التحالفات الإقليمية.. وأثرها على الحرب في السودان

عادل يعقوب أحمد نور
تتقاطع مصالح القوى الكبرى في بوتقة الحرب السودانية، بين تحالف إسلامي ناشئ وشراكة أمريكية-إثيوبية متنامية، في مشهد يعيد رسم خريطة النفوذ في القرن الأفريقي.
في السابع من أغسطس 2026، شهدت مكة المكرمة توقيعاً غير مسبوق: اتفاقية دفاع مشترك جمعت السعودية وتركيا وباكستان، في حلف عُرف بـ«اتفاقية مكة للدفاع المشترك». نصّت الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على الجميع، في صيغة تستحضر المادة الخامسة من حلف الناتو. لكن هذا التحالف الجديد، الذي وُصف بأنه قد يُشكِّل «ناتو إسلامياً»، لم يولد في فراغ؛ بل جاء في سياق إقليمي مضطرب، تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى على أرض السودان المشتعلة حرباً منذ أبريل 2023.
حلف مكة: مثلث القوة الجديد
يجمع التحالف الثلاثي بين السعودية (الثقل الاقتصادي والمكانة الدينية)، وتركيا (الصناعة العسكرية والخبرة العملياتية)، وباكستان (القوة البشرية والعسكرية والقدرة النووية). وقد استغرق العمل على الاتفاقية نحو عامين، وشمل اجتماعات فنية وسياسية متواصلة. ووفقاً لبيان مشترك، فإن الاتفاقية تهدف إلى «تعزيز الردع المشترك في مواجهة أي اعتداء».
غير أن غياب مصر عن هذا الحلف أثار تساؤلات واسعة. فالقاهرة، التي تربطها علاقات جيدة مع جميع الأطراف، فضلت الحفاظ على «هامش مناورة مستقل» وتجنب الانخراط في محور قد يحول التنافس الإقليمي إلى صراع طائفي. ومع ذلك، أبدت مصر لاحقاً دراسة «بكل جدية» مسألة الانضمام إلى الاتفاقية.
واللافت أن التقارير تحدثت عن دعوة وجهتها الدول الثلاث لإيران للانضمام إلى الحلف، وهي خطوة من شأنها، لو تحققت، أن تغير طابع التحالف بشكل جذري وتحوله إلى إطار إقليمي أوسع.
الشراكة الأمريكية-الإثيوبية: محور القرن الأفريقي
على الجانب الآخر من المشهد، تشهد العلاقات بين واشنطن وأديس أبابا دفئاً متصاعداً. ففي مايو 2026، عقد مسؤولون إثيوبيون وأمريكيون مشاورات رفيعة المستوى في واشنطن، وقعوا خلالها إطاراً للحوار الثنائي يشمل التجارة والأمن ونزع التصعيد الإقليمي.
وتعكس هذه الشراكة تحولاً في الاستراتيجية الأمريكية تجاه القرن الأفريقي، حيث أصبحت إثيوبيا «في قلب الدبلوماسية الأمنية» لواشنطن في المنطقة. وتشمل ملامح هذه الشراكة دعماً أمريكياً لمشروع مطار «بيشوفتو» الدولي بقيمة 10 مليارات دولار، وإطاراً للتعاون الصحي بقيمة 1.6 مليار دولار، فضلاً عن تعاون أمني لمكافحة الإرهاب في المنطقة.
التقاطع على أرض السودان
وهنا يبرز التداخل الأكثر تعقيداً. فالحرب السودانية، التي انخرطت فيها أطراف إقليمية متعددة، باتت ساحة يتقاطع فيها حلف مكة مع الشراكة الأمريكية-الإثيوبية، وإن بطرق غير مباشرة ومتباينة.
فمن ناحية، تشير تقارير إلى أن إثيوبيا قد سمحت لقوات الدعم السريع، بدءاً من أواخر 2025، باستخدام غرب إثيوبيا كقاعدة خلفية، في خطوة نُسبت إلى الإمارات العربية المتحدة. وقد وثّق تقرير صادر عن مختبر أبحاث في جامعة ييل أدلة على «أنشطة تتوافق مع مساعدة عسكرية إثيوبية» لقوات الدعم السريع، وهو ما نفته أديس أبابا.
وفي المقابل، تجد القوات المسلحة السودانية نفسها متحالفة مع أطراف مختلفة. فمصر، التي تربطها باتفاقية دفاع مشترك مع السودان، تُنسق مع تركيا لدعم قدرات الجيش السوداني. كما وقّع السودان والسعودية اتفاقية تعاون استراتيجي أعادت تشكيل خارطة التحالفات في البحر الأحمر. وتشير تقارير إلى دعم عسكري ولوجستي وتقني ضخم للجيش السوداني من دول حلف مكة.
صراع المصالح أم إعادة ترتيب الأوراق؟
يرى خبراء استراتيجيون أن حرب السودان دفعت إلى إعادة ترتيب الحسابات الأمنية والسياسية في القرن الأفريقي، حيث بدأت تحالفات قديمة تتعرض للاختبار. فالتنافس بين السعودية والإمارات، الذي يتجلى بوضوح في الموقف من الأطراف المتحاربة في السودان، يُضيف بُعداً خليجياً للصراع.
أما حلف مكة، فرغم أنه لا يتدخل رسمياً في النزاعات الداخلية، إلا أنه يخلق مناخاً إقليمياً جديداً. فتركيا، العضو في الحلف، باتت منسقة مع مصر لدعم الجيش السوداني، بينما تتهم الخرطوم إثيوبيا بدعم الدعم السريع. وهكذا، فإن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع داخلي، بل أصبحت ساحة تتصادم فيها مصالح تحالفات إقليمية كبرى: حلف مكة من جهة، والشراكة الأمريكية-الإثيوبية – والامتدادات الإماراتية من ورائها – من جهة أخرى.
ويزداد المشهد تعقيداً مع انخراط الولايات المتحدة، التي تسعى للوساطة في السودان، بينما تعزز في الوقت نفسه شراكتها مع إثيوبيا، المتهمة بدعم أحد أطراف النزاع. هذا التناقض الظاهري في الموقف الأمريكي يعكس واقعاً جيوسياسياً معقداً، حيث تتصارع المصالح الاستراتيجية مع مساعي السلام.
في المحصلة، يبدو أن الحرب السودانية تحولت إلى مرآة تعكس تداخل التحالفات الإقليمية وتقاطعها، حيث لا يمكن فهم مسار النزاع بمعزل عن شبكة المصالح المتشابكة التي تمتد من مكة إلى واشنطن، مروراً بأنقرة وإسلام آباد وأديس أبابا. ومهما كانت نتيجة هذه الحرب، فإنها ستُعيد – بلا شك – تشكيل موازين القوى في منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط لعقود قادمة.





