من تغيير العملة إلى الانقسام النقدي: كيف تحوّلت أزمة الجنيه السوداني إلى صراع على السيادة؟

عمر سيد احمد باحث في الاقتصاد السياسي السوداني
خبير مصرفي ومالي مستقل o.sidahmed09@gmail.com
يوليو 2026
لم تعد أزمة العملة في السودان مسألة تدهور في القيمة أو ارتفاع في الأسعار فحسب، بل تحوّلت خلال الأشهر الأخيرة إلى مواجهة مؤسسية مفتوحة بين سلطتين تتنازعان حق إصدار النقد وإدارته. فبعد أن كان تغيير العملة، الذي بدأته الحكومة السودانية منذ عام 2024 بوقف التعامل بفئتي الخمسمائة والألف جنيه القديمتين، خطوة تندرج ضمن أدوات إدارة الأزمة النقدية، تطوّر المشهد ليأخذ بعداً أخطر: نشوء بنك مركزي موازٍ، وعملة موازية، وحكومة موازية تتخذ من نيالا عاصمة لها.
سلطة نقد في نيالا
أعلن تحالف “السودان التأسيسي”، الذراع السياسية لقوات الدعم السريع، عن تعيين حسين يحيى جنقول محافظاً لما تسميه “البنك المركزي” في نيالا، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين المصرفيين والاقتصاديين. واللافت في هذا الاختيار أنه لم يكن عشوائياً: فجنقول هو نفسه من شغل منصب محافظ بنك السودان المركزي خلال سنوات الحرب الأولى قبل أن يُعفى من منصبه في أبريل 2023، وتوقيعه هو ذاته الموجود على فئات الخمسمائة والألف جنيه التي طُبعت في مايو 2022 وما زالت متداولة حتى اليوم في مناطق سيطرة “الدعم السريع”. بمعنى آخر، لم تكن سلطة “تأسيس” بحاجة إلى طباعة عملة جديدة من الصفر؛ فالمخزون النقدي القديم الذي يحمل توقيعاً “شرعياً” سابقاً كان جاهزاً لإعادة الضخ في الأسواق، وهو ما رجّح مصرفيون في نيالا أنه ما حدث فعلياً مع الأوراق النقدية التي ظهرت حديثة المظهر رغم تاريخ إصدارها القديم.
هذا التسلسل يفسر واحدة من أخطر ملامح الانقسام النقدي الراهن: فحكومة الخرطوم حظرت التعامل بالفئات القديمة وأصدرت أوراقاً جديدة موقعة من المحافظ الحالي برعي الصديق، بينما اعترفت سلطة نيالا بالفئات القديمة فقط ومنعت تداول العملة الجديدة في مناطقها. والنتيجة أن الجنيه السوداني نفسه انقسم إلى نسختين متوازيتين، لكل منهما توقيع ومحافظ ومناطق نفوذ خاصة بها.
بنك المستقبل.. من فكرة إلى فروع
توازى إنشاء “البنك المركزي” الموازي مع تأسيس أول مصرف تجاري تابع لحكومة “تأسيس”، يحمل اسم “بنك المستقبل”، افتُتح مطلع 2026 في نيالا قبل أن يفتتح فرعاً ثانياً في الضعين نهاية الشهر نفسه. ويعتمد هذا الكيان بشكل أساسي على الصرافة الإلكترونية والتحويلات الرقمية عبر منصات مالية شبه إلكترونية، في محاولة لتجاوز انهيار النظام المصرفي التقليدي في دارفور وكردفان. غير أن مصرفيين واقتصاديين سودانيين يشككون في قابلية هذا المشروع للاستمرار، مستشهدين بتجربة “بنك جبال النوبة” الذي أنشأته الحركة الشعبية شمال في 2008 وواجه صعوبات كبيرة في الشفافية وإدارة الشبكة المالية. فالمصارف، كما يقول هؤلاء، تقوم على الثقة والإيداع والسحب، وهي عملية يصعب أن تزدهر في بيئة تفتقر إلى الاعتراف الدولي ونظام “سويفت” وسلطة إصدار عملة معترف بها.
كما حذّر بنك السودان المركزي الرسمي من التعامل مع تطبيق “فيوتشر موني سيرفيس” المرتبط شعبياً ببنك المستقبل، معتبراً أنه غير مرخّص وينتهك قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإن لم يربط البيان الرسمي التطبيق صراحة بالبنك.
التعايشي وخطة استكمال المنظومة
لم تتوقف خطوات حكومة “تأسيس” عند التعيين والتأسيس، إذ أعلن رئيس وزرائها محمد حسن التعايشي في مايو الماضي إنشاء “مجلس العملة الانتقالي”، وحدّد مهامه في تنظيم الشؤون النقدية والمصرفية، والإشراف على برامج استبدال العملة، ومنح تراخيص مزاولة الأعمال المصرفية بالتنسيق مع محافظ “البنك المركزي” في نيالا. وبذلك تكون سلطة “تأسيس” قد أعلنت، ولو بشكل غير مباشر، نيتها استكمال بنية مؤسسية نقدية متكاملة: محافظ، ومجلس عملة، ومصرف تجاري، وأوراق نقدية معترف بها في مناطق نفوذها، أي كل عناصر السيادة النقدية باستثناء الاعتراف الدولي.
مآلات الانقسام
ثمة ثلاثة مسارات محتملة لهذا الانقسام النقدي المتصاعد:
الأول، استمرار الأمر الواقع دون إعلان رسمي عن عملتين منفصلتين، بحيث تتحدد قيمة النقود وقواعد التداول وفق خرائط النفوذ العسكري، وهو ما يجعل توحيد الاقتصاد السوداني مستقبلاً أكثر كلفة وتعقيداً كلما طال أمد الحرب.
الثاني، تحوّل بعض المناطق، خصوصاً الحدودية منها المرتبطة تجارياً بتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، إلى الاعتماد المتزايد على العملات الأجنبية أو أنظمة دفع رقمية غير خاضعة لأي سلطة نقدية سودانية، بما يُخرج جزءاً من الاقتصاد الوطني من الإطار السيادي للدولة أياً كانت حكومتها.
الثالث، وهو الأخطر، أن يتحول الانقسام النقدي من نتيجة للحرب إلى عامل مُغذٍّ للانقسام السياسي والجغرافي، بحيث تصبح المؤسسات المالية الموازية جزءاً من البنية التي تُرسّخ وجود كيانين متمايزين على الأرض، لا مجرد إدارتين متنازعتين على شرعية واحدة.
خلاصة
إن ما بدأ كأزمة سيولة وتضخم يتحوّل تدريجياً إلى اختبار وجودي لفكرة الدولة السودانية الموحدة. فحين يملك كل طرف محافظاً وبنكاً مركزياً وعملة يعترف بها وأخرى يحظرها، يصبح السؤال عن “من يدير الاقتصاد” أقل أهمية من السؤال عن “هل ما زال هناك اقتصاد وطني واحد أصلاً؟”. والإجابة عن هذا السؤال لن تحددها القرارات النقدية وحدها، بل مسار الحرب ونتائجها السياسية، ذلك أن العملة، في نهاية المطاف، لا تعكس إلا صورة الدولة التي تصدرها.





