من انقلاب إخواني إلى حرب وطن

إبراهيم هباني

هناك دول تهزمها الجيوش، ودول تسقطها الأزمات الاقتصادية، لكن السودان خسر نفسه عندما أصبحت الدولة وسيلة، لا غاية؛ وعندما صار التنظيم أكبر من الوطن، والولاء أهم من الكفاءة، والدبابة أقصر الطرق إلى السلطة.

لم تكن الثلاثون من يونيو 1989 مجرد ليلة استولى فيها ضباط على الإذاعة والقصر الجمهوري. كانت بداية مشروع سياسي أراد إعادة صياغة السودان كله.

انقلاب حملته الحركة الإسلامية إلى السلطة عبر الجيش، ثم شرعت في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤيتها، باعتبار أن الدولة يجب أن تخدم المشروع، لا أن تكون حكمًا بين جميع المواطنين.

كانت تلك اللحظة بداية أكبر تجربة للإسلام السياسي في السودان، وربما في المنطقة.

تجربة امتدت ثلاثة عقود، رفعت شعارات الهوية والشريعة والنهضة، لكنها انتهت إلى دولة مثقلة بالحروب والانقسامات والانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية.

لم يكن حسن الترابي مجرد منظر سياسي، بل العقل الذي صاغ المشروع وأقنع أتباعه بأن الوصول إلى السلطة يسبق بناء الدولة. ولم يكن عمر البشير سوى الوجه العسكري الذي وفر للمشروع القوة اللازمة للبقاء.

ومع مرور الوقت، تداخل التنظيم والدولة حتى أصبح الفصل بينهما أمرًا بالغ الصعوبة.

في تلك السنوات، تغيرت الخدمة المدنية، وأعيد تشكيل مراكز النفوذ، وأصبحت السياسة الأمنية أكثر حضورًا من السياسة الوطنية. ولم تعد مؤسسات الدولة، في نظر كثير من السودانيين، مؤسسات تقف على مسافة واحدة من الجميع، بل جزءًا من معركة السلطة نفسها.

ثم جاءت المفاصلة بين الترابي والبشير، فظن كثيرون أن المشروع انتهى. لكن الذي انقسم كان القيادة، أما البنية التي تشكلت خلال سنوات الحكم فقد بقيت حاضرة بأشكال مختلفة، واستمر أثرها في الحياة السياسية والعسكرية حتى بعد سقوط البشير في أبريل 2019.

اعتقد السودانيون أن الثورة طوت الصفحة الأخيرة من عهد الإنقاذ، لكنهم اكتشفوا أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة تفكيك إرثه. فالدولة التي خرجت من ثلاثة عقود من إعادة الهندسة السياسية لم تكن قادرة على استعادة توازنها بسهولة، وظلت الصراعات القديمة تبحث عن وجوه جديدة.

ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023، فلم تكن مجرد مواجهة بين قوتين عسكريتين، بل انفجارًا مؤلمًا لكل التناقضات التي تراكمت عبر سنوات طويلة. دفعت البلاد ثمن غياب الدولة، وثمن عسكرة السياسة، وثمن الإيمان بأن القوة تستطيع أن تحسم ما تعجز عنه المؤسسات.

سيختلف السودانيون حول المسؤوليات المباشرة للحرب، وستظل تلك المسؤوليات محل نقاش سياسي وتاريخي. لكن ما يصعب إنكاره أن السودان دخل هذه الحرب وهو يحمل إرثًا ثقيلًا من الانقلابات، والاستقطاب، وضعف المؤسسات، وتراجع الثقة في السياسة المدنية.

لم يخسر السودان الحرب فقط، بل خسر زمنًا كاملًا. ملايين النازحين، وآلاف الضحايا، ومدن تحولت إلى ساحات قتال، واقتصاد يترنح، ومجتمع أنهكته الكراهية والانقسام. وما كان يمكن لكل ذلك أن يحدث بهذا الحجم لولا أن الدولة، طوال سنوات، تراجعت أمام صراع المشاريع وموازين القوة.

لن يتذكر التاريخ كثرة الشعارات، بل سيتذكر النتائج. وسيتذكر أن بلدًا كان مرشحًا ليكون أحد أكثر بلدان أفريقيا استقرارًا وثراءً، وجد نفسه بعد عقود غارقًا في حرب تهدد وجوده ذاته.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الوطن لا يُبنى بالتنظيمات، ولا يُحكم بالانقلابات، ولا يستقر عندما تصبح البنادق أعلى صوتًا من الدستور. فالدولة التي لا تتسع لجميع مواطنيها، ولا تحمي مؤسساتها من الاستقطاب، تظل معرضة لأن تعيد إنتاج أزماتها مهما تبدلت الأسماء والوجوه.

وربما يكون الدرس الأهم أن الأوطان لا تضيع في يوم واحد، بل تضيع خطوة بعد أخرى.. حتى يستيقظ الجميع ليكتشفوا أن ما كان خلافًا على السلطة، أصبح صراعًا على بقاء الوطن نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى