تعزيز منبر جدة: من وقف الحرب إلى صناعة السلام

بقلم: محمد شوقي خليل
تمثل الحرب في السودان أزمة مركبة تتداخل فيها أزمة الدولة، وانهيار الثقة، والانقسامات المجتمعية، والنزوح، واقتصاد الحرب. لذلك، لا يكفي التوصل إلى اتفاق عسكري لتحقيق سلام مستدام؛ بل لا بد من مسار مدني يحظى بحد أدنى من القبول، ويعالج جذور الأزمة، ويعيد السياسة إلى المجتمع.
وتتمثل الحاجة الراهنة في تعزيز منبر جدة بمسار مدني سوداني مستقل، بالتوازي مع المسار العسكري–الإنساني المعني بوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ووضع الترتيبات الأمنية. أما المسار المدني، فينبغي أن يركز على بناء الثقة، وتوسيع قاعدة المشاركة، ووضع الأسس اللازمة للانتقال إلى حكم مدني.
ولا يعني ذلك إنشاء منبر جديد أو إشراك الفاعلين السياسيين في المفاوضات العسكرية، بل استكمال بنية السلام. فأطراف الحرب قادرة على وقف القتال، لكنها لا تملك وحدها حق تقرير مستقبل الدولة.
ويمثل منبر جدة خيارًا عمليًا، مستفيدًا من خبرته التفاوضية وقنواته القائمة مع طرفي الحرب، فضلًا عن الثقل الإقليمي للمملكة العربية السعودية ومصلحتها في استقرار السودان وأمن البحر الأحمر. ويمكن البناء على الشراكة السعودية–الأميركية، مع استضافة السعودية للمسار المدني، على أن يقتصر الدور الخارجي على التيسير وتوفير الضمانات، بينما تظل العملية سودانية في أجندتها وممثليها ونتائجها.
وينبغي أن تكون أي لجنة تمهيدية محدودة الولاية وقابلة لإعادة التشكيل، وأن تنتقل المبادرة تدريجيًا إلى ملكية سودانية أوسع من خلال مشاركة متنوعة وميثاق معلن يضمن الاستقلال ويرفض الاحتكار، مع التأكيد على عدم استخدام العملية لإضفاء الشرعية على أي سلطة أو قوة مسلحة.
ويجب أن يشمل المسار المدني النساء، والشباب، والنازحين، واللاجئين، والمهنيين، والمجتمعات المحلية، لا الأحزاب وحدها. كما ينبغي إدارة المرحلة التحضيرية بواسطة أمانة مستقلة ومؤقتة، يختار أعضاؤها وفق معايير معلنة للتنوع والكفاءة والنزاهة، من دون منح أي طرف حق النقض أو السماح بتدخل طرفي الحرب في عملها.
والأنسب هو اعتماد انخراط مشروط يضمن الاستقلال والشفافية وحماية المشاركين، مع إمكانية تعليق العملية إذا فُرض المشاركون أو النتائج على نحو يقوض مصداقيتها. ويمكن اختبار هذا النهج من خلال مرحلة تحضيرية محدودة وواضحة الأهداف.
وتكمن قيمة تعزيز منبر جدة في تحويل التفاوض إلى عملية مستمرة لبناء السلام، لا إلى صفقة بين النخب المسلحة. فالسعودية والولايات المتحدة توفران الحاضنة والضمانات، بينما يستعيد السودانيون ملكية العملية السياسية من قبضة السلاح.
قد ينجح العسكريون في وقف إطلاق النار، لكنهم لا يستطيعون صناعة السلام وحدهم. ولا يحتاج السودان إلى منبر جديد، بل إلى مسار مدني مستقل داخل منبر جدة، يساند وقف الحرب من دون تعطيله؛ فالهدنة توقف القتل، أما السلام فيتطلب قيادة مدنية، ومشاركة واسعة، والتزامًا أمنيًا قابلًا للتحقق.





