حكاية من بيئتي(42)كوجاك الكُج

محمد أحمد الفيلابي
إنتو شُفّع؟
لم يستطع أن يقول أكثر من ذلك، وشلة النادي يتفقون على الدخول بمظهر واحد، وفي فم كل منهم حلاوة مصّاصة، تلك المسماة محلياً (كوجاك). جلسوا أمام الشاشة الكبيرة، ولاعبو المنتخبين المتنافسين يجرون الإحماء استعداداً لخوض آخر نزالات المونديال.
كان (ياسر كوجاك) في القميص المخطط السماوي، بالرقم (10)، يُمنّي نفسه بكسر النحس الملازم له منذ انطلاقة الفعالية العالمية، إذ كلما أعلن الوقوف إلى جانب منتخب ما، يخاسر، ويجلب له المزيد من سخرية الأقران. وفي هذه المرة ظن أن الرهان سيكون لصالحه، كيف لا وهو المنتخب الحائز على الكأس في المونديال الأخير. وكان قد ندم أشد الندم حين وقف إلى جانب المنتخب الإنجليزي في نصف النهائي، لما أظهره المنتخب من قوة، بجانب ذلك الانتماء الخفي لعموم السودانيين لكل ما هو إنجليزي في مواجهة الآخرين.
لو داير الأرجنتين تفوز يا كوجاك، شجع الإسبان.
داعبه أحدهم، وأضاف آخر:
كفاية غفلة المغاربة والقبلهم يا (كج)، أكسب مرة واحدة في حياتك.
كان المنتخب المغربي يبدو وكأنه الحصان الأسود في البطولة، غير أن (ياسر) لم يقف إلى جانبه إلا في آخر لقاءاته، حيث خسر مغلقاً ملف المنتخبات العربية والأفريقية في هذه النسخة من المونديال. ولكن.. ما بال المنتخبات العربية والأفريقية تتساقط في الجولات الأخيرة بعد أن تملأ الفضاء العام بفأل المضي قُدماً في المسابقة، فاتحة الباب أمام سؤال إيكولوجيا العقل الرياضي؟ ولماذا تتكرّر الحكاية ذاتها في كل كأس عالم؟ وما هي التأثيرات البيئية على هذه الظاهرة؟
يبدأ المنتخب من هذه بلياقة لافتة، وأداء مدهش، ثم ينهار كل شيء في الدقائق الأخيرة. وليس في الأمر لعنة تاريخية، ولا هو ضعف انتماء وطني كما يروج البعض، لكنها نافذة على واقع يعيشه الرياضي الأفريقي خاصة، يلمع في ألعاب القوى، ويبدع كمحترف في ناديه الأوروبي، وحين يعود إلى المنتخب يجد نفسه داخل بيئة مختلفة تماماً. بيئة تطالبه بما يتجاوز حدود القدرات الفردية واللياقة، إلى مفهوم العمل الجماعي، ولا توفر له شيئاً من الدعم سوى ذلك الزخم في المدرجات، والذي يشكل ضغطاً أكثر من التحفيز.
يرى البعض أن المحترف الأفريقي خارج بلاده يعيش داخل منظومة دقيقة، تغذية محسوبة، تدريب علمي، إدارة نفسية دقيقة، ضغط مهني واضح الحدود. أما في المنتخب، فيدخل بيئة أخرى حيث التوقعات الشعبية الهائلة، وتلك الرمزية الوطنية، والإعلام المتوتر، في ظل مؤسسات رياضية هشّة، وذاكرة جماعية تريد من الفرد أن يحمل الوطن على كتفيه.
هذا الانتقال من بيئة نظامية إلى بيئة ضاغطة يخلق فجوة في الأداء، تظهر بوضوح في اللحظات الحرجة، حين يحتاج الفريق إلى أعصاب باردة لا إلى عضلات متوترة. ثمّة ما يسميه علماء النفس الرياضي بـ(ضغط الهوية)، ذلك الشعور بأنّ الفشل ليس فشلاً في مباراة، بل فشل حياتي ساق اللاعب نفسه لتمثيل جماعة واسعة تشجع فريقه العالمي ليحقق النجاحات. وتحت ضغط السؤال: (لماذا علينا أن ننجح رياضياً بينما نفشل في شأن آخر؟)، يتولد التردد والتوتر وفقدان التركيز في آخر الدقائق، بينما يحتاج الأمر حينها إلى عقلٍ مستقرّ، لا يتوافر لدى من يعيش في ثقافة تشجّع الفردية الإبداعية، لا الثقافة التي تُحمّله مسؤولية جماعية أكبر من قدرته، في ظل مشكلات سوء التخطيط للمعسكرات، غياب الاستقرار الإداري، وتلك البيئة غير المستقرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، وحتى السياسية.
كم هو محزن منظر عشرات الآلاف من الأفارقة يحملون إلى الملاعب العالمية أحلامهم وأعلامهم وأزياءهم المميزة وأهازيجهم وصور نجومهم، يقضون الساعات الطويلة في انتظار فرحة سرعان ما تنقلب دموعاً. هؤلاء جاءوا (ليتناسوا) فشل إدارة موارد بلادهم للحظات، وليفرحوا بتسجيل انتصار على (آخر) يرون تفوقه عليهم في مضمار آخر.. لكنها البيئة التي لا تكتفي بتشكيل جسد اللاعب، بل تمتد إلى عقله ووجدانه، وإلى الطريقة التي يدير بها الزمن. إذ إن ما نراه من انهيار في الدقائق الأخيرة ليس سقوطاً بدنياً، بل هو سقوط بيئةٍ لم تُبنَ على أسسٍ من الاستقرار، والتخطيط، والثقة، ولم تُهيّئ لاعبها للصمود. لنتقل الضغط إلى أمثال (ياسر) أو (كوجاك الكج) من الجماهير العاشقة للعبة، الذين يجدون فيها متنفساً عن الضيق الذي يحاصرهم على مختلف الجبهات، ومن بينها الاتهام الملازم له بالنحس.
فـ(الكج)، و(النحس) هما مفهومان متجذران في الموروث الشعبي السوداني، يعبران عن ربط الأحداث اليومية أو الأشخاص بالحظ السيئ. يقابلهما في الثقافة العربية (التطيُّر والتشاؤم). وبينما يُعتبر التطيُّر منهياً عنه دينياً، إذ بيّن (ابن باز) أن التطير (وهو التشاؤم بمرئي أو مسموع) محرم ومن خصال الجاهلية، إلا أننا نجد السودانيين يصرون على ممارسته مستخدمين مصطلح (الكج) لوصف الشخص الذي يُعتقد أن حضوره أو أفعاله تجلب الخراب أو الفشل والسوء ودفع الخير.
لكن… هل في استحداث الألقاب هذا متنفس آخر لدينا؟
(كوجاك) لقب ممنوح لكل صاحب رأس أصلع، ويعود المسمى للشخصية الدرامية (الملازم ثيو كوجاك)، والتي جسدها في ذلك المسلسل البوليسي الشهير الممثل اليوناني (تيلي سافالاس)، ورغم أن كلمة (كوجاك) مستمدة من كلمة سلافية تعني الشاب، أو الولد الصغير، إلا أنها ارتبطت لدينا بالرأس الأصلع فحسب.
أما من أشهر من حملوا اللقب من السودانيين، فهو رائد (مسرح الكارو) المسرحي (عز الدين كوجاك) الذي تسجل له ذاكرة المسرح في مدينة ود مدني – على حد تعبير الناقد السر السيد – أنه أسس في العام 1978 فرقة المكي المسرحي، وشارك مع آخرين في تأسيس فرقة الخليل في العام 1979، كما انضم لفرقة عرفات وشارك معها في مسرحية المهرج لمحمد الماغوط. تمرَّد (كوجاك) على صيغة المسرح التقليدي بسبب تراجع جمهور المسرح عن ارتياد دور المسرح التقليدية، بجانب التكلفة الباهظة لتغطية احتياجات العرض التقليدي، ولجأ إلى (الكارو) كمسرح، كمكان متحرك يتيح له التنقل إلى حيث وجود الجمهور الذي يستهدفه، بأقل تكلفة، بما في ذلك تكلفة الوقت. ولعله قد تساءل، وفق تجربته، إن كان بإمكان (الكارو) نقل حاجيات الناس من مكان إلى آخر، ألا يمكنه توظيفه لنقل (الفِرجة) والإمتاع المتضمن للرسالة الاجتماعية؟ فقد قدَّم في العام 1984 أول عرض لمسرح الكارو في شارع يضج بالمارة، وكان ذلك بمثابة التدشين للعروض التالية التي حاول من خلالها تسليط الضوء على الفساد الإداري، وغياب الضمير، وأن يناقش موضوعات تحمل في مجملها رسائل تعليمية وتوعوية وتنويرية ذات صلة بسؤال التغيير وأسئلة التنمية بمفهومها الأشمل. وقد حملت بعض أعماله أسماء دالّة من قبيل: (انكسر المرق.. الأرضة أكلت المستندات.. المرحوم في فك التسجيلات.. مجانين تحت التمرين.. الدنيا دلوكة.. الدفن في مقابر الحكومة.. لنا قضية).
أما قضيتنا الكبرى فهي محاولة توظيف هذه القدرات الفائقة على استحداث الألقاب، وسبك الحكايات إلى ما ينفع الناس، مثلما فعل (عز الدين) الذي جاء إلى عالم الدراما بالصدفة، كما ذكر بنفسه. لكنه في نفسه الثقة للابتكار والإبداع في زمن يحارب فيه المبدع والإبداع، ويركن الجميع إلى الاحتشاد حول الشاشات التي تعرض إبداعات الآخرين، وإن كان الأمر لا يتعدى لعبة كرة قدم. فالحياة لا تكتمل بـ(الفرجة) وحدها، والمستقبل لا يُصنع بالتصفيق للآخر، بل بالفعل الخاص. والأوطان لا يبنيها من ينتظر، بل من يبدأ… ولو بخطوة صغيرة. وها قد حان الوقت لننتقل من موقع المتفرّج إلى موقع الفاعل، وأن نكفّ عن انتظار (المبدع القادم من بعيد)، وأن نؤمن بأن البيئة التي أنجبت (عز الدين) قادرة على إنجاب عشرات غيره، إذا وجدوا من يشجّعهم، ومن يفتح لهم باباً صغيراً ليطلّوا منه على العالم.
والدعوة اليوم إلى أن نلتقط ما حولنا من قصص، ونحوّلها إلى معرفة، وإلى فن، وإلى مبادرات تُغيّر حياة الناس. وأن نعيد الاعتبار للخيال، وللجرأة، وللخطوة الأولى التي يخشاها الجميع. وأن نكسر عادة الجلوس أمام الشاشات، ونصنع شاشة تخصّنا نحن، تعرض حكاياتنا نحن، وتُشبه بيئتنا نحن.
ولنا أن نؤمن أنه يمكن أن يكون هناك (كوجاك) ليس بـ(الكج).
.





