفي والشاعر والمثقف النادر الوليد إبراهيم فضل المولى، وأذكر في ذات يوم تواصلت مع الأستاذ البروف علي محمد شمو لتأكيد معلومة كانت بالنسبة لي مهمة جدًا فيما يختص بتولي الوليد مسؤولية الأجهزة الإعلامية (الإذاعة والتلفزيون) مع بداية ثورة مايو في العام 1969، فأكد لي المعلومة، وأن الأمور في تلك الفترة كان يديرها ويتصرف فيها الوليد إبراهيم، فقد أوكلت له هذه المهمة، وذلك نسبة لتأهيل الرجل وإمكانياته الكبيرة وقدرته على إدارة مثل هذه الأجهزة، وذلك في اعتقادي قبل توليه منصب وكيل وزارة الثقافة والإعلام، وهذه محطة مهمة جدًا في حياة الوليد إبراهيم.

وبعد ذهاب مايو عبر انتفاضة أبريل 1985، قام رئيس الوزراء د. الجزولي دفع الله بالتواصل مع الزعيم جون قرنق للجلوس مع الحكومة وإنهاء التمرد، وقد كان رد دكتور قرنق وقتها الرفض لأسباب أهمها أن حكومة النميري كانت تتكون من جنرالات، وأن هذه الحكومة أيضًا يقودها جنرالات، ولم يتغير شيء في الوضع السياسي السوداني، لذا رفض بشدة، ورد على الحكومة أنه يثق في شخص واحد لنقل مطالبه، وهو الوليد إبراهيم فضل المولى. وبالفعل سافر الوليد إلى أديس أبابا في العام 1986، ومكث فيها شهرًا كاملًا في ضيافة الحركة الشعبية لتحرير السودان، ثم عاد حاملًا معه مطالب جون قرنق في شريط فيديو مدته ساعتان. تم تسليم نسخ من هذا الشريط للسيد صمويل أرو بول، وكان نائبًا لرئيس الوزراء الانتقالي آنذاك، والذي حضر بنفسه لمنزل الوليد إبراهيم في بانت بأم درمان، واستلم النسخة، ونسخة أخرى سلمها الوليد بنفسه في القصر الجمهوري لدكتور الجزولي دفع الله، بحضور المشير عبد الرحمن سوار الذهب، رئيس المجلس الانتقالي آنذاك. وكان الوليد يعتقد جازمًا أن ما حواه هذا الشريط حول اللقاء الذي أجراه مع جون قرنق كان هو أساسًا لاتفاقية السلام التي كان سيتم توقيعها في العام 1989 قبل انقلاب الإسلاميين.

وعادت الحكومات الشمولية بممارسة أدوارها القديمة في الإقصاء، فبعد انقلابهم على السلطة الديمقراطية والحكومة المنتخبة في العام 1989 تمت محاربة الوليد إبراهيم مرة أخرى سياسيًا. وفي العام 1990 أقام نظام الإنقاذ مؤتمرًا كبيرًا للسلام في قاعة الصداقة استمر لمدة عشرة أيام، دعي له كافة السياسيين السودانيين ذوي الصلة بمشكلة الجنوب، وتم إقصاء الوليد إبراهيم الذي كان يمسك بملف القضية كاملًا ويكتسب ثقة قائد الحركة الشعبية، والذي زامله في فترة دراسته بروسيا في ستينيات القرن الماضي، وربطته به علاقة وطيدة، فصرخ الوليد المهموم جدًا بالوطن: (إن أهل الإنقاذ عايزين يحلوا مشكلة الجنوب وداعين ناس ما ليهم علاقة بالموضوع). وهكذا كانت تسير الأمور في البلاد، إقصاء من يمسكون بجمر القضية ويعلمون تفاصيلها على حساب الولاءات الحزبية الضيقة جدًا.

قضى الوليد سنوات عمره بعد أن فقد شريكة عمره، وكتب واحدًا من أعظم الأعمدة يرثيها فيه بعنوان: (حتى لا تموت سعدية أخرى بالملاريا)، فكان يعتقد أن الملاريا قد أخذت أعز الأشخاص في حياته: والده، ووالد زوجته، وصديقه حمزة عبد الرحمن، وزوجته سعدية حمزة.

هكذا عاش الوليد عظيمًا مهمومًا بالوطن، حتى آخر لحظات من عمره ظل فيها يقاتل ويحارب بجسارة شديدة جدًا النظام الشمولي الدكتاتوري الذي أنهك البلاد والعباد. ولم يكن الوليد صحفيًا فحسب، بل كان سياسيًا بارعًا ومتعلمًا يفخر به الوطن، ومثقفًا نادرًا، وأديبًا أريبًا، وفوق ذلك إنسانًا، إنسانية طاغية أكسبته محبة وتقدير واحترام كل من حوله. ولم تنتج رحلة الوليد إبراهيم مع النضال من فراغ، فهو بذرة عمه شقيق والده حسن فضل المولى، أحد قادة ثورة 1924 جنبًا إلى جنب مع علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ وعبيد حاج الأمين وبقية الثوار.

ويرى البعض أن الإسلاميين قد أسهموا في علاج الوليد إبراهيم، غير أن الرجل خدم السودان واعتلى أرفع المناصب، ومثله من حقه أن تشرف الدولة على علاجه داخل البلاد وخارجها إن استدعى الأمر. وذلك لم يغير شيئًا في موقف الوليد ومبادئه، فالرجل مات وهو في منزله الذي أقيم من الجالوص، رغم العروض المغرية التي قدمت له، ولكنه ظل متمسكًا بمبادئه وقيمه التي حافظ عليها إلى أن توفاه الله تعالى في أبريل سنة 2003.

رحم الله الوليد إبراهيم فضل المولى وأسكنه فسيح جناته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى