كردفان .. ساحة للجوع والحرب ضحاياها 8 ملايين شخص

مغيرة حربية
تشهد جبهات القتال في كردفان الكبرى، منذ شهرين، تصعيداً عسكرياً عنيفاً، وتحتدم المعارك وضربات الطيران المسيّر بين الجيش والقوات المساندة له وبين قوات الدعم السريع، في محاور عديدة بجنوب وشمال الولاية، مما خلَّف أوضاعاً إنسانية قاسية وسط المدنيين الذين فروا من قراهم بحثاً عن مناطق أكثر أمناً وتدفقوا صوب العاصمة الخرطوم والأبيض عاصمة الإقليم، وكوستي في ولاية النيل الأبيض.
وتشير التداعيات إلى أن الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع اتخذت أخيراً من كردفان مسرحاً لها بعد أن انحسرت عن مناطق الجزيرة والنيل الأبيض والعاصمة الخرطوم، ما يعني أن نحو 8 ملايين، هم سكان الإقليم تقريباً، يواجهون معاناة الحرب بشكل مباشر.
نزوح متجدد
وكشفت بيانات وتعميمات صادرة عن غرفة طوارئ دار حمر (كيان أهلي غير رسمي)، خلال الشهرين الماضيين، عن تدهور أمني وإنساني متسارع في ولايتي شمال وغرب كردفان بسبب الحرب المباشرة، وشملت العمليات العسكرية استهداف المرافق الصحية والتعليمية، ونهب الأسواق، واختطاف وقتل مدنيين واقتتالاً على الإغاثة. ففي 7 أكتوبر الحالي، وثقت الغرفة مقتل 3 مدنيين وإصابة 4 آخرين في سوق منطقة «منعم» بولاية غرب كردفان، جراء اشتباكات مسلحة اندلعت بين عناصر من قوات الدعم السريع نفسها على خلفية تقسيم مساعدات إغاثية، كما وثقت الغرفة في 30 سبتمبر نهباً شاملاً لجميع المحال التجارية في منطقة (عيال بخيت) بريف منطقة الخوي، حيث تم الاستيلاء على المواد الغذائية بالكامل، مع تحذيرات للمواطنين بعدم ترك ممتلكاتهم خارج المنازل، وفي 21 سبتمبر، أعلنت الغرفة اختطاف التاجر، علي قريب، من منطقة الكبرة التابعة لمحلية النهود، ولا يزال مصيره مجهولاً.
وجراء احتدام المعارك، وصل أكثر من 5 آلاف نازح إلى مدينة أم درمان، قادمين من منطقة القاعة وكوكيتي وشرشار والفرشاية، غرب مدينة بارا، كما وصل (123,509) آخرون توزعوا في أحياء أمبدة ومناطق محلية كرري، ونحو (40,237) وصلوا إلى مناطق في النيل الأبيض، ووصل (66,575) إلى محلية شيكان وإلى الأبيض، عاصمة الإقليم، التي تشهد ضربات متوالية بالطيران المسيّر.
ويصل الفارون من حِدَّة القتال في ظروف بالغة الصعوبة، بعد أن فقدوا مصادر عيشهم الأساسي في الزراعة والرعي، وسط موسم أمطار متذبذب لهذا العام، ونقصٍ حادٍ في امتداد سلاسل الغوث لبرنامج الغذاء العالمي تجاه معسكرات النزوح.
على حافة الجوع
ووصف برنامج الأغذية العالمي ووكالات أممية الوضع الإنساني في إقليم كردفان بأنه كارثي، مع دخول الإقليم مرحلة الخطر المباشر للمجاعة بعد أشهر من القتال العنيف وقطع طرق الإمداد، التي تتعرض لأضرار جسيمة واستهدافاً مسلحاً لقوافل الإغاثة؛ ففي 30 أغسطس، دمر هجوم جوي أكثر من 50 طناً من المواد الغذائية خارج مدينة الدلنج، كانت تكفي لإطعام 5800 شخص لمدة شهر، وفي شمال كردفان، استهدفت مسيّراتٌ قافلة إغاثة في منطقة «الله كريم» أثناء توجهها إلى مدينة الأبيض، وهو أحد المسارات الرئيسية للإمداد. وقال برنامج الأغذية العالمي إن تكرار استهداف الشاحنات والطرق والجسور ومستودعات الغذاء وضع سلاسل الإمداد في «حالة قصوى من الهشاشة»، يضع مدناً وقرى بأكملها على حافة الجوع، ولا تغطي إجمالي المساعدات التي وصلت سوى 14% فقط من الاحتياج الفعلي.
وتعاني 14 منطقة في كردفان ودارفور مصنفة على حافة المجاعة، بحسب بيانات أممية، في مقدمتها مدينتا الدلنج وكادقلي بجنوب كردفان، ويواجه نحو 825 ألف طفل دون سن الخامسة خطر سوء التغذية الحاد خلال عام 2026.
في وقت جاء فيه موسم الأمطار أقل من المتوسط في كردفان. وحتى الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الجاري، تشير التقارير المناخية إلى أن موسم الأمطار في كردفان الكبرى اتسم بالتأخر والتفاوت المكاني، مع عجز بائن في الأمطار في أجزاء من شمال كردفان، بينما كانت الأوضاع أفضل في بعض المناطق الجنوبية. وتأخر المزارعون في شمال كردفان ودارفور في عمليات الزراعة، ما ينذر بمحصول أقل أو شبه منعدم.
ثروة مهدرة
وتتعرض الثروة الحيوانية في الإقليم، جراء المعارك، لانهيار غير مسبوق وسط تحذيرات من منظمة الفاو من فقدان السودان لـ 40% من ثروته الحيوانية منذ اندلاع الحرب، وتمتلك كردفان نحو 35% من إجمالي القطيع القومي في السودان.
وبحسب غرف الطوارئ، فإن الخطر الأكبر يتمثل في النهب المنظم للقطعان، حيث تحولت الإبل والأبقار والضأن إلى «غنائم حرب» لدى قوات الدعم السريع والمجموعات المسلحة المتفلتة، وأكدت أن الطريق الحيوي الرابط بين النهود- الخوي- الأبيض أصبح من أخطر طرق الرُّحل، بعد نصب ارتكازات تفرض رسوماً مالية على كل رأس ماشية يمر، فيما شهدت مناطق (عيال بخيت، وأم مراحيك، وغبيش) عمليات نهب لقطعان كاملة، نزح أصحابها دون أي مصدر رزق.
وانخفض الوارد من إقليم كردفان بنسبة تجاوزت 70% منذ يوليو الماضي، بحسب تجار في سوق المويلح تحدثوا لـ«أفق جديد»، وأكدوا أن سوق النهود، ثاني أكبر سوق للمواشي في السودان، يعيش حالة إغلاق شبه كامل لأكثر من شهرين بسبب التدهور الأمني، كما أغلق سوق (النعام) الحدودي مع جنوب السودان عقب أحداث العنف في 16 سبتمبر، وهو سوق استراتيجي لتصدير الإبل.
وتوقفت جميع المراكز البيطرية في غرب كردفان بشكل كامل، ولم تشهد المنطقة أي حملة تطعيم منذ اندلاع الحرب. وانتشرت أمراض فتاكة بين القطعان، أبرزها الحمى القلاعية «أبو لسان» وجدري الضأن والطاعون البقري، كما تعطلت آبار المياه في البوادي بسبب انعدام الوقود، ما اضطر الرعاة لقطع مسافات تتراوح بين 30 و40 كيلومتراً للحصول على المياه لقطعانهم، ما تسبب في حالات نفوق جماعي وتهديداً لانهيار نظام الرعي التقليدي في البلاد.





