السودان.. السلام المؤجل وحرب إعادة إنتاج السلطة

 

الهادي الشواف

الحرب الدائرة الآن لم تعد مجرد اشتباك مسلح ما بين طرفين متنازعين، ولكنها بكل المقاييس أصبحت التعبير الأكثر عنفًا منذ الاستقلال، ودليلًا ساطعًا على فشل النخب السياسية في بناء مشروع وطني جامع، وتأسيس سلطة تستند إلى الشرعية المدنية لا إلى فوهة البندقية. وما يجري اليوم ليس حدثًا معزولًا عن تاريخ الصراع السياسي في السودان، ويمثل امتدادًا طبيعيًا لمسار طويل من الخلل البنيوي، حيث ظل السلاح هو الوسيلة الأكثر فاعلية للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها.

وفي ذات السياق، فإن الحرب الجارية الآن لا تعتبر معركة عابرة على النفوذ بين جنرالين أو صراعًا حول السلطة فحسب، كما تحاول بعض القراءات السطحية تصويرها أو حصرها في ذلك، ولكن بنظرة متعمقة نجد أنها صراع مركب وأكثر عمقًا يدور حول مفاهيم متعلقة بمن يملك حق تعريف الدولة، ومن يحتكر العنف، ومن يحدد مستقبل السلطة في السودان بعد انهيار الصيغ القديمة للحكم.

استمرار الحرب والأسئلة المتجددة:

ومن هنا يجب أن نعيد صياغة الأسئلة بشكل مختلف وأكثر عمقًا، فبدلًا من السؤال عن متى وكيف تنتهي الحرب؟ يصبح السؤال عن: من المستفيد من استمرارها؟ ومن يملك مصلحة حقيقية في اتساع دائرة العنف والانتهاكات وإطالة أمدها؟ والإجابة على هذه الأسئلة تقود مباشرة إلى قلب الأزمة، فحين نعيد صياغة الأسئلة فإننا ننتقل من قراءة سطحية للأزمة إلى تفكيك بنيتها العميقة، والإجابة الأولى تشير بوضوح إلى أن المستفيدين من استمرار الحرب ليسوا طرفًا واحدًا، بل شبكة معقدة من الفاعلين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين الذين راكموا مصالح مباشرة وغير مباشرة من استمرار الصراع.

في مقدمة هؤلاء تأتي مراكز القوى العسكرية لدى القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وغيرها من المليشيات والمجموعات المسلحة التي أصبحت وسيلة للتكسب السياسي والمالي، لأن استمرار الحرب يمنح كل طرف مبررًا للاحتفاظ بالسلاح، وتوسيع دائرة السيطرة، وتعزيز شرعيته المزيفة داخل معسكره عبر خطاب الحرب الوجودية. كما أن فلول نظام المباد يمثلون أحد أكثر الأطراف استفادة من استمرار الحرب، لأن الفوضى الحالية خلقت بيئة مناسبة لعودتهم التدريجية إلى دوائر التأثير السياسي والعسكري والإعلامي، وبالنسبة لهم الحرب ليست مجرد أزمة، بل فرصة لإعادة إنتاج الدولة القديمة تحت غطاء أمني وعسكري.

وفي ذات المنحى، فإن هناك شبكات مصالح اقتصادية تشكلت حول اقتصاد الحرب نفسه، منها شبكات التهريب، وتجارة السلاح، وصناعة المليشيات، والارتزاق، وما يسمى بالاقتصاد الموازي، وكذلك الفاعلون الذين يراكمون الثروة من الانهيار والفوضى. في مثل هذه السياقات تتحول الحرب من مأساة وطنية إلى سوق مفتوح للمصالح.

أما السؤال عن من يملك مصلحة في اتساع دائرة العنف والانتهاكات، فالإجابة ترتبط بمن يرى في التصعيد وسيلة لإعادة تشكيل ميزان القوى عبر الترهيب، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وخلخلة استقرار المجتمعات المحلية، لإعادة تشكيل وفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي تسوية سياسية محتملة. هنا العنف لا يصبح مجرد نتيجة للحرب، ولكنه يوظف كأداة سياسية بامتياز، فكلما اتسعت دائرة الانتهاكات تراجعت فرص التسوية السريعة، وارتفعت كلفة العودة إلى المسار السياسي السلمي، وازداد اعتماد الأطراف على منطق الحسم الصفري بدلًا من الحلول التفاوضية.

 

لذا فإن أخطر ما في هذه الحرب السودانية لا يكمن فقط في حجم الدمار واتساع دائرة الانتهاكات والموت المجاني، ولكن الكارثة الحقيقية هي أن تتحول الحرب نفسها إلى بنية مصالح متكاملة يستفيد منها الكثيرون. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، وهي أن الحرب لا تستمر فقط لأن الأطراف عاجزة عن إيقافها فحسب، ولكن أيضًا لأن بعض القوى النافذة لا ترى في السلام مصلحة آنية لها. وبهذا المعنى فإن الطريق إلى السلام لا يمر فقط عبر وقف إطلاق النار، ولكن لكي نعبد طريقًا سالكًا للسلام لا بد من تفكيك البنية السياسية والاقتصادية التي جعلت من الحرب مشروعًا للتكسب المربح للبعض وكارثة مدمرة للأغلبية.

تعدد المنابر.. دبلوماسية بلا أنياب:

خلال الفترة الماضية تحول الملف السوداني إلى ساحة مزدحمة بالمبادرات والمنابر، من منبر جدة إلى جهود الاتحاد الأفريقي وإيغاد، فضلًا عن المبادرات الدولية والإقليمية والمدنية. لكن المشكلة لم تكن يومًا في غياب المنابر والمبادرات بقدر ما تكمن المشكلة في غياب الإرادة الملزمة، والضغط الحقيقي، والرؤية المتماسكة للحل التي تنطلق من الإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه. والشاهد هو تحول الوساطات والمبادرات والمنابر عمليًا إلى ما يشبه إدارة الأزمة لا حلها، حيث تعقد الاجتماعات، وتصدر البيانات، وتعلن الهدن، ثم تنهار الوقائع على الأرض أمام هشاشة الإرادة السياسية والعجز عن طرح الأسئلة الصحيحة ووضع الإجابات الوافية.

هذا التعدد في المسارات والمنابر، بدلًا من أن يخلق ديناميكية سلام، أدى إلى حدوث فوضى تفاوضية استفادت منها أطراف الحرب إلى أقصى حد. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن هذا التعدد يعكس أيضًا تضارب مصالح من يقف خلفها، وبالتالي نجد أن كل طرف بات يناور بين المنابر، ينتقي ما يناسبه، ويعطل ما لا يخدم مصالحه، وهكذا تحولت الدبلوماسية إلى غطاء لإطالة زمن الحرب. وبعبارة أكثر صراحة، فإن تعدد المنابر لم يوقف النزيف، بل منح المتحاربين وقتًا إضافيًا لإعادة ترتيب أدوات القتال.

البرهان والفلول.. الحرب كفرصة تاريخية للعودة:

وأيضًا، لفهم تعثر السلام، لا بد من قراءة سلوك البرهان بعيدًا عن الخطاب الرسمي. المؤشرات السياسية المتراكمة تكشف أنه لا يرفض التفاوض علنًا، لكنه يفرغه من مضمونه عمليًا ويوظفه كأداة ضمن معركة أوسع لإعادة هندسة السلطة، حيث يبقي قنوات التواصل مفتوحة، ويرسل إشارات مرنة للخارج، لكنه في الداخل يتحرك وفق منطق كسب الوقت واستنزاف الخصوم وإعادة بناء موازين القوة، لذلك يصبح تعطيل السلام خيارًا سياسيًا مفهومًا.

لذلك إذا كان ثمة طرف يملك مصلحة شبه مطلقة في استمرار الحرب، فهو بلا شك فلول النظام السابق، لأنها تقرأ الحرب بوصفها نافذة استراتيجية لإعادة التموضع، لأن الحرب أعادت إليها ما فقدته لحظة الثورة، وبالتالي تسعى لإعادة إنتاج الدولة القديمة.. دولة أمنية ومركزية تدار عبر التحالف بين السلاح والأيديولوجيا والزبائنية السياسية. فالمشهد الحالي يشير إلى أن العلاقة ما بين البرهان والفلول تجاوزت دائرة تحالف الضرورة، فثمة تقاطعات استراتيجية واضحة بين الطرفين، لا تعني بالضرورة تطابقًا كاملًا في المصالح، لكنه يعني وجود تقاطع قوي حول الهدف الأساسي: منع تشكل نظام سياسي جديد يضعف قبضة الدولة القديمة.

السلام ممكن… لكنه يصطدم بجدار المصالح:

نظريًا فرص السلام لا تزال قائمة، لكن عمليًا الطريق إلى السلام يمر عبر تفكيك بنية المصالح المستفيدة من الحرب. وهنا تكمن المعضلة الكبرى، فالحرب تجاوزت كونها مأساة إنسانية، وأصبحت اقتصادًا سياسيًا، وشبكة مصالح، ومصدرًا للتكسب، وإعادة توزيع النفوذ كما ذكرنا. وكلما طالت الحرب تشكلت حولها مراكز مصالح أكثر تعقيدًا، وهذا يعني أن إنهاء الحرب يتطلب تغييرًا في معادلة القوة نفسها. فالسلام لن يتحقق عبر بيانات دبلوماسية رخوة، ولا عبر منابر متعددة بلا أدوات إلزام وضغط حقيقية، فالسلام يحتاج إلى ضغط سياسي إقليمي ودولي حقيقي، وإلى اصطفاف مدني ووطني قادر على كسر معادلة الحرب من خلال الإجابة على الأسئلة المتجددة.

وإذا استمرت لعبة كسب الوقت، واستمر الرهان على الإنهاك، وفي المقابل توظيف المنابر كأدوات للمناورة، فإن السودان لن يقترب من السلام قريبًا، ولكنه سيتدحرج سريعًا نحو نموذج الدولة المنهكة التي تتآكل من الداخل. حين أصبح استمرار الحرب لا يشكل كارثة في حد ذاته فحسب، فإن الكارثة الحقيقية تكمن في أن البعض يرون في استمرارها الطريق الأقصر إلى السلطة، وحين تصبح الحرب طريقًا إلى الحكم، يصبح السلام فعلًا ثوريًا بامتياز..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى