السودان على أعتاب التسوية ..
تتآكل التحالفات وتنتقل صناعة السلام إلى الخارج

حاتم أيوب أبوالحسن
لم تعد الأزمة السودانية تُقرأ فقط من خلال موازين القوة في ميادين القتال، ولا من خلال الخطابات السياسية التي تتبادلها الأطراف المتحاربة وحلفاؤها، بل أصبحت تُقرأ بصورة متزايدة من خلال التحولات في المواقف الدولية، وتآكل التحالفات الداخلية، وتراجع قدرة القوى السودانية على إنتاج مشروع وطني موحد ينهي الحرب ويؤسس لمرحلة جديدة من الحكم.
السودان اليوم اقترب من لحظة تتقدم فيها إرادة التسوية الدولية على قدرة الأطراف الداخلية على التحكم في مسار الصراع. لكن ذلك لا يعني أن السلام أصبح أمراً محسوماً، وإنما يشير إلى أن الحرب بدأت تستنفد مقومات استمرارها السياسي، حتى وإن احتفظت بعض أطرافها بقدرات عسكرية تسمح لها بمواصلة القتال.
المفارقة أن القوى التي دخلت الحرب تحت شعارات متباينة، أو تحالفت على أساس مواجهة خصم مشترك، تجد نفسها أمام سؤال مؤجل لم يعد ممكناً الهروب منه مهما تظاهرت بالانسجام:
ماذا بعد الحرب، ومن يملك حق تحديد مستقبل الدولة السودانية؟
هي لحظة الحقيقة التي كشفت هشاشة التحالفات التي جمعت بين قوى عسكرية وسياسية واجتماعية مختلفة. التي توافقت على مواجهة عدو مشترك دون الاهتمام بالمستقبل على شكل الدولة، أو طبيعة الحكم، أو توزيع السلطة والثروة، أو العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية. وحين تتراجع وحدة الهدف العسكري أو تتغير الحسابات الإقليمية والدولية، تظهر التناقضات التي كانت الحرب تؤجل انفجارها.
في المعسكر المتحالف مع القوات المسلحة، لا تبدو المصالح متطابقة بالضرورة بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية والتيارات الأيديولوجية والحركات المسلحة. فلكل طرف حساباته بشأن السلطة بعد الحرب، وموقعه في الدولة، وحدود التنازلات المقبولة في أي تسوية سياسية. وقد يتحول التحالف الذي جمعته ضرورات المعركة إلى ساحة تنافس على شرعية تمثيل الدولة واحتكار القرار الوطني.
وفي المقابل، لا يعني تماسك أي تحالف مضاد، أو امتلاكه خطاباً سياسياً بديلاً، أنه قادر وحده على بناء سلام مستدام. فالمشكلة السودانية أعمق من انتصار طرف على آخر؛ إنها أزمة دولة ومواطنة وعدالة وتوزيع للسلطة، ظلت تتجدد عبر دورات الصراع من الجنوب إلى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وصولاً إلى الحرب الراهنة التي اتسعت آثارها لتشمل معظم البلاد.
هنا تتقدم الساحة الدولية إلى مركز المشهد. فالدول المؤثرة لا تنظر إلى السودان باعتباره أزمة إنسانية فحسب، بل باعتباره جزءاً من معادلة أوسع تتصل بالبحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وأمن الحدود، وحركة التجارة، وموازين النفوذ الإقليمي والدولي. ولذلك فإن الدفع نحو وقف الحرب لا ينفصل عن مصالح هذه القوى، ولا يمكن افتراض أن جميعها تتبنى الرؤية نفسها لمستقبل السودان.
وقد يتحول الضغط الدولي، عندما تقترن به أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية مؤثرة، إلى عامل يفرض على الأطراف المتحاربة الانتقال من حسابات الحسم العسكري إلى حسابات التسوية. لكن الخطر يكمن في أن يتحول السلام إلى صفقة بين القوى القادرة على التأثير في الميدان، بينما يُترك السودانيون خارج عملية تحديد مستقبلهم.
فالسلام الذي يُصنع تحت الضغط الخارجي قد يوقف إطلاق النار، لكنه لا يضمن وحده إنهاء أسباب الحرب. ويمكن للتفاهمات الدولية أن تفتح الطريق أمام التسوية، غير أن استدامتها تظل رهينة بقدرة السودانيين على تحويلها إلى عقد سياسي واجتماعي جديد، لا إلى إعادة توزيع للمواقع بين النخب المسلحة والسياسية.
أما مستقبل السودان القريب، فتبدو أمامه ثلاثة مسارات محتملة. الأول هو استمرار الحرب مع تصاعد الضغوط الدولية، بما يعني مزيداً من الاستنزاف العسكري والاقتصادي وتفكك الروابط الاجتماعية. والثاني هو الوصول إلى هدنة أو وقف لإطلاق النار يفتح الباب أمام مفاوضات سياسية، دون أن يحسم بالضرورة قضايا السلطة والجيش والعدالة الانتقالية. والثالث هو التوصل إلى تسوية أوسع تعيد ترتيب المرحلة الانتقالية على أساس مشاركة مدنية حقيقية، وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، ومعالجة جذور التهميش والصراع على الموارد والسلطة.
ولا يتساوى احتمال هذه المسارات، كما أن الانتقال من أحدها إلى الآخر سيعتمد على حسابات الأطراف السودانية، ومقدار الضغط الدولي، ومدى تقاطع مصالح القوى الإقليمية. غير أن المؤكد أن استمرار الحرب لن يحفظ التحالفات القائمة إلى الأبد، وأن أي طرف يراهن على استنزاف خصومه حتى النهاية قد يجد نفسه أمام تسوية تُرسم شروطها في غيابه أو على حساب مصالحه.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً تدريجياً من الصراع على السيطرة العسكرية إلى الصراع على شرعية التسوية نفسها. وعند هذه النقطة، لن تكون القوة وحدها كافية لضمان النفوذ السياسي؛ إذ ستصبح القدرة على تقديم مشروع وطني مقنع، وبناء تحالفات اجتماعية واسعة، والاستجابة لمطالب المدنيين، عناصر أساسية في تحديد من يستطيع التأثير في مستقبل البلاد.
التحدي الأكبر أمام القوى المدنية هو ألا تكتفي بمراقبة التنافس بين العسكريين أو انتظار ما ستقرره العواصم الخارجية. فغياب مشروع مدني متماسك يترك المجال مفتوحاً أمام الأطراف المسلحة لإعادة إنتاج السلطة بأشكال مختلفة، حتى لو انتهت الحرب رسمياً.
إن السودان لا يحتاج إلى تسوية تنهي المعارك فحسب، بل إلى تسوية تاريخية تنهي منطق احتكار الدولة بواسطة القوة، وتعيد تأسيس العلاقة بين المركز والأقاليم على قاعدة المواطنة المتساوية، وتضمن أن تكون المؤسسات العامة ملكاً لجميع السودانيين، لا غنيمة لتحالف منتصر أو مكافأة لطرف شارك في الحرب.
اللحظة الفاصلة التي يواجهها السودان ليست بين الحرب والسلام فقط، بل بين سلام يعيد إنتاج الأزمة، وسلام يؤسس لدولة جديدة. فحين تتآكل التحالفات الداخلية وتتقدم الضغوط الدولية، قد تصبح التسوية أقرب من أي وقت مضى، لكن السؤال الحاسم سيظل: هل يدخل السودانيون هذه التسوية بوصفهم أصحاب مشروع وطني، أم يجدون أنفسهم مجرد أطراف في اتفاق صاغ الآخرون شروطه؟
ذلك هو جوهر المعركة السياسية المقبلة؛ معركة الانتقال من وقف الحرب إلى تأسيس الدولة، ومن تقاسم السلطة إلى إعادة تعريفها، ومن شرعية السلاح إلى شرعية المواطنة





