قراءة في كتاب .. السودان: حدود السياسة والقبيلة (الأنثروبولوجيا السياسية للصراع)

مغيرة حربية
لم تكن حدود السودان مجرد خطوط رسمها الاستعمار على الخرائط، بل كانت حدوداً بين أنماط مختلفة من الاجتماع والسياسة والاقتصاد والثقافة، متجاوزة واقعها السيادي وحيزها الجغرافي، إلى كيمياء اجتماعية مستمرة التفاعل، دون أن تصل إلى صيغة معادلتها المُثلى بما يمكن أن يفسر فهم التعقيدات التي ما زالت تلقي بظلالها على واقع اليوم، شديد التنوع. وحين عجزت الدولة عن استيعاب هذا التنوع، تحولت الحدود إلى فضاءاتٍ مفتوحة للصراع، وتحولت القبيلة من إطار اجتماعي إلى فاعل سياسي. وفي خضم التوهان الماثل والتشابك المربك بين حدود القبيلة وتعريف الدولة في السودان، سيما بعد حرب أبريل، يدفع الكاتب والباحث أمير بابكر عبد الله، بكتابه الثاني في هذا المبحث الشائك، بعنوان: السودان.. حدود السياسة والقبيلة (الأنثروبولوجيا السياسية للصراع وبناء الدولة والاستقرار)، وهو كتاب قيد النشر، عمل فيه أمير على كشف تموضع القبيلة داخل أتون السياسة السودانية، وكيف مثلت ملاذاً وحاضنة سياسية مغلقة أكثر من كونها ثيمة اجتماعية مفتوحة على أفق التصاهر والاندماج وإثراء التنوع السوداني العريض، بل وقفت، في كثير من الأحيان، عقبة كؤود أمام التطور السياسي، وكانت سبباً في تأجيج النزاع بما عقد بناء الدولة على عقد اجتماعي جديد، يعترف بالتنوع، ويؤسس للمواطنة، ويجعل العدالة وسيادة القانون القاسم المشترك بين جميع السودانيين. ولم يغفل الكتاب، وهو يناقش حدود السودان الجغرافية الواسعة، علاقات الجوار السوداني والتداخل القبلي والإثني بين السودان وجيرانه، مقترحاً صيغة جديدة، أكثر واقعية، لبناء علاقة مميزة مع دول الجوار تقوم على معادلات الشراكة والتنمية بدلاً عن المقاربات الأمنية والاستثمار في النزاعات والصراع.
القبيلة حقيقة تاريخية اجتماعية
جاء الكتاب، الذي يقول عنه صاحبه، إنه لا يدعو إلى إحياء القبيلة، ولا إلى إلغائها، بما أنها حقيقة اجتماعية وتاريخية، وإنما يدعو إلى تجاوز الثنائية التي حكمت الفكر السياسي السوداني، الذي يموضع القبيلة في مواجهة الدولة والعكس، لعقود طويلة. جاء الكتاب، إذن، في ثمانية فصول، وحوى تمهيداً ومقدمة وخاتمة.
يستعرض الكتاب في فصله الأول تطور الأنثروبولوجيا السياسية ومسألة الحدود، وهي من العلوم الحديثة التي نشأت في النصف الأول من القرن العشرين بعد التوسع في الدراسات الأنثروبولوجية الكلاسيكية وخروجها إلى رحاب الحاضر واستشراف المستقبل، في محاولة لفهم السياسة بوصفها ممارسة اجتماعية ضاربة الجذور في الثقافة، في تعريفها العريض، وليست مجرد مؤسسات رسمية.
ويقارب الفصل الثاني حدود إقليم الحزام السوداني القديم وتاريخ تشكله وطبيعة الصراعات فيه ومدى تأثيره على المشهد السياسي والسيادي للسودان ودول جواره في مرحلة ما بعد الاستعمار، خاصة وأن معظم دول جوار السودان كانت تقع ضمن نطاق هذا الحزام بحراكه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
الفصل الثالث يستعرض الممالك القديمة، ما بعد الممالك المسيحية، وطبيعة نظام الحكم فيها وحدودها القابلة للتعديل اعتماداً على ضمها لعشائر وقبائل وجماعات سكانية جديدة أو انسلاخ مجموعات منها. كما يتناول حراك القبائل والعشائر في تلك الفترة ومسيرتها نحو الوحدة لتشكل نظاماً قادراً على حمايتها، والخريطة القبلية داخل إطار ذلك الحراك.
ويكشف الفصل الرابع واقع السودان في حقبتي الاستعمار “التركي والإنجليزي” ومسألة فرض وحدة قسرية على المجموعات السكانية في السودان داخل حدود سياسية محددة، انطلاقاً من مصالح المستعمر وتحقيق أهدافه الأمنية والسياسية والاقتصادية، في مقابل تجاهل الواقع الإثني والقبلي على الأرض، والذي يتجاوز الحدود المرسومة بقلم تلك المصالح، وما أفرزه ذلك من تعقيدات واجهت الحكم الوطني.
ويتناول الفصل الخامس بالبحث بروز حركات التحرر الوطني في السودان وغيره من دول الجوار، وعلاقة هذه المرحلة بالحدود وتأثيراتها المستقبلية على مشهد النظم السياسية في السودان وعدد من دول الجوار. ويقف على السؤال الأبرز: إذا ما كانت الجيوش الموازية والحركات المسلحة هي إرث لحركات التحرر الوطني، ومدى تأثرها بها سلباً وإيجاباً.
ويستعرض الفصل السادس طبيعة المجتمعات الحدودية وأنماط السلطة التي يخضعون لها، ومدى تأثير القبائل العابرة للحدود على مسألتي الأمن والاستقرار للدولة بحدودها السياسية المعروفة، ودور هذه المجتمعات في الاقتصاد الحدودي والتجارة والتهريب العابر للحدود، ومدى تأثير الاقتصاد غير الرسمي على الاستقرار.
ويتناول الفصل السابع مسألة الحدود والنزاع المسلح، وحركة الجماعات المسلحة عبر الحدود، ودور الأنظمة السياسية المتجاورة في تجييش الجماعات والقبائل الحدودية لاستخدامها في صراعاتها الثنائية، ومدى علاقة الهوية القبلية بالهوية الوطنية، وتشكل الهوية الهجين في المناطق الحدودية، ومدى انتماء تلك المجتمعات العابرة للدول وإحساسها بالمواطنة، وأثر السياسات المركزية عليها.
وفي الفصل الثامن يقف الكاتب على رؤية الأمن والاستقرار من منظور محلي، باستعراض الفجوة بين مفهوم الدولة ومفهوم المجتمع للأمن، ودور التقاليد المجتمعية والأعراف السائدة في بناء نظام سياسي يتواءم مع الدولة في الحفاظ على الأمن والاستقرار، ويخدم ساساتها، أو على النقيض من ذلك في حالة سيادة سياسة التهميش مركزياً تجاه الأطراف.
الوعي بالقبيلة لا المواطنة
ولفهم الواقع السوداني شديد الهشاشة، يحشد الكتاب نظريات علمية وفهومات حديثة تناقش تعقيدات تداخلات الحدود والقبيلة السياسية من جهة، وإمكانية بناء دولة معافاة من جهة أخرى، مستعيناً بقراءة هادئة ودؤوبة للتكوين التاريخي للمجال السكاني السوداني وتشكل الفضاء الإثني والقبائلي في السودان ونشأة السلطنات القديمة، التي لم تُمحَ بالكامل، وبقي من روحها الكثير في تشكيل الوعي بالقبيلة كملاذٍ آمن وحائط صد أخير في وقت الأزمات الكبرى والحروب العنيفة، رغم مظاهر الحداثة والمدنية التي جلبها الاستعمار، وعجزت الدولة الوطنية عن توكيدها منذ الاستقلال، بطرح عقد اجتماعي ينهض على المواطنة والاعتراف بالآخر والتنمية المتوازنة، وفرض قوة الدولة الديمقراطية والحوار بديلاً للسياسات الأمنية وتجييش الجميع ضد الجميع، حيث لم تفهم الدولة الوطنية طبيعة النظم الاجتماعية في السودان قبل الاستعمار والحداثة، وهي تتوافر على مجموعة واسعة من الكيانات السياسية والاجتماعية التي اختلفت في درجات تطورها وتعقيدها، لكنها اشتركت في اعتمادها على الروابط القرابية والقبلية والدينية بوصفها الأساس الرئيس للتنظيم الاجتماعي، فالسودان كان ولا يزال فضاءً يضم عدة أنماط من النظم الاجتماعية التي تراوحت بين المجتمع القبلي والمجتمع السلطاني والمجتمع المحلي الزراعي والرعوي.
أسس الصراع
ولا يقرر الكتاب صراحة أن الصراع في السودان بين دولتين، تقليدية قديمة تطورت من القبائل والتحالفات، وبين دولة حديثة حاولت قطع هذا التطور المحلي الذي نشأ في عدد من المناطق، من نظم اجتماعية بسيطة بحكم طبيعة ومصالحها المحدودة، إلى نظم اجتماعية تتفرع منها نظم سياسية واقتصادية أكثر تعقيداً، في سلطنة الفونج، وسلطنة دارفور، ومملكة تقلي، والممالك النوبية السابقة، وتطورت معها أساليب ووسائل الحرب والدفاع وأدارتها شبكات الزعماء المحليين عبر أنماط مرنة من الحكم، ووفرت حداً أدنى من الاستقرار دون الحاجة إلى دولة مركزية حديثة. وعلى الرغم من محدودية أدوات هذه النظم، إلا أنها كانت منسجمة مع الجغرافيا البشرية، وتعترف بمرونة الحدود، وتسمح بالتداخل السكاني والحركية الاجتماعية، وهي عناصر ستصطدم لاحقاً، ينوه الكتاب، بمفهوم الدولة الحديثة وحدودها الصلبة.
لقد ورثت الدولة الجديدة، بعد الاستقلال، مؤسسات إدارية حديثة وحدوداً سياسية رسمها الاستعمار، لكنها لم ترث مجتمعاً اندمج بالكامل في إطار الدولة الوطنية. فقد ظلت القبيلة، والطائفة الدينية، والإدارة الأهلية، مؤسسات تتمتع بشرعية اجتماعية واسعة، تتجاوز في كثير من المناطق سلطة الدولة نفسها. ولعبت الإدارة الاستعمارية دوراً رئيسياً في أن يظل هذا الوضع حتى بعد الجلاء، بتقويتها ركائز الإدارة الأهلية بما يحقق أهدافها وسلطاتها، ويضعف من قدرات القوى الوطنية لتجاوز هذا الواقع، لبناء دولة مستقلة عن السياسات الاستعمارية في مرحلة ما بعد انتهاء حكمها المباشر.
إن كتاب أمير عبد الله الأخير هو وثيقة نقدية لمراجعة مسار الدولة السودانية، حيث تكمن أزمة السودان في أن شعوبه المتنوعة، أُجبرت في كل مراحل الاستعمار الأول والثاني، على توحيد هذه الشعوب قسرياً دون إرادتها داخل حدود سياسية وإدارية، كما أثبتت تجربة الحكم الوطني الممتدة منذ عام 1956 أن بناء الدولة لا يتحقق بمجرد الاستقلال السياسي، وإنما يحتاج إلى توافق اجتماعي حول طبيعة الدولة وهوية المجتمع وشكل توزيع السلطة والموارد.





