وعن المسرح نحكي

السر السيد

السر السيد

تتجدد مع الأيام أساليب المسرح وتقنياته، فهو على الدوام، وبما يتمتع به من خصائص بحسبانه الفن الحي، يرفد نفسه بما يستجد من معارف وأفكار ومفاهيم. فالمسرح كان ولا يزال عصيًا على الغياب والزوال، رغم التحولات التي شهدتها وسائط الاتصال وشهدها المسرح نفسه. وكيف لا، وهو الفن الذي حمل هموم الإنسان وأسئلته الكبرى، وعبّر عنها في كل زمان ومكان؟

وهو الفن الذي استطاع، بمثابرة طلائع صنّاعه ومقدرتهم على التفاعل مع محيطهم الاجتماعي والثقافي والسياسي، أن يتواءم مع مختلف الشروط والظروف. فلم يعد المسرح الآن أسيرًا للشكل الغربي وحده، ولا للقاعات المغلقة، بل لم يعد أسيرًا للنصوص المكتوبة ولا لتقنيات العروض المكرّسة. فقد أصبح بمقدور أي مجموعة من الناس أن تقدم عرضًا مسرحيًا في أي مكان، وأن تحكي ما تريد، وأن تتحاور حول أيٍّ من قضاياها.

إنه يدخل الآن في حياة الناس من أوسع أبوابها، معيدًا كتابة تواريخ الشعوب المهمشة، وناقدًا تغوّل المركزيات بمختلف أنواعها وأشكالها. فهو المرآة التي تعكس ما يدور في حيوات الناس، وهو الأداة التي يستخدمونها في التنوير والتعليم، وفي التغيير نحو الأفضل.

يقول المسرحي الجنوب أفريقي بريت بيلي، في كلمته التي كتبها بمناسبة اليوم العالمي للمسرح في 27 مارس 2014، وترجمها من الإنجليزية إلى العربية الشاعر والمسرحي السوداني يوسف عيدابي. وهي الكلمة التي جرت العادة على أن يكتبها مسرحي في كل عام، وتتلى في اليوم العالمي للمسرح. يقول:

«فلنبدد بالمسرح الحدود التي تفرق بيننا.. أينما وجدت جماعة بشرية فلسوف تتبدى روح “العرض” الجامحة، تحت الأشجار، في صغريات القرى، بل وفي مسارح المدائن عالية التقنية، وفي قاعات المدارس، وفي الحقول والمعابد، في أحياء الفقراء وفي قصور المدن، وفي السراديب الداخلية، وفي مراكز الأقليات..».

 

إنه المسرح؛ ذلك العرض الذي يُرى مرة واحدة ولا يتكرر. فالعرض الذي تراه في اليوم الثاني من العرض نفسه ليس هو العرض الذي رأيته في اليوم الأول. وهذه الومضة، وهذه اللحظة العابرة، هي التي تمنحنا المتعة والقدرة على التدبر والتفكر فيما يحيط بنا. وهي التي تساعدنا على اكتشاف عالمنا ومعرفة ما يُراد بنا، وتمنحنا الأمل وتحفز فينا إرادة التغيير، خاصة في هذا العصر الذي وصفه بيلي في كلمته بقوله:

«في هذا العصر الذي تناضل فيه الملايين العديدة من البشر لأجل البقاء، وتعاني تحت نير أنظمة قمعية ورأسمالية ضارية، فإنها لتشعر بالصراعات والشدائد، وإن خصوصياتنا مخترقة بالوكالات السرية والاستخبارات، وإن كلماتنا تتم مراقبتها بواسطة حكومات متعسفة…».

إنه المسرح، فن الاحتفال بالحياة والدفاع عنها، في أي مكان وحين.

إنه المسرح، الفن الذي يعيش بين الناس في حضور حي، وتتخلق عبر مسامه وتجاويفه ثيمات الحب، والاختلاف، والتنوع، والحوار، والإنصات، والتشاركية، والنقد؛ بل وكل ما يمنح التدافع بين الناس معنى خلاقًا، ويجعل الحياة جديرة بأن تُعاش

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى